تنطلق الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (COP27) هذا العام في 7 تشرين الثاني/نوفمبر وتُعقد برعاية الحكومة المصرية، على وقع تفاقم الاحتباس الحراري بوتيرة أسرع بكثير مما كان يُعتقد في السابق. وما لم تتضافر الجهود للتخفيف من حدة تغيّر المناخ، سيقع العالم ضحية ظواهر جوية متقلّبة ومتطرفة للغاية، وسيشهد تدهور نظمه البيئية. تحمل قمة المناخ هذا العام شعار "معًا نحو التنفيذ"، وتُطلق عليها تسمية "مؤتمر الأطراف الأفريقي"، نظرًا إلى الموقع الجغرافي للدولة المضيفة، وإلى التوقع السائد بأن الدول الأفريقية والقضايا التي تهمّها ستشكّل محور نقاشات المؤتمر.

تأتي الدورة الحالية من مؤتمر الأطراف في أعقاب أزمات عدة، أبرزها وباء كوفيد-19 الذي غيّر العالم كما نعرفه، وسلسلة من الاضطرابات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية ومعدلات التضخم العالمي، وعرقلة سلاسل الإمداد، والعلاقات العدائية على نحو متزايد بين الولايات المتحدة والصين، وأزمة حادة على مستوى الطاقة ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي. تشكّل هذه القضايا الخطرة سياقًا عامًا يحيط بالهواجس المناخية الصرفة، فيما ينكبّ صانعو السياسات على تشابك مسائل تغيّر المناخ مع أمن الطاقة والشؤون الجيوسياسية، لصياغة استراتيجية عالمية مشتركة حول المناخ.

تتّسم الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف بأهمية كبيرة لأن العالم لا يزال متلكّئًا في الحدّ من ارتفاع درجات الحرارة العالمية إلى مستويات من شأنها تلافي وقوع سلسلة من التأثيرات المدمّرة الناجمة عن تجاوز نقاط التحوّل المناخية. على سبيل المثال، أوصت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ بضرورة البدء بتقليص انبعاثات غازات الدفيئة فورًا في جميع سيناريواتها. وأطلقت تحذيرًا مشدّدًا بشأن عواقب عدم تخفيض مستويات الانبعاثات "بشكل فوري وكبير" في جميع القطاعات. فإن لم يتم تحقيق ذلك، سيصبح من شبه المستحيل الإبقاء على متوسط الزيادة في درجة حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. ويُقدَّر أن الإسهامات الوطنية الحالية ستؤدّي مجتمعةً إلى زيادة درجات الحرارة عالميًا إلى ما بين 2.4 و2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن الحالي.

على الرغم من هذا التقدير المتشائم، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن تبلغ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم ذروتها في العام 2025، بسبب زيادة الإنفاق الحكومي على الوقود المستدام نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا. إذًا، يبدو أن الارتفاع الهائل في أسعار النفط والغاز، الذي يُعدّ عاملًا أساسيًا في التضخم العالمي، لديه جانبٌ مشرق.

واقع الحال أن عدوانية روسيا، وما نجم عنها من اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، ساهمت في تسريع عملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة. فالدول بدأت تغيّر نظرتها إلى الطاقة المتجددة من اعتبارها مسألة بيئية بالدرجة الأولى إلى نظرة أمنية أكثر ترى أن مساعي الحدّ من الانبعاثات الكربونية تشجّع على الاستقلالية في مجال الطاقة وتحدّ من قوة الدول النفطية في استخدام المواد الهيدروكربونية كسلاح. ومع أن البعد الأمني لن يشكّل على الأرجح محورًا رئيسًا معلنًا خلال المفاوضات، لا شك أنه من المواضيع التي ستكون في ذهن الكثير من المبعوثين الحاضرين في المؤتمر.

إضافةً إلى البعد الأمني الخارجي لمساعي خفض الانبعاثات الكربونية في العالم، من شأن تغيّر المناخ أن يفاقم المشاكل الجيوسياسية، ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي، ويسبّب موجات من الهجرة الجماعية والأعمال الإرهابية داخل الدول الأكثر عرضة للمخاطر المناخية، على غرار التحديات التي نجمت عن الاضطرابات المناخية وكانت عاملًا مهمًا في اندلاع انتفاضات الربيع العربي في العام 2011.

