تركزت الجهود الأردنية بعد حرب 1967 بداية نحو محاولة استعادة الضفة الغربية والقدس بالطرق الدبلوماسية، وبالتنسيق والدعم من مصر، ما أدى إلى قرار 242 وجهود مبعوث الأمم المتحدة يارنغ لتنفيذ هذا القرار. وبعد اعتماد جامعة الدول العربية لمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني في العام 1974، بدأت الجهود الأردنية تأخذ طابعًا مختلفًا ركيزته الاتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية على الذهاب لمؤتمر دولي بوفد أردني فلسطيني مشترك، وبهدف نهائي هو كونفدرالية أردنية فلسطينية. تكثفت هذه الجهود بعد إطلاق الرئيس الأميركي الراحل ريغان لمبادرته في العام 1982 واستمرت حتى العام 1986.

بعد فشل هذه المفاوضات وانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987، حصل تطور آخر على الموقف الأردني، حيث بات المغفور له الملك الحسين، على قناعة بأن الجيل الفلسطيني الجديد، الذي لم يكن يعرف الأردن، يفضل تحقيق تطلعاته الوطنية، من خلال إقامة دولة فلسطينية على ترابه الوطني، وبشكل مستقل عن الأردن. أدت هذه القناعة إلى قرار فك الارتباط والمشاركة في مؤتمر مدريد. ومنذ ذلك الوقت، تبلورت فكرة حل الدولتين، أردنيًا كما فلسطينيًا، كالحل الأمثل لإقامة الدولة الفلسطينية، تنفيذًا للتطلعات الفلسطينية، كما هو الحل الأمثل لعدم قيام إسرائيل بحل الصراع على حساب الأردن.

وعلى الرغم من امتعاض الأردن الأولي لعدم إعلامه باتفاقية أوسلو، فقد عمل جاهدًا لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني، بدءًا من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، مرورًا بمبادرة السلام العربية وخريطة الطريق، اللتين كان للأردن دور مميز في بلورتهما، وصولًا إلى الموقف الحالي، الذي لا يزال متشبثًا بحل الدولتين، على الرغم من تغير الظروف والحقائق على الأرض.

والآن بعد مرور ما يقرب من ثلاثين عامًا من توقيع اتفاقية أوسلو، ثمّة حقائق لا يمكن تجاهلها تمثل المقاربة الفلسطينية والأردنية والعربية للحل.

أولى هذه الحقائق هي الازدياد المطرد في عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس، من مئتين وخمسين ألف مستوطن عام توقيع أوسلو، أي في العام 1993، إلى أكثر من سبعمئة ألف مستوطن اليوم، بما في ذلك مئتان وخمسون ألف مستوطن في القدس الشرقية وحدها، ما يجعل إمكانية الفصل بين الجانبين شبه مستحيل.

ثاني هذه الحقائق أنه بات واضحًا أن إسرائيل، وهي تعلن ذلك صباح مساء، لا تنوي الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، ولا تنوي إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، وأن المفهوم الإسرائيلي لحل الدولتين يختلف جذريًا عن المفهوم الفلسطيني والعربي، وقد عبرت عن ذلك بوضوح ما دعيت بهتانًا بصفقة القرن، وهي ترجمة أميركية لكل التمنيات الإسرائيلية بضم القدس، وغور الأردن وأراضي المستوطنات، وإقامة كيان يدعى الدولة الفلسطينية، وهو في واقع الحال بندستان فلسطيني غير قابل للحياة ومحاصر من إسرائيل من جوانبه كافة.

ثالث هذه الحقائق أن المجتمع الدولي اليوم، ليست لديه نية لحل الصراع وتحقيق حل الدولتين، ولا يملك خطة واقعية لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، ولا الرغبة في الضغط على إسرائيل، وأن الجهود الدولية الماضية لتحقيق الحل تم اختزالها اليوم بدعم لفظي لحل الدولتين، لا يمتلك أي أدوات لتنفيذه، ولا يؤدي إلا إلى إعطاء إسرائيل مزيدًا من الوقت لالتهام الأرض وزيادة عدد المستوطنين، وبالتالي قتل حل الدولتين بينما يراقب المجتمع الدولي ذلك، من دون أن يحرك ساكنًا.

السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يتمسك الأردن اليوم بمقاربة لا يمكن تحقيقها ولا تريدها إسرائيل، بل تعمل ضدها ولا يرغب المجتمع الدولي في تنفيذها قبل فوات الأوان؟ يتمثل الموقف الأردني اليوم في أن التخلي عن حل الدولتين يعني أن إسرائيل ستعمل على بلورة حل الدولة الواحدة ذات نظام عنصري. ويغفل هذا الموقف أن دولة الأبرتهايد الإسرائيلية ليست خطرًا مستقبليًا، بل هي واقع حاليًا. وهو واقع ينطبق على الفلسطينيين تحت الاحتلال، كما على فلسطيني الداخل، خاصةً بعد إقرار إسرائيل لقانون القومية اليهودية في العام 2018 الذي يميز بوضوح بين المواطنين اليهود والعرب داخل دولة إسرائيل. لم يعد السؤال اليوم يتركز على شكل الحل بقدر تركيزه على مستقبل الحقوق السياسية والمدنية للفلسطينيين، ففي ظل استحالة تنفيذ حل الدولتين، وهو ما سيبدو جليًا بعد أعوام قليلة، يصبح السؤال ما يتوجب عمله اليوم لضمان أن تكون الدولة الواحدة دولة ديمقراطية وليست دولة عنصرية؟

