شهد الشمّري مؤلّفة كتاب صدر حديثًا بعنوان Head Above Water: Reflections on Illness(منشورات Neem Tree). وُلدت في الكويت لأمٍّ فلسطينية وأب كويتي وشُخّصت بالإصابة بمرض التصلّب اللويحي وهي في الثامنة عشرة من العمر، وتابعت تحصيلها العلمي وحازت شهادة دكتوراه في الأدب الإنكليزي من جامعة كينت في المملكة المتحدة. وتعمل اليوم أستاذة مساعدة لمادة الأدب في جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا في الكويت. الشمّري متخصّصة في السرديات السائدة حول المرض ودراسات الإعاقة، وكانت عضوًا في لجان تحكيم جوائز عدة في منطقة الخليج وخارجها. نُشرت كتاباتها في مجلّات عدة من ضمنها: Life Writing وJournal of Literary and Cultural Disability Studies وJournal of Middle East Women’s Studies وغيرها، ويمكن قراءة بعضٍ منها على موقعها الإلكتروني www.shahdalshammari.com. أجرت "ديوان" مقابلة معها عبر البريد الإلكتروني في شهر أيلول/سبتمبر للاطّلاع على آرائها حول الإعاقة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص.

ريان الشوّاف: في كتابِك الأخير Head Above Water، تتحدّثين عن تجاربك في العيش مع مرض التصلّب اللويحي في وطنك الكويت، وأيضًا في المملكة المتحدة حيث ارتدتِ الجامعة. ما هي أوجه الاختلاف الأبرز بين البلدَين من حيث التحديات التي واجهتها – والتي ما زلتِ تواجهينها في حالة الكويت؟

شهد الشمّري: في الواقع، لم ألمس اختلافًا كبيرًا في كيفية استجابة الناس للإعاقة. وينطبق ذلك خصوصًا على الوصمة الاجتماعية المرتبطة باستخدام الأشخاص الشباب من ذوي الإعاقة لمواقف سيارات وحمّامات وحافلات مجهّزة لهم ويمكنهم الوصول إليها. ثمة أشخاص يعبّرون عن استنكارهم حين يرَون شخصًا لا يستخدم كرسيًا متحرّكًا يجلس على مقعد في إحدى وسائل النقل العام تحت لافتة كُتب عليها "مخصّص للمسنّين وذوي الإعاقة". يفترض هؤلاء أن الإعاقة لا تكون إلا ظاهرة وجسدية، متجاهلين احتمال أن تكون الإعاقة والألم موجودَين إنما غير ظاهرَين.

في الكويت، إن الأبنية والمصاعد التي يمكن لذوي الإعاقة استخدامها منتشرة أينما كان، ولم يكن الحال كذلك في المملكة المتحدة. لكن هذه كانت تجربتي الخاصة فحسب، ولست أتحدّث بالنيابة عن أشخاص آخرين. كذلك، سمعتُ في وسائل النقل العامة في المملكة المتحدة الكثير من الإهانات، واستهدف الكثير منها أشخاصًا مكفوفين. وحتى حين لم تُطلَق الشتائم، كان بعض الأشخاص يؤدّون حركات بوجوههم للسخرية من الأشخاص المكفوفين الذين يواجهون صعوبات وهم مع كلاب المرافقة خاصتهم، لأنهم غير قادرين على رؤيتهم. كان ذلك مشهدًا حزينًا ومربكًا بالنسبة لي.

لكنني لم أرَ أبدًا كلاب مرافقة في الكويت. أعتقد أن هذه الكلاب تؤدّي دورًا مهمًّا وتفيد بالفعل المكفوفين.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الجامعات البريطانية أكثر مراعاةً لحاجات ذوي الإعاقة على المستوى التعليمي. يسعى النظام التعليمي الكويتي إلى إدماج فئات أكثر من المواطنين، لكن ينبغي تجاوز وصمة العار التي لا تزال مرتبطة بمطالب الطلاب ذوي الإعاقة، أو أهلهم، المتمثّلة بمراعاة احتياجاتهم الخاصة.

