أرميناك توكماجيان زميل في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حائز على منحة العريان. تركّز أبحاثه على قضايا الحدود والنزاع، واللاجئين السوريين، وعلاقة الدولة والمجتمع في سورية، وشارك مؤخرًا مع خضر خضّور في كتابة دراسة لكارنيغي بعنوان "دولة الحدود: إعادة تصوُّر الأراضي الحدودية السورية-التركية". أجرت "ديوان" مقابلة معه في أواخر أيلول/سبتمبر لمناقشة آخر التطوّرات في منطقة جنوب سورية التي يتابعها عن كثب. نشر مؤخّرًا مقالًا على "ديوان" حول الوضع في محافظة السويداء بعنوان "على الدروز الاختيار".

مايكل يونغ: هلّا تعطينا لمحة عامة عن الوضع الراهن في جنوب سورية؟

أرميناك توكماجيان: تسود في الجنوب السوري حالة من اللااستقرار الحاد، ولا سيما في محافظتَي درعا والسويداء. ومن المرجّح أن يستمر هذا الوضع على حاله نتيجة التنافس المتواصل على النفوذ بين مختلف القوى المحلية والإقليمية ذات المصالح المتباينة. لا يزال النظام السوري، على الرغم من ضعفه، أحد الأطراف الأكثر تأثيرًا. ففي درعا، يواصل النظام شنّ حرب منخفضة الوتيرة ضدّ خصومه السابقين، إذ يُلحق الهزيمة بالبعض ويدمج البعض الآخر، لكنه يتكبّد أيضًا خسائر في الأرواح خصوصًا عن طريق الاغتيالات. وفي محافظة السويداء المجاورة، حيث التفلّت الأمني سيّد الموقف، شهدنا في الآونة الأخيرة هزيمة بعض الميليشيات المحلية المرتبطة بالنظام وإعادة هيكلة شعبة المخابرات العسكرية النافذة التي يستخدمها النظام بشكل أساسي لفرض سلطته في المحافظة. ويشكّل ذلك اعترافًا ضمنيًا بسوء إدارة دمشق للأمور، لكن الأمل في حدوث تغيير ملحوظ في منطقة الدروز ضئيل للغاية.

علاوةً على ذلك، تتنافس القوى الإقليمية على النفوذ في المنطقة. فالإسرائيليون يراقبون الجنوب عن كثب رصدًا لأي نشاط قد تقوم به إيران أو وكلاؤها، مع العلم بأن ما من بيانات موثوقة تُذكر حول النشاط الإيراني في الجنوب. قد يكون الإيرانيون عزّزوا وجودهم في المنطقة، لكن يبدو أنهم امتنعوا لغاية الآن عن تكثيف قدراتهم الهجومية، إذ إن هذه الخطوة لا تعني فقط تجاوز خطٍّ أحمر إسرائيلي، ما يشكّل بالتالي سببًا لشنّ غارات جوية، بل ستشكّل أيضًا انتهاكًا لجزء من الاتفاق الذي أُبرم بوساطة روسية وعاد بموجبه النظام إلى الجنوب في العام 2018. أما روسيا فتحافظ على وجود محدود في درعا، ويبدو أن انخراطها في السويداء يقتصر على فضّ النزاعات. لكن، من خلال التزامها المستمر تجاه الجنوب، لا تزال موسكو جزءًا من المعادلة الإقليمية التي تتمحور حول إسرائيل من جهة، وإيران ووجودها في الجنوب من جهة أخرى.

وكأن كل هذه التعقيدات غير كافية، يبدو أن الشبكات الإجرامية كثّفت أنشطتها في المنطقة خلال السنوات الماضية، وشملت تهريب المخدرات إلى الأردن ودول الخليج. وذكرت شكاوى أردنية متكرّرة أن هذه الشبكات تنشط على طول الحدود الأردنية مع سورية. إذًا، من المستبعد أن ينعم جنوب سورية بالاستقرار في المستقبل المنظور.

يونغ: هل ما زالت روسيا لاعبًا أساسيًا في سورية على الرغم من الحرب في أوكرانيا؟ كيف ذلك؟

توكماجيان: أثّرت ظروف الحرب الأوكرانية بشكل سلبي على دور روسيا المهيمن في سورية، لكنها لا تزال لاعبًا أساسيًا في جعبته أوراق كثيرة. أدّى الانخراط الروسي إلى احتدام التنافس على النفوذ في سورية. فقد حاولت إيران، ولا سيما خلال الأشهر الأولى من الحرب الأوكرانية، استغلال الوضع وتوسيع نفوذها العسكري في الجنوب. وعمدت إسرائيل منذ ذلك الحين إلى تكثيف غاراتها الجوية التي لم تعد تقتصر على استهداف المصالح الإيرانية وحسب، بل باتت تستهدف أيضًا بنى تحتية أساسية للنظام، مثل مطارَي حلب ودمشق الدوليين، متجاوزةً بذلك خطًا أحمر روسيًا واضحًا. كذلك، خسرت روسيا مكانتها الفريدة كقوة دولية قادرة على التواصل مع جميع الأطراف المتحاربة المحلية والإقليمية والدولية والتأثير فيها باعتبارها وسيطًا وضامنًا للاتفاقات. لكن الانقسام الراهن بين روسيا والغرب جرّد موسكو جزئيًا من مكانتها هذه.

