حمزة المؤدّب زميل في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تركّز أبحاثه على الاقتصاد السياسي والأمن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويتولّى مع الزميلة نور عرفة إدارة برنامج جديد حول الاقتصاد السياسي في المركز. أجرت "ديوان" مقابلة معه في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي للاطّلاع منه على آخر مستجدّات الوضع الاقتصادي في تونس، حيث يواصل الرئيس قيس سعيّد توطيد أركان سلطته، بيد أنه عاجزٌ عن تحسين الوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد.

مايكل يونغ: ما مدى استقرار النظام السياسي الجديد الذي أرساه الرئيس قيس سعيّد في تونس؟

حمزة المؤدّب: على الرغم من تبنّي تونس دستورًا جديدًا في 25 تموز/يوليو الفائت، ما أدّى إلى إحلال نظام رئاسي مطلق، يبدو النظام السياسي الجديد بعيدًا كل البعد عن الاستقرار. نجح الرئيس قيس سعيّد في تحقيق ثلاثة أهداف منذ استيلائه على السلطة في تموز/يوليو من العام 2021. أولًا، ضَمَن تركُّز السلطة في يديه من خلال توسيع الصلاحيات التنفيذية، ولا سيما تلك التي يمتلكها الرئيس، على حساب البرلمان والسلطة القضائية. وثانيًا، عمل على إضعاف الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو النقابة العمّالية الأساسية ومكوّن اجتماعي نافذ كان يتمتع بتأثير أكبر بكثير على الديناميكيات السياسية في البلاد. وثالثًا، قام بتهميش حزب النهضة الإسلامي، وهو الحزب الأكبر في البلاد، والذي أدّى دورًا وازنًا في العملية الانتقالية التونسية لأكثر من عقد من الزمن. لكن سعيّد فشل في التصدّي للتحديات الاقتصادية وصياغة رؤية اقتصادية للبلاد. كذلك، لم يطرح خطة للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية الحادّة التي تفاقمت جرّاء الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة والمواد الغذائية نتيجة الحرب في أوكرانيا. فبعد مرور أكثر من عام على استيلاء سعيّد على السلطة، لا ينفّك الوضع الاقتصادي في تونس يتدهور، في ظل نقص المواد الغذائية، ما أدّى إلى تنامي الإحباط والغضب في أوساط التونسيين.

قام سعيّد أيضًا باستعداء النخب السياسية التونسية من خلال تبنّي موقف مناهض للأحزاب. فقد أعلنت أحزاب سياسية بارزة عن مقاطعتها الانتخابات التشريعية المقرّر إجراؤها في أواخر هذا العام لأن سعيّد تولّى صياغة القانون الانتخابي بصورة أحادية. وتُجادل الأحزاب والنخب بأن نظام الاقتراع الجديد الذي ينصّ على التصويت للأفراد وليس للقوائم سيصبّ في صالح المرشّحين الأثرياء ويؤجّج التوترات القبَلية والجهوية في البلاد، ناهيك عن أن عدم اعتماد مبدأ التناصف بين الجنسين في الترشّح للانتخابات سيُضرّ بتمثيل النساء في البرلمان.

يونغ: أين الهجرة غير الشرعية من خطط سعيّد؟ بعبارة أخرى، ماذا يكشف هذا الملف عن الطبقة الحاكمة في تونس وعلاقتها بأوروبا؟

المؤدّب: زادت وتيرة الهجرة غير الشرعية من تونس خلال العام 2022، إذ بلغ عدد التونسيين الذين وصلوا إلى إيطاليا بحلول منتصف شهر أيلول/سبتمبر ما يقارب 13,500 شخص. والأكيد أن الرقم الفعلي أعلى من ذلك، إذا أخذنا في الحسبان آلاف التونسيين الذين دخلوا أوروبا الغربية من خلال طريق بديلة عبر دول البلقان. وتمثّل هذه الأرقام أكبر موجة هجرة شهدتها البلاد منذ العام 2011، حين غادر 25,000 تونسي البلاد خلال الأسابيع التي تلت سقوط الرئيس زين العابدين بن علي. وتعبّر هذه الظاهرة عن مدى تدهور الوضع الاقتصادي في تونس، وفقدان الأمل لدى الكثير من التونسيين من إمكانية حدوث تعافٍ في المستقبل المنظور.