الشوّاف: كتبتِ مقالات حول التمثيل (السلبي في الغالب) للأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية أو العقلية على القنوات التلفزيونية والعروض المسرحية الكويتية. ما هي بعض الصور النمطية المرتبطة بأنواع محدّدة من الإعاقة؟

الشمّري: للكويت سجلٌّ جميل من البرامج التلفزيونية والعروض المسرحية، لكن للأسف تُصوَّر الإعاقة في معظم الأحيان على أنها حدث مأساوي أو مثير للشفقة أو مهين. ويصوّر الكثير من الكتّاب المرأة ذات الإعاقة على أنها "دنيئة" ومعاقَبة وغير مرغوب فيها. والسردية السائدة بشكل شبه دائم هي أن "المرأة ذات الإعاقة تعاني في العثور على شخص يحبّها". الحزن والكآبة والخسارة هي المحاور المرتبطة بالإعاقة على التلفزيون، ناهيك عن أننا نرى منذ السبعينيات والثمانينيات برامج تلفزيونية تصوّر الشخصيات الشريرة على أنها مصابة بإعاقة أو ندوب أو تشوّه ما. ولسوء الحظ، لا يقتصر ذلك على التلفزيون الكويتي، بل نراه أيضًا في إنتاجات "ديزني". ولم تظهر بعض أشكال المقاومة إلا مؤخرًا في وسائل الإعلام الغربية.

في الكويت، لا تزال الأعمال المسرحية تقدّم الأشخاص ذوي الإعاقة للمشاهدين باعتبارهم موضع سخرية واستهزاء. ولطالما كانت القزامة موضع تندّر ونكات. ولم يتم التصدّي إلى ذلك بشكل نقدي في أي مكان. آمل بأن أتمكّن من الاستمرار في تسليط الضوء على أشكال التمثيل السلبية هذه والمساعدة في وضع حدٍّ لها.

الشوّاف: نظرًا إلى أن أنواع الإعاقة تختلف اختلافًا كبيرًا في ما بينها، هل يسبّب جمعها كلها ضمن فئة واحدة، كما يميل كثرٌ منا إلى فعله، الالتباس حول من هو قادرٌ أو غير قادر على القيام بمهام محدّدة؟

الشمّري: إن القيام بذلك يندرج، من نواحٍ كثيرة، في إطار ممارسات التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة. لا يمكن دمج كل الأعراق ضمن فئة واحدة، فلماذا قد يفعل المرء ذلك مع أنواع الإعاقة المختلفة؟ أعتقد أن علينا الاستماع إلى آراء الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم حيال ما يمكنهم وما لا يمكنهم فعله. يميل الخبراء الطبّيون إلى التحدث بالنيابة عن الأشخاص ذوي الإعاقة، فيسهمون في الكثير من الأحيان في ترسيخ الصور النمطية السائدة. واقع الحال هو أن ممارسات التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة منتشرة على نطاق واسع جدًّا بشكل مبطّن، بحيث لا يدرك معظم الناس أنها موجودة.

الشوّاف: كيف ينبغي علينا إذًا تصنيف أنواع الإعاقة؟

الشمّري: يمكن استخدام التصنيف الذي اقترحته منظمة الأمم المتحدة لأنواع الإعاقة. ففي اتفاقية الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يتم تعريف "الأشخاص ذوي الإعاقة" على أنهم "كل من يعانون من عاهات طويلة الأجل بدنية أو عقلية أو ذهنية أو حسّية، قد تمنعهم لدى التعامل مع مختلف الحواجز من المشاركة بصورة كاملة وفعّالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين".

