ماذا حدث؟

أعلن الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، في 29 آب/أغسطس، اعتزال العمل السياسي في مناورة جديدة من مناوراته السياسية المفاجئة، ما دفع أنصاره إلى الاشتباك مع المجموعات الشيعية المنافسة واقتحام مجمّع حكومي في المنطقة الخضراء وسط بغداد.

جاءت خطوة الصدر بمثابة رد فعل على الانتقادات التي وجّهها إليه مرشده السابق آية الله العظمى كاظم الحائري المقيم في إيران، وهو مرجع شيعي ذكاه والد الصدر الراحل محمد صادق الصدر لخلافته، قبل اغتياله على يد نظام صدام حسين عام 1999. في اليوم نفسه، أعلن الحائري أيضًا تنازله عن المرجعية الدينية، وطلب من أتباعه، ومنهم أنصار الصدر، اتّباع مرجعية المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وكان لافتًا على نحو خاص أنه لم يطلب من أنصاره اتّباع مرجعية آية الله العظمى علي السيستاني المقيم في مدينة النجف العراقية ومقامه الديني أرفع من مقام خامنئي.

ألمح الصدر، في رسالة اعتزاله، إلى أن إيران تقف ربما خلف تنازل الحائري عن المرجعية الدينية وانتقاده له، قبل أن يعلن اعتزاله العمل السياسي وإغلاق معظم مؤسساته. وكان قد أشار سابقًا إلى أنه يعتزم إعلان اعتزاله بعدما أخفق في تشكيل حكومة عقب فوزه في الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/أكتوبر 2021 لأن خصومه الشيعة رصّوا صفوفهم ضده. ولم تكن المرة الأولى التي يعلن فيها الصدر انسحابه من الحياة السياسية. ففي العام 2008، غادر العراق للتتلمذ على يد الحائري في إيران، وفي العام 2014، اعتزل أيضًا العمل السياسي ليعود لاحقًا عن قراره.


 

أين تكمن أهمية المسألة؟

أولًا، على المستوى السياسي، سيؤدّي اعتزال الصدر وإمكانية اتّساع رقعة العنف إلى تعميق الهوّة بين الصدر وخصومه الشيعة المقرّبين من إيران. فحقبة الوحدة الشيعية وبناء التوافق في السياسة هي في طور الأفول، وسيكون من الصعب ترميمها. يسلّط خروج الصدر من السياسة، بعد الاستقالة الجماعية لكتلته من مجلس النواب في حزيران/يونيو الماضي، الضوء على عجز المنظومة السياسية في ظل وجود أفرقاء غير حكوميين مدجّجين بالسلاح والنفوذ. ينطبق ذلك بصورة خاصة على قوات الحشد الشعبي التي تنضوي تحت لوائها الميليشيات المسلّحة التي يقود خصوم الصدر الشيعة عددًا كبيرًا منها، أو ينتمون إليها.

اندلاع أعمال عنف هو احتمال واقعي جدًّا، وهذا ما أظهرته الاشتباكات التي وقعت في 29 آب/أغسطس. ووفقًا لما حذّر منه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في وقت سابق من الشهر الجاري، "إذا انطلق الرصاص فلن يتوقف لسنين". ونظرًا إلى انعدام سبل التغيير من داخل مؤسسات الدولة العراقية، وإلى القمع الشديد الذي تعرّض له المتظاهرون السلميون، قد يظهر أن العنف هو البديل الأكثر احتمالًا، لأنّ التململ الشعبي لا بدّ أن يبحث عن متنفّس.

ثانيًا، شكّل إقحام الحائري في المعركة السياسية في العراق – من جانب إيران، كما ألمح الصدر – مستوى آخر من التدخل، وهو عاملٌ مهم ليس فقط في ما يتعلق بالصدر إنما أيضًا بالنسبة إلى مكانة المعاهد الدينية النجفية في العالم الشيعي. جاءت دعوة الحائري أنصاره إلى اتّباع مرجعية خامنئي في التوقيت المناسب، مع بروز مسألة خلافة السيستاني البالغ من العمر 92 عامًا إلى الواجهة من جديد بعد وفاة محمد سعيد الحكيم الذي هو أيضًا من كبار رجال الدين في النجف وكان في السابق وريثًا محتملًا للسيستاني. ولكن ما هو على المحك لا يتمثّل ببساطة في المواجهة بين قم والنجف أو بين إيران والعراق، في ضوء تعدد المرجعيات الدينية، إنما يكمن في هيمنة النظام الإيراني أو قيادته لميدان ديني متعدّد الأقطاب وممأسَس تاريخيًا. وغالبًا ما ولّد هذا التنوع تداعيات أو مظاهر سياسية.

منذ الثورة الإيرانية في العام 1979، ما زال النظام الديني يحاول دمج القيادتَين السياسية والدينية في منصب المرشد الأعلى. في حين أن آية الله روح الله الخميني كان آية الله العظمى، ومرجعًا للتقليد تُعتبر مؤهلاته الدينية غير قابلة للجدل، أمضى الرئيس الإيراني السابق خامنئي فترات طويلة من حياته في المجال السياسي بدلًا من الانخراط في الفقه الديني، لكن تمت ترقيته فجأةً إلى منصب آية الله العظمى بعد وفاة آية الله العظمى محمد علي الأراكي الذي كان يتبوّأ أعلى منصب ديني في إيران في العام 1994. وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، كان الخميني في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي، مقابل خامنئي الذي تشكّل مؤهّلاته الدينية محط جدل. ربما تعبّر توصية الحائري باتّباع مرجعية خامنئي، سواء أتت تحت الضغط أو بملء إرادته، عن رغبة إيران في استعراض عضلاتها في مسألة أهم بكثير ترتبط باختيار خليفة السيستاني في النجف. قد يشرح هذا الأمر لماذا ردّ الصدر على توجيهات الحائري قائلًا: "النجف الأشرف هي المقرّ الأكبر للمرجعية"، ما ألمح إلى أن إيران بزعامة خامنئي لا يمكنها أن تضطلع بدور كهذا.


 

ما المضاعفات على المستقبل؟

يكشف إعلان الصدر، على غرار انسحاب نواب تياره من البرلمان العراقي، عن القيود التي تواجهها مؤسسات الدولة والانتخابات والحسابات البرلمانية حيث تتنافس قوى مسلحة غير حكومية على السلطة. قد يكون الصدر متقلّبًا أحيانًا، لكن إيران ومحاوريها يستطيعون التعامل معه. يكمن التحدي الذي تواجهه إيران في الاستياء المتنامي في أوساط شيعة العراق من حلفاء طهران الذين لم يفلحوا في الحكم بشكل جيد. وفي حال أدّى السخط المتعاظم في أوساط مناصري الصدر إلى إشعال موجة أوسع من العنف، قد ينعكس سلوكه المتقلّب ونقص الانضباط والتدريب في صفوف أتباعه سلبًا على التيار الصدري، فيخسر بالتالي التأييد الشعبي.

يثير انسحاب الصدر من الحياة السياسية العراقية، وإن بشكل مؤقّت، تساؤلات حول قدرة الإطار التنسيقي، أي التحالف الذي يضم خصوم التيار الصدري، على الاستمرار. فمن دون الصدر كخصم، قد ينفرط هذا التحالف من الفصائل والسياسيين الشيعة، حتى لو أن معظمهم حلفاء لإيران، ما يزيد من تعقيد عملية تشكيل حكومة عراقية جديدة.