تعاني دول أفريقيا والشرق الأوسط مجموعة من الهواجس التي تأمل أن يتصدّى لها مؤتمر المناخ هذا العام. تريد الحكومات الأفريقية، الواقعة في القارة الأكثر تضرّرًا من التداعيات المناخية، أن تشعر أن صوتها مسموع وقادر على إحداث تغيير. وسيطرح مندوبو دول أفريقيا والشرق الأوسط قضية المسؤولية التاريخية بجوانبها الثلاث: التمويل المناخي، والتعويض عن الخسائر والأضرار، وتطوير قطاع الطاقة.

تشدّد الدول النامية على أن دول الغرب يجب أن تعترف بدورها التاريخي في التسبّب بالارتفاع الكبير في درجات الحرارة العالمية، وبالتالي عليها التعهّد بالحدّ من انبعاثات الكربون بشكل أكبر. وتشير بعض الدراسات إلى أن دول الغرب مسؤولة عن حوالى 92 في المئة من انبعاثات الكربون المفرطة منذ الثورة الصناعية. وتجادل أن دول الغرب لا تملك فقط إمكانيات مالية أكبر تسمح لها بالاستثمار في البنية التحتية والطاقة المتجددة محليًا، بل عليها أيضًا مساعدة الدول النامية الأكثر تأثّرًا بالمخاطر المناخية في جهودها الرامية إلى التكيّف مع تغيّر المناخ والتخفيف من حدة تأثيراته، والتعويض لها عن الأضرار والخسائر الدائمة التي تكبّدتها نتيجة تغيّر المناخ.

تشير الدول النامية إلى أن التعهدات المالية التي قُطعت خلال الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر الأطراف التي عُقدت في كوبنهاغن في العام 2009 بتحقيق زيادة كبيرة في التمويل تصل إلى 100 مليار دولار سنويًا بحلول العام 2020، للمساعدة في جهود التكيّف مع تغيّر المناخ والتخفيف من حدة تأثيراته، لم يتم الوفاء بها. وإذا كانت الدول المتقدمة جادّة بشأن جهود تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالميًا، فستساعد الدول النامية على إحداث تحوّل في الأنماط الصناعية والإنتاجية والاستهلاكية.

من المتوقّع أن تثير قضية الخسائر والأضرار خلافات في الدورة الحالية من مؤتمر الأطراف، إذ إن تحديد كلفة تغيُّر المناخ بدقة على النظم البيئية والاقتصادات الوطنية والتراث الثقافي صعب للغاية. لذلك، تبدو الدول المتقدّمة حذرة حيال الموافقة على خطة للتعويض عن الخسائر والأضرار، إذ من الممكن أن تفرض عليها تسديد التزامات كبيرة قد تصل قيمتها إلى تريليون دولار سنويًا على الأقل بحلول العام 2050.

في هذا الإطار، تخشى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهما أكبر جهتَين مسبّبتَين للانبعاثات تاريخيًا، من أن يفتح الاعتراف القانوني بالخسائر والأضرار الباب أمام دعاوى قضائية متواصلة قد ترفعها الدول الأكثر تضرّرًا من عواقب تغيّر المناخ وأصحاب المصالح المحليون. وفي محاولة لتجنّب مثل هذه النتيجة، يجادل الأميركيون والأوروبيون بأن الأطر المالية الراهنة، على غرار مبلغ 100 مليار دولار الذي تمّ التعهد سابقًا بتأمينه لتمويل المناخ والمنح الإنسانية، ستكون أكثر من مناسِبة للمساعدة في التعويض عن الخسائر والأضرار. وهم يؤكّدون على أن رزم المساعدات الدولية الإضافية منشأنها أن تغطي أي أضرار إضافية ناجمة عن تغيّر المناخ.

لكن لدى الدول النامية مشكلتان في هذا الاقتراح: الأولى هي أن قسمًا كبيرًا من التمويل الحالي للمناخ يتمّ عبر القروض وليس المنح؛ والثانية هي أن هذا التمويل موجّه نحو التخفيف من حدة تأثيرات تغيّر المناخ وليس التكيف معه. وستجادل الدول النامية في الدورة الحالية من مؤتمر الأطراف بأن كيفية التكيف مع تغيّر المناخ هي مصدر قلق أكبر بكثير بالنسبة إليها.

قد تشمل بعض البدائل التي قد تُطرح خلال المفاوضات فرض ضريبة استثنائية على الأرباح الإضافية لشركات النفط والغاز، يمكن جمعها ووضعها في صندوق عالمي مخصّص لهذه الغاية. ويُعتبر إلغاء ديون الدول النامية أيضًا وسيلة للتخفيف من الأعباء المالية المترتبة على التكيف مع تغيّر المناخ والأضرار الناجمة عنه. علاوةً على ذلك، من الممكن أن يسهم إطار تسعير الكربون العالمي في دعم تمويل مخصّص للتعويض عن الخسائر والأضرار.