تشكّل هذه الموجة التي بدأت في العام 2011 وتسارعت وتيرتها في العام 2022، مدعاة قلق للسطات الإيطالية. فقد زار وزيرا الداخلية والخارجية الإيطاليان تونس مرات عدّة والتقيا سعيّد للإصرار على ضرورة تعزيز التعاون بين البلدَين لمكافحة الهجرة غير الشرعية. ووافق سعيّد ضمنيًا على تسريع عملية إعادة المهاجرين غير الشرعيين، وتمّ ترحيل المئات من فرنسا وإيطاليا إلى تونس. يُشار إلى أن حكومات ما بعد العام 2011 لم تقدِم على مثل هذه الخطوة، ما يكشف عن مدى ضعف سعيّد نتيجة عزلته. فقد أدّت الانتقادات التي وجّهها المجتمع الدولي إليه بعد استيلائه على السلطة إلى إضعاف موقعه وحرمانه من أي هامش مناورة للتفاوض مع نظرائه الأوروبيين حول قضايا الهجرة.

يونغ: كيف يمكن أن يساعد الاتفاق الذي وقّعته الحكومة مع الاتحاد العام التونسي للشغل في 15 أيلول/سبتمبر حول أجور القطاع العام في سير المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؟

المؤدّب: يُعتبر الاتفاق خطوة نحو ضمان إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي على مستوى الخبراء حول برنامج جديد سينفّذ على مدى سنوات عدّة. وهو ينطوي على جانب إيجابي إذ يتيح إمكانية توقّع آلية زيادة أجور القطاع العام. فالزيادة التي أُقرّت بنسبة 3.5 في المئة سنويًا والتي ستُطبَّق لفترة 2023-2025، ليس لها أثر رجعي وهي أقل بكثير من معدل التضخم. وتعهّد الاتحاد العام للشغل بعدم المطالبة بأي زيادات أخرى في الأجور خلال فترة الاتفاق مع الحكومة. مع ذلك، سينطوي تنفيذه على بعض المخاطر. فسيفاقم انخفاض مستويات المعيشة الناجم عن ارتفاع معدل التضخم الخلافات في صفوف أعضاء الاتحاد، ما من شأنه أن يطرح مشاكل جديّة لقيادته. يُضاف إلى ذلك أن إصلاح نظام الدعم، الذي يُعتبر ركيزة أساسية لإبرام أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي في المستقبل، سيُلحق الضرر على الأرجح بالقدرة الشرائية للطبقات الوسطى التي تعتمد على الدولة والتي تُعتبر القاعدة الشعبية الأساسية للاتحاد. وقد يُضعف هذا الأمر قيادته ويفاقم الانقسامات في داخله. ونظرًا إلى مقاطعة الأحزاب السياسية الانتخابات، قد لا يكون البرلمان الجديد قادرًا على العمل كمنبر لإيصال المطالب الاقتصادية وعقد النقاشات السياسية، ما قد يشرّع الساحة أمام سياسات الشارع التي قد تزعزع استقرار النظام السياسي الراهن.

يونغ: كيف تتوقع أن يكون وضع الاقتصاد التونسي بعد عامٍ من اليوم؟

المؤدّب: لا تزال الآفاق الاقتصادية في تونس ضبابية. فالتعافي في مرحلة ما بعد الوباء يُعتبر بطيئًا، فضلًا عن أن ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية بسبب الحرب في أوكرانيا يزيد من هشاشة الاقتصاد. ولا تزال استدامة القدرة على تحمّل الدين تثير قلقًا شديدًا بسبب ارتفاع عجوزات المالية العامة والاحتياجات المالية الكبيرة. في غضون ذلك، تسير المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج تشتدّ حاجة تونس إليه لضمان استقرار الاقتصاد الكلي بصعوبة، ولن يتم إبرام أي اتفاق في هذا الصدد قبل العام 2023، إذا كُتب له أن يحدث أساسًا. إذًا، ستكون الأشهر المقبلة ضبابية وحافلة بالصعوبات.

تكمن المفارقة في أن سعيّد عاجزٌ عن انتشال تونس من الأزمة الاقتصادية الذي تغرق فيها، على الرغم من التغييرات الكبيرة التي أدخلها على النظام السياسي. فهو فشل في تحييد دور الجهات المتنفّذة والشركات الساعية إلى تحقيق الريع، التي منعت تطبيق السياسات الإصلاحية خلال العقد الفائت، كما فشل في تنفيذ إصلاحات هيكلية وتقديم رؤية اقتصادية طويلة الأمد إلى التونسيين. هذا العجز عن إجراء إصلاحات جريئة قوّض عملية توطيد المسار الديمقراطي، في حين أن العجز عن معالجة الأزمة الاقتصادية قد يكبّد سعيّد أكلافًا باهظة ويمنعه من توطيد أركان نظامه.