إضافةً إلى ذلك، أعتقد أن علينا الاستماع إلى ما يقوله الأشخاص عن أجسادهم وعاهاتهم. فما هو معرَّف كعاهة قد لا يؤدّي إلى الإعاقة، بل قد تنشأ الإعاقة نتيجة المجتمع – مثلًا، حين لا تُعلَّم لغة الإشارة ولا تتوافر موادّ للقراءة تستند إلى نظام "برايل" [Braille]. الإعاقة هي فئة متشعّبة من التجارب المعيوشة، ومن الضروري أن نستمرّ في التساؤل حولها، كما هو الحال مع قضايا العرق والنوع الاجتماعي.

الشوّاف: هل من المفيد للمنظمات المحلية المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في كل دولة أن تبني شراكات مع بعضها البعض وأن تنشئ في نهاية المطاف شبكات عابرة للحدود الوطنية؟

الشمّري: ستكون هذه مبادرة رائعة. وسيسعدني أن أرى مثل هذه الشراكات، تحديدًا بين المنظمات العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما أن عددًا منها ينحو نحو حقبة تحقّق إدماجًا أكبر للأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع.

فعلى سبيل المثال، اعتمدت الإمارات العربية المتحدة مقاربة جديدة لتيسير إمكانية حصول الأشخاص ذوي الإعاقة على فرص متكافئة، وبالتالي عيش حياة أفضل. تتيح الحكومة للأشخاص ذوي الإعاقة إمكانية الحصول على التعليم المتخصّص، وتشجّع المدارس التقليدية على إدماجهم، وتوفّر كذلك فرص العمل والسكن لهم.

بإمكاننا أن نتعلّم من التحديات ومن الإخفاقات التي يشهدها بعضنا البعض، وبناء علاقات أفضل من خلال فتح حوار عابر للحدود الوطنية.

الشوّاف: ما الإجراءات المحدّدة التي ينبغي على الكويت اتّخاذها من أجل دعم الأشخاص ذوي الإعاقة؟

الشمّري: يبدأ كل شيء مع قطاع تعليمي شامل للجميع ودعم حكومي لتغيير القوانين ثم تطبيقها بشكل فعّال. في هذا الصدد، إنه لأمرٌ مخزٍ أن ما من مرشّح للانتخابات البرلمانية الكويتية التي أُجريت في أيلول/سبتمبر تطرّق إلى قضية تحسين رفاه الأشخاص ذوي الإعاقة.

يتعيّن على الهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة، وهي مؤسسة حكومية تشرف على إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، أن تأخذ على عاتقها ضمان أن يكون الأساتذة والخبراء في قطاع الرعاية الصحية ملمّين بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. على سبيل المثال، تحتاج الكويت إلى قطاع تعليمي شامل للجميع. يُسمح لبعض الطلّاب الذين يعانون من عاهات جسدية محدّدة بالالتحاق في المؤسسات التعليمية التقليدية، لكن هذا غير كافٍ. وثمة أيضًا بعض "المدارس المتخصّصة" لكنها لا تقبل التحاق الكثير من الطلّاب الذين يعانون من إعاقة على المستوى النفسي الاجتماعي وعلى المستوى التعليمي. نحتاج إلى مدارس لا تعتمد أبدًا مبدأ الفصل بين مختلف طلّابها. يُشار إلى أن الأشخاص المكفوفين لا يستطيعون قراءة الكثير من المستندات القانونية، لذا نحتاج إلى موادّ تستند إلى نظام "برايل" وإلى تطبيق Easy Read. كذلك، يجب أن تُعلَّم لغة الإشارة في المدارس وأن تُستخدَم في الأماكن العامة.

ومن المسائل الأخرى المهمة عدم الوصول الشامل إلى صناديق الضمان الاجتماعي. فالكثير من تعويضات الإعاقة لا تُعطى للأشخاص ذوي الإعاقة بل تُخصَّص إلى مقدِّمي الرعاية، ما أسفر عن سوء استخدام الأموال في بعض الحالات، وأدّى إلى ثني الأشخاص ذوي الإعاقة عن متابعة تعليمهم والبحث عن فرص عمل.

إذًا، لا تزال أمامنا أشواط كبيرة لنقطعها...