على صعيد آخر، تستعدّ الدول الأفريقية والشرق أوسطية الغنية بالغاز لطرح الغاز الطبيعي باعتباره "الحل الأمثل" لتغيّر المناخ وأمن الطاقة. وتتماشى هذه النظرة إلى الغاز الطبيعي باعتباره جسرًا بين الوقود الأحفوري والطاقة المتجدّدة لبلوغ مستقبل منخفض الكربون، مع خطوة الاتحاد الأوروبي المثيرة للجدل نوعًا ما في شباط/فبراير من العام 2022، التي عكس خلالها موقفه السابق مصرّحًا بأن الغاز الطبيعي وقود انتقالي صالح للاستعمال. وقد أدّى الغزو الروسي لأوكرانيا إلى تعزيز هذا الموقف لدى صانعي السياسات الأوروبيين الذين يحاولون فك ارتباط أوروبا بقطاع الطاقة الروسي. مع ذلك، ندّد الناشطون في مجال المناخ بهذا التحوّل في السياسة واعتبروا أنه يقوّض عملية الحدّ من الانبعاثات الكربونية حول العالم، مؤكّدين أن مثل هذه السياسة المؤيدة لاستخدام الغاز قد تسهم في ترسيخ نموذج استهلاك المواد الهيدروكربونية بشكل أكبر، مع العلم أن العالم يسعى إلى التخلّص منه للانتقال نحو مصادر طاقة نظيفة.

سيتقدّم الاتحاد الأفريقي، في إجماع نادر، بموقف موحّد حول الطاقة في مؤتمر الأطراف، ينصّ على أن المواد الهيدروكربونية ضرورية لتحفيز النمو الاقتصادي للقارة والتخفيف من حدّة الفقر في مجال الطاقة. ويعتقد عدد من صانعي السياسات الأفريقيين أن موضوع أمن الطاقة لا يجب أن يقارَب فقط ضمن سياق توافر إمدادات الطاقة بشكل متواصل إلى أوروبا، وبدلًا من ذلك يجب أن يأخذ في الحسبان أن حوالى نصف مليار أفريقي جنوب الصحراء الكبرى يعيشون من دون كهرباء. ترى الدول الأفريقية أن الاهتمام العالمي الكبير بأمن الطاقة الأوروبي والتركيز على تطوير الطاقة المتجدّدة باعتبارها الحل الشافي لمشاكل أفريقيا هو شكلٌ من أشكال "إمبريالية المناخ" التي تتجاهل الهواجس الأفريقية بشأن الحلول التي تفرضها الدول الغربية لتعزيز النمو الاقتصادي الأفريقي.

لكن، بغضّ النظر عن الخلافات البيئية، يشير النقّاد إلى أن الاستثمار في المواد الهيدروكربونية لم يعزّز بشكل عام النمو الاقتصادي الواسع النطاق في أفريقية، ولم يخفّف كثيرًا من وطأة الفقر الواسع النطاق. بل على العكس، غالبًا ما أساء الحكّام السلطويون الفاسدون استخدام ثروات أفريقيا من المواد الهيدروكربونية لزيادة مكاسبهم الشخصية. فعلى سبيل المثال، لا يحصل السكان في نيجيريا وأنغولا، وهما من أكبر الدول المنتجة للنفط في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، على الكهرباء سوى بنسبة 57 في المئة و40 في المئة على التوالي. وتسجّل نيجيريا عجزًا في نصيب الفرد من استهلاك الطاقة يُعتبر من بين الأكبر في العالم، على الرغم من أنها منتسبة إلى منظمة الدول المصدِّرة للنفط (أوبك) منذ فترة طويلة وتقوم بتصدير نفطها وغازها إلى السوق الدولية.

في الواقع، ينبغي التوصّل إلى مقاربة متكاملة لإيجاد حلول ملموسة وعملية للقضايا الشائكة المرتبطة بتمويل المناخ، والتعويض عن الخسائر والأضرار، ومسارات النمو الاقتصادي المستدام. وإذا تمّت دراسة هذه القضايا بدقة، فهي تقدّم فرصة لصانعي السياسات حول العالم بأن يضعوا خلافاتهم جانبًا في هذه المرحلة الحرجة التي يمرّ بها العالم.