أطلقت الحكومة الأردنية قبل بضعة أيام خطة لتحديث القطاع العام، كانت جريئة في بعض ثناياها من حيث اعترافها بتراجع فعالية الحكومة وتواضع الأداء في الخدمات الحكومية المقدّمة، كما في اعترافها بأن «ثقة المواطن بالحكومة متواضعة».

لقد عانى القطاع العام في الأردن، كما في الكثير من الدول العربية، من ترهّل تدريجي في نوعية الخدمات المقدّمة من القطاع العام، إضافةً إلى تضخم غير محمود في عدد العاملين في هذا القطاع، ما انعكس على الاقتصاد الأردني بشكل ملحوظ. لعلّ الوضع الحالي وصل إلى مستويات متدنية، إلى الحد الذي يجعل استمراره غير قابل للاستدامة في بيئة إقليمية وعالمية منافسة للغاية.

وفي حين تضمنت الخطة الكثير من الجزئيات في محاور تطوير الخدمات والمؤسسات والتشريعات، وهي جزئيات هامة كما عرضة للنقد في بعض جوانبها، إلا أن إطار عمل الخطة افتقر إلى إطار كلي يتناول الفلسفة التي اعتمدتها الخطة، كما كان بحاجة لأن يقدّم تصورًا عن ضرورة وكيفية تغيير النهج القائم الذي أدى إلى هذا الترهّل، وذلك حتى لا تكون المعالجة مجتزأة وقاصرة. ولعلّ العناصر التالية تساهم في تجويد الخطة وإزالة الغموض عن بعض جوانبها.

أولًا: إن ترهّل القطاع العام نتيجة مباشرة لنظام ريعي اعتمد على زيادة حجم العاملين في هذا القطاع على حساب الإنتاجية، حتى بلغ هذا الحجم 42 في المئة من القوى العاملة. وإن أي خطة جديدة لا بد أن تضع سقفًا واضحًا ومحدّدًا لهذا الحجم كمقدّمة لنهج جديد في إدارة القطاع العام.

ثانيًا: توسعت الخطة كما يجب أن يكون عليه الحال في الحديث عن المواطن كمستقبل للخدمات الحكومية وتحسين نوعية الخدمات الحكومية لمتلقيها. يجب أن يرافق ذلك تركيز مواز على مرسل الخدمة، أي موظف القطاع العام، الذي بحاجة لعملية إعادة تأهيل جذرية، فلا يمكن تحسين الخدمات الحكومية دون إعادة تأهيل من يقوم على تقديم هذه الخدمات.

ثالثًا: لا يمكن إغفال الحديث عن ضرورة إصلاح النظام التربوي في أي خطة لتحديث القطاع العام. إن إصلاح المنظومة التربوية مطلوب لسببين هنا: الأول ضمان رفع نوعية العاملين في القطاع العام لتحقيق هدف تحسين الخدمات المقدّمة، والثاني ضمان تخريج أجيال مؤهلة للعمل في القطاع الخاص الذي سيصبح بالضرورة المشغل الرئيسي والمستوعب للعمالة بعد أن قام القطاع العام بذلك لعقود وبنوعية تدنت تدريجيًا.

رابعًا: لا يمكن أن يبقى الحديث عن تمكين المرأة من باب التمنيات في أي خطة للتحديث، فزيادة نسبة العاملات في القطاع العام، بل في كل القطاعات، وعلى كافة المستويات الإدارية والسياسية، بحاجة لنهج إداري وتشريعي جديد يعترف بدور المرأة في زيادة حجم الاقتصاد والإنتاجية بما يعود بالنفع على المجتمع بأسره، ضمن إطار يزيل كافة المعيقات التشريعية والإدارية أمامها.

خامسًا: تحتاج العناصر الواردة أعلاه إلى مدة زمنية قد تصل لأكثر من عقد أو اثنين حتى تأتي أكلها، ولا بد لتجسير الهوة من استخدام التكنولوجيا الحديثة في كافة إدارات القطاع العام. وفي حين ذكرت الخطة الحاجة للأتمتة، لم يتم وضعها ضمن إطار كلي لاعتمادها في كافة مراحل التنفيذ. ولا بد من الإدراك أن أتمتة الخدمات الحكومية في الأردن تسير بشكل متواضع، وأن دولًا عربية عديدة مجاورة قطعت أشواطًا وحققت نجاحات باهرة في هذا المجال، بينما بقي الحديث عن الأتمتة في الأردن متراجعًا بوضوح عن واقع الإنجاز.

كنت أتمنى لو وضعت الخطة مثل هذا الإطار الفلسفي قبل الشروع في الجزئيات، لأن الأخيرة ستُفهم بشكل أوضح إن ارتبطت بمثل هذا الإطار العام، وسيتم تنفيذها ضمن سياق متكامل يأخذ بعين الاعتبار كافة العناصر المطلوبة لضمان نجاح الخطة.

أما في مجال دمج الوزارات، فلن أدخل في هذه الجزئية مع قناعتي أن دوافعها لم تفَسَّر بالشكل المقنع الكافي، لكنني وكوزير إعلام سابق تستوقفني إعادة وزارة الإعلام في الأردن بعد عشرين عامًا من إلغائها تحت مسمى «وزارة التواصل الحكومي».

فإن كان الهدف التواصل مع الناس وشرح القرارات الحكومية بشكل مقنع، فإن ذلك لا يتأتى بإعادة الدور الرقابي للحكومة على وسائل الإعلام، وإنما عن طريق جهاز متخصص يشرح القرارات الحكومية بالطرق الحديثة ويترك المجال للرأي الآخر من دون إعادة الرقابة على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء.

كيف توفّق الحكومة بين دعوتها للاعتماد على التكنولوجيا وإدراكها أن المواطنين يستطيعون الوصول الى أي مصدر للمعلومات، وبين محاولتها لإعادة الوزارة في مخالفة واضحة لكل الاتجاهات الحديثة وتعبير عن عقلية قديمة في التعامل مع الإعلام تجاوزها الزمن.

تحديث القطاع العام خطوة لا بد منها، لكن يجب وضعه في سياق متكامل يتضمن اعتماد نظم تربوية جديدة، ونظرة مختلفة تمامًا لمكانة المرأة، كما يتضمن التسريع في استعمال التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي. يتوجب الانتقال من الثقافة الريعية السائدة التي شجعتها الدولة في الماضي من ضمان الوظيفة العامة مدى الحياة وبغض النظر عن الأداء، إلى ثقافة تحد من العمل في القطاع العام، وتجعله مربوطًا بالأداء، وتهيئ الأجيال القادمة للعمل في القطاع الخاص، كما تجعل من هذا القطاع المشغل الرئيسي للعمالة.

لم يعد الإصلاح الإداري في الأردن ترفًا، بل إنه، وبالتزامن مع الإصلاح السياسي والاقتصادي، ضرورة لضمان الاستقرار والازدهار في آن.