نور عرفة زميلة في مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، تركّز أبحاثها على الاقتصاد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والعلاقات بين الشركات الخاصة والحكومة، واستراتيجيات بناء السلام، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. أجرت "ديوان" مقابلة معها في تشرين الأول/أكتوبر للاطّلاع على وجهة نظرها حول قضايا ثلاث ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل الفلسطينيين: الرد على التكتيكات الإسرائيلية القمعية على نحو متزايد في الضفة الغربية المحتلة؛ والسعي الدائم إلى بناء الدولة؛ ومسألة خلافة السلطة الفلسطينية.

مايكل يونغ: تصاعدت مؤخرًا تحذيرات من اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية. هل هذا الاحتمال وارد؟

نور عرفة: تشهد الضفة الغربية حاليًا موجة من المقاومة المسلّحة التي تقع في صلبها مجموعة جديدة تحمل اسم "عرين الأسود"، وتضم شبّانًا من مختلف الفصائل السياسية الذين يقودون المقاومة ضد الجيش الإسرائيلي حين ينفّذ عمليات اقتحام في مدينة نابلس أو مخيم اللاجئين في جنين، أو ضد المستوطنين اليهود الإسرائيليين حين يقتحمون، بمؤازرة الجنود الإسرائيليين، قبر يوسف في نابلس.

حصدت مجموعة عرين الأسود شعبية كبيرة في أوساط الفلسطينيين، كما أظهرت الاستجابة الواسعة للدعوة التي أطلقتها المجموعة بتنفيذ إضراب شامل في 12 تشرين الأول/أكتوبر تضامنًا مع العصيان المدني الذي أعلنه أهالي مخيم شعفاط للاجئين رفضًا للحصار الذي فرضته إسرائيل على المخيم قبل بضعة أيام. وفيما انطلقت شرارة المقاومة الراهنة من مخيم جنين للاجئين ونابلس، فهي سُرعان ما امتدّت لتشمل معظم مناطق الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس الشرقية والخليل وبيت لحم ورام الله ومدن أخرى.

مع ذلك، ولكي تكتسب موجة المقاومة زخمًا أكبر وتنجح في حشد أعداد كبيرة من الفلسطينيين وتتّسع رقعتها لتصبح بحجم الانتفاضة الأولى التي اندلعت في العام 1987 والانتفاضة الثانية التي انطلقت شرارتها في العام 2000، لا بدّ من أن تستند إلى قاعدة تنظيمية وقيادية متينة تترافق مع رؤية موحّدة وبرنامج سياسي استراتيجي يقودها. ولكن حتى الآن، تجنّبت الفصائل الفلسطينية الكبرى الانخراط في الجولة الأخيرة من المواجهات، باستثناء حركة الجهاد الإسلامي، بينما حاول رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قمع عمليات المقاومة التي تنفّذها مجموعة عرين الأسود، بدايةً من خلال اعتقال شخصيات بارزة منها، ثم مؤخرًا من خلال دعوة عناصرها إلى تسليم أسلحتهم والانضمام إلى الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.

مع ذلك، في حال أقدمت إسرائيل على تصعيد اعتداءاتها واستخدامها للقوة القاتلة، أو اتّخذت خطوات استفزازية بشأن قضايا حسّاسة مثل وضع المسجد الأقصى، فمن المحتمل أن نشهد اندلاع انتفاضة جديدة.

يونغ: هل ستؤدّي الاتفاقيات التي أُبرمت بين عدد من الدول العربية وإسرائيل إلى تحوّل جوهري في المقاربة الفلسطينية حيال إسرائيل، وإلى تسوية عامة؟ وكيف ذلك؟

عرفة: من النتائج الأساسية التي أفرزتها الاتفاقيات العربية مع إسرائيل إسقاط نموذج "الأرض مقابل السلام" الذي كان في صُلب مبادرة السلام العربية التي أطلقتها جامعة الدول العربية في العام 2002. وقد نصّ هذا النموذج على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب العام 1967 والسماح بإقامة دولة فلسطينية مقابل إبرام اتفاقيات سلام مع الدول العربية وتطبيع العلاقات معها. ولكن، تم التخلّي كليًا عن هذا النموذج في الاتفاقيات التي وُقِّعت في الآونة الأخيرة، إذ تم تطبيع العلاقات مع إسرائيل من دون أن تقدّم إسرائيل أي تنازلات ومن دون أي شرط بإنهاء احتلالها. بدلًا من ذلك، كرّست هذه الاتفاقيات نموذجًا جديدًا مبنيًا على "السلام مقابل السلام"، كما سمّاه عددٌ من المحلّلين. وقد أدّى هذا التبدّل إلى جعل الفلسطينيين أكثر عزلة وضعفًا من خلال مفاقمة انعدام التكافؤ في القوة بينهم وبين الإسرائيليين، وسدّد أيضًا ضربة قوية لمشروع الدولة الفلسطينية، إذ إن الاستراتيجية الفلسطينية كانت تعتمد بشكل كبير على فكرة إقامة الدولة الفلسطينية كشرط مسبق للاعتراف العربي بإسرائيل، إلا أن اتفاقيات التطبيع الأخيرة قوّضت ذلك.

بناءً على ذلك، كان يمكن للاتفاقيات العربية مع إسرائيل أن تمثّل فرصة للقيادة الفلسطينية كي تعيد النظر في تركيزها على مشروع إقامة الدولة ضمن الإطار المحدّد في اتفاقيات أوسلو. ولكن أثبتت القيادة الفلسطينية حتى الآن أنها عاجزة أو غير مستعدة لإعادة تخيّل برنامج سياسي جديد، ناهيك عن السعي إلى صياغة استراتيجية موحّدة من شأنها ضمان حقوق الفلسطينيين وحريتهم.

يونغ: ما هو السيناريو الأكثر ترجيحًا لمرحلة ما بعد وفاة عباس أو مغادرته منصبه؟

عرفة: وفقًا للقانون الفلسطيني الأساسي للعام 2005، في حال وقوع فراغ في منصب الرئاسة، يصبح رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني – أي برلمان السلطة الفلسطينية – الرئيس المؤقت للسلطة الفلسطينية حتى الانتخابات المقبلة التي ينبغي إجراؤها في غضون ستين يومًا. وهذا ما حدث بعد وفاة ياسر عرفات في العام 2004. ولكن إعلان عباس في كانون الأول/ديسمبر 2018 عن حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني (الذي يرتبط رئيسه بحركة حماس) أغلق الباب على هذا السيناريو، فبات من الصعب توقّع ما ستنطوي عليه عملية خلافة عباس.

يبدو أن السيناريو المرجّح هو حدوث صراع على السلطة داخل حركة فتح التي تشوبها انقسامات عميقة وتشهد تنافسًا محمومًا بين عدد من المرشّحين المحتملين لخلافة عباس. وغالب الظن أن يكون هذا الصراع على السلطة فوضويًا وأن يفاقم الانقسامات التي تعتري المشهد السياسي الفلسطيني، وأن يؤدي كذلك إلى المزيد من التدخل الإقليمي والدولي في الشؤون الفلسطينية.

ثمة أيضًا علامات استفهام عدة حول ما إذا سيتولّى قائدٌ واحد زمام الحكم بعد عباس، فيرأس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح في الوقت نفسه – كما يفعل عباس راهنًا – أم أن "قادة" عدة سيخلفونه، ليرأس كل واحد منهم هيئة محدّدة أو حتى منطقة جغرافية معيّنة. في حال كُتب للسيناريو الثاني أن يتحقّق، فمن المرجّح أن يفاقم حالة الفوضى والتشرذم التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.