إن كان خطأ أوسلو القاتل هو عدم تجميد الوضع القائم والسماح ببناء المزيد من المستوطنات، فإن خطأ المجتمع الدولي الآخر هو التركيز على شكل الحل، من دون إقرانه بتركيز مماثل على الحقوق الفلسطينية. لقد اعتقد المجتمع الدولي لسنين عدة أنه يستطيع تجاهل هذه الحقوق ريثما يتم العمل على إقامة الدولة الفلسطينية، وأن إقامة الدولة الفلسطينية ستلغي الحاجة للتركيز على هذه الحقوق. أما وقد وصلنا إلى طريق مسدود في ما يتعلق بتحقيق حل الدولتين، فلم يعد من المقبول تجاهل هذه الحقوق. وكما أخذ الأردن بعين الاعتبار التحول العميق الذي طرأ على موقف الجيل الفلسطيني الجديد عشية اندلاع الانتفاضة الأولى، لا بد له أيضًا من أن يأخذ بعين الاعتبار موقف الجيل الفلسطيني الجديد اليوم، الذي تشير استطلاعات الرأي كافة، إلى أن هناك غالبية متزايدة لديه لا تؤمن بإمكانية تحقيق حل الدولتين، ولا ترغب أساسًا في أي حل يقدم لها دولة مجتزأة ومنقوصة السيادة. من المفترض أن تنطلق المصلحة الأردنية من أهمية إقامة الدولة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية، وليس على شكل الحل، وقد تطورت المقاربة الأردنية من موضوع شكل الحل، كما أسلفت في الماضي في حين بقيت المصلحة ثابتة. الموقف الأردني اليوم بحاجة إلى تطوير مقاربته، من دون المساس بالهدف النهائي بناء على عناصر رئيسية لهذه المقاربة أراها كالاتي:

أولًا: الانتقال من التركيز على شكل الحل وكأنه الهدف الأسمى، إلى التركيز على الحقوق المتساوية للجانبين كأساس لأي حل مستقبلي بغض النظر عن شكله، ورفض أي مقاربة لا تعتمد ذلك.

ثانيًا: اعتماد خطة تركز على موضوع الحقوق كافة، السياسية والمدنية وغيرها، والمساهمة في إقناع المجتمع الدولي بهذا النهج. نعيش اليوم في عالم قد لا يكترث المواطن في الخارج فيه بشكل حل القضية الفلسطينية، ولكنه يبدي اهتمامًا متزايدًا بموضوع الحقوق، وهو ما شهدناه بوضوح داخل المجتمع الأميركي كقضية جورج فلويد وحركة Black Lives Matter، كما في التعاطف الدولي الكبير من قبل المواطنين العاديين في العالم إبان الحروب الإسرائيلية على غزة، واغتيال الشهيدة شيرين أبو عاقلة، وغير ذلك من أحداث كارثية. من الأهمية بمكان فضح الممارسات الإسرائيلية عن طريق خطاب إعلامي عقلاني للعالم، يتحدث بلغة مفهومة للعالم الخارجي، والأردن قادر على فعل ذلك.

ثالثًا: دعم الصمود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية وبكل الوسائل المتاحة، تعزيزًا للصمود الفلسطيني، الذي تشير استطلاعات الرأي كافة إليه من حيث نسبة الفلسطينيين المتدنية، الذين يرغبون بالهجرة مقارنة مع معظم الدول العربية المجاورة. ودعمًا لذلك، يجب تنسيق الجهود مع المؤسسات والأفراد من الفلسطينيين والعرب المهتمين بتوفير الدعم المالي، حتى إن تقاعست الحكومات العربية عن توفير هذا الدعم.

رابعًا: تشجيع حركتَي فتح وحماس على تحقيق الوحدة الفلسطينية، مقرونة بانتخابات تشريعية جديدة، وهو مطلب شعبي فلسطيني واضح، كما أنه سيساهم في بلورة موقف فلسطيني قوي ضد المحاولات الإسرائيلية لتقسيم الضفة الغربية وغزة وفرض واقع جديد لا يخدم إلا إسرائيل.

خامسًا: وقف كل أشكال التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، وبالأخص في موضوعَي الطاقة والمياه، لأن مثل هذا التعاون لا يستقيم مع الإجراءات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، ولا مع المحاولات الإسرائيلية المتكررة لحل الصراع على حساب الأردن.

سادسًا: العمل مع المجتمع الدولي لوقف التعامل بين بعض الدول ومنتجات المستوطنات باعتبارها غير شرعية وضد القانون الدولي.

سابعًا: توظيف العلاقات المتينة التي تجمع بين الأردن ومختلف الإدارات الأميركية كما الدولية لإفهام المجتمع الدولي أنه سيواجه وضعًا عليه فيه التعامل ليس فقط مع الاحتلال، بل مع نظام فصل عنصري لن تقبل به شعوبه بمرور الزمن.

أن يجد الأردن صعوبة في تحقيق ما سبق، فهي صعوبة تهون أمام الموقف الحالي الذي يكتفي بالمناداة بحل الدولتين، بينما تعمل إسرائيل على قتله. لم يكن الموقف الأردني جامدًا في الماضي ولا داعي لأن يكون جامدًا اليوم.