مع ذلك، لا ينبغي التقليل من شأن الدور الروسي، إذ إن موسكو لا تزال موجودة عسكريًا، وقادرة على عرقلة تدفّق المساعدات الإنسانية عبر الحدود، ناهيك عن أن التوصّل إلى حلٍّ دائم للصراع السوري بعيد المنال من دون موافقة روسيا. لنأخذ الوضع في الشمال مثلًا، حيث لا يمكن حلّ أيٍّ من القضايا الرئيسة من دون موسكو، بدءًا من مصير هيئة تحرير الشام في إدلب، ومرورًا بالوجود التركي، ووصولًا إلى مستقبل المنطقة الخاضعة للحكم الذاتي الكردي.

يونغ: هل إيران وحزب الله في صدد تعزيز وجودهما في جنوب سورية؟ وهل سيشهد الوضع هناك تصعيدًا؟

توكماجيان: من الصعب تقدير حجم الوجود الإيراني في الجنوب بدقة. ففي العام 2018، حين توسّطت روسيا لإبرام اتفاق سمح بعودة النظام إلى المنطقة، رسمت إسرائيل خطوطًا حمراء واضحة، أهمّها ألّا تعمد إيران أو حزب الله إلى بناء أي قدرات هجومية بالقرب من مرتفعات الجولان المحتلة. ويبدو أنهما قد احترما هذا الخط الأحمر نوعًا ما، لكن من الصعب معرفة ذلك بشكل مؤكّد. لكنني أعتقد ذلك لسببَين: الأول يتمثّل في العامل الروسي. صحيحٌ أن وجود القوات الروسية محدود في الجنوب، لكن الدور السياسي لموسكو لا يزال مهمًا في سورية. وتكمن أهمية ذلك في أن روسيا شريكٌ لكلٍّ من إيران وإسرائيل على السواء، ما يمنحها قدرةً على التأثير عليهما.

أما السبب الثاني والأهم ربما، فيتمثّل في ردّة الفعل الإسرائيلية. لو أن إيران نجحت في بناء قدرات هجومية يُعتدّ بها في جنوب سورية، لشهدنا على الأرجح ردًّا عسكريًا إسرائيليًا عنيفًا. لكن الضربات الإسرائيلية في درعا والقنيطرة كانت حتى الآن قليلة ومحدودة مقارنةً مع تلك التي استهدفت مناطق أخرى من سورية، كجنوب دمشق أو مصياف.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن إيران وحزب الله لا يعمدان إلى تعزيز نفوذهما في جنوب سورية بطرق غير عسكرية. فقد أفادت تقارير عدة عن تزايد الأنشطة الخيرية والإنسانية الإيرانية، وتغلغل التفوذ الإيراني في الجيش وقوات الأمن، وانتشار التشيّع، ورعاية تهريب المخدرات، ما يسمح لإيران وحزب الله والشبكات المحلية بجني العائدات. يُشار إلى أن الحجم الدقيق لهذه الأنشطة، على غرار مدى انخراط إيران المباشر فيها، ليس واضحًا تمامًا، لكنه يكشف حتمًا عن أن طهران لا تزال تمتلك مصالح طويلة الأمد في جنوب سورية. إذًا، وإن كان من المستبعد حدوث تصعيد كبير راهنًا بين إيران وحزب الله وإسرائيل في جنوب سورية، قد يتغيّر هذا الواقع على المدى الطويل، ولا سيما في حال واصلت الحرب الأوكرانية تقويض الدور الروسي، وقرّرت إيران اعتماد سياسة عدائية أكثر في الجنوب السوري.

يونغ: ما التهديد الأكبر الذي يواجه نظام الأسد في جنوب سورية راهنًا؟

توكماجيان: أعتقد أن ألدّ أعداء النظام في الجنوب هو النظام بحدّ ذاته. خلال الحرب، كان النظام يخشى من أن تؤدّي الانتفاضة، ثم الصراع المسلّح الذي تلاها، إلى بروز بديل فعلي يحلّ مكانه، لكن هذا لم يحدث في الجنوب، سواء في السويداء أو درعا أو القنيطرة. فالمعارضة المحلية، حتى في أفضل ظروفها، لم تكن تملك أدنى فكرة عن كيفية استبدال النظام ومؤسساته. إذًا، صحيحٌ أن المعارضة هُزمت في الحرب السورية، لكن النظام تكبّد أيضًا ثمنًا باهظًا، إذ أفلس على المستويَين المالي والإيديولوجي ولم يعد يمتلك رؤية للدولة.

واليوم، يبذل النظام، مع القوى التابعة له، قصارى جهده للاستفادة من الموارد المتبقية في سورية، من خلال مجاراة الشبكات الإجرامية، وشنّ حرب منخفضة الوتيرة لفرض نظام أمني على السكان، إنما من دون أن يكون قادرًا على توفير أبسط الخدمات الأساسية، مثل إرساء الأمن والاستقرار أو تأمين الحاجات الضرورية. واقع الحال أن النظام يفتقر إلى رؤية خاصة لمرحلة ما بعد الحرب تركّز على الجنوب خصوصًا، وسورية عمومًا، وكل ما يفعله هو بمثابة تدمير للذات، لا بل انتحار. وكلّما طال أمد هذا الوضع، وهذا هو السيناريو المرجَّح، سيكفّ عن كونه ظاهرة ناجمة عن الحرب ليصبح جزءًا لا يتجزأ مما نسمّيه "النظام".