على مدى الأسابيع الثلاثة المقبلة، ستكون شرم الشيخ، مدينة المنتجعات الساحلية، في قلب العمل المناخي. وستضطلع مصر، من خلال استضافتها الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (COP27) بدور قيادي في هذه المعركة التي يخوضها العالم ضد تغيّر المناخ.

خلال الدورة السادسة والعشرين للمؤتمر، التي عُقدت في مدينة غلاسكو في المملكة المتحدة، قطعت الدول المشارِكة تعهّدات جديدة بهدف الحدّ من الانبعاثات التي تسرّع وتيرة تغيّر المناخ. لذا، من المتوقع أن تسهم الدورة الحالية من المؤتمر بإعادة تفعيل آليات التمويل من أجل التكيّف مع تغيّر المناخ والحدّ من عواقبه في الدول النامية. ويُرجَّح أن يشجّع موقع انعقاد القمة المناخية هذه المرة على مشاركة المزيد من مندوبي الدول الأقل تمثيلًا تاريخيًا الذين كان من الصعب عليهم خلال العقود الثلاثة الأخيرة السفر إلى المدن الأوروبية التي استضافت عمومًا المؤتمرات السابقة. يتّسم هذا الموضوع بحيّز من الأهمية نظرًا إلى أن دول الجنوب العالمي تُعدّ في واجهة أزمة المناخ وتتأثّر بشكل غير متكافئ بصدمات مناخية ستزداد تواترًا وحديّةً على مدى العقود المقبلة. وخير مثال على هذه الدول مصر التي يُتوقَّع أن تتأثّر بشدة بالتداعيات الناجمة عن تغيّر المناخ، بدءًا بارتفاع درجات الحرارة والتصحّر ومرورًا بندرة الموارد المائية وانتهاءً بزعزعة الأمن الغذائي.

من المرجّح أن يغتنم الرئيس عبد الفتاح السيسي هذه الفرصة للمطالبة بمنح حوافز مالية أكبر للدول النامية المدعوّة إلى خفض الانبعاثات الحرارية على حساب نموها الاقتصادي. لقد نصّب السيسي بلاده (ونفسه) سياسيًا واقتصاديًا لتولّي دفة القيادة على المستويَين العربي والأفريقي من أجل تحقيق العدالة المناخية. فصوّر مصر على أنها تحمل على عاتقها مسؤولية "الدفاع عن مصالح القارة الأفريقية في ملف تغيّر المناخ"، وحثّ المجتمع الدولي على "التفكير بالخسائر التي تكبّدتها الدول النامية"، ودعا الدول إلى تعديل أهدافها وتقديم تعهّدات جديدة لخفض الانبعاثات.

لا بدّ من التذكير بأن الدورة الخامسة عشرة من مؤتمر الأطراف التي عُقدت في كوبنهاغن، الدنمارك في العام 2009، اعترفت بأن الدول الصناعية مسؤولة أكثر بكثير من الدول غير الصناعية عن الانبعاثات، عبر إنشاء صندوق المناخ الأخضر الذي تعهّدت الدول الأكثر ثراءً بموجبه بدفع مبلغ قدره 100 مليار دولار سنويًا وحتى العام 2020، للدول الأقل ازدهارًا لمساعدتها في وضع خطط للحفاظ على البيئة. لكن منذ ذلك الحين، لم يتم الوفاء سوى بنسبة تتراوح من 55 إلى 80 في المئة من هذا المبلغ السنوي. لذا، سيحثّ السيسي في الغالب الدول الأكثر ثراءً على الوفاء بتعهداتها المالية.

مع ذلك، سيصطدم مسعى مصر نحو تولّي موقع قيادي في ملف تغيّر المناخ بعقبتَين أساسيتَين هما: اعتماد مصر على الوقود الأحفوري، وسجلّها على مستوى حقوق الإنسان. واقع الحال أن مصر تفتقر إلى استراتيجية متّسقة بشأن تغيّر المناخ، ويُعزى سبب ذلك بشكل كبير إلى أنها لا تزال تعتمد على الوقود الأحفوري. صحيحٌ أن الحكومة خصّصت 211 مليار دولار للتخفيف من تأثيرات تغيّر المناخ و113 مليار دولار لبرامج التكيّف مع تغيّر المناخ في قطاعات عدة كالطاقة والنقل والزراعة والمياه وخفض الكربون في قطاع النفط. لكن التحديث المصري الأول لاتفاق باريس للمناخ الذي أُبرم في العام 2016 وحدّد هدف احتواء الاحتباس الحراري عند مستويات أقل بكثير من درجتَين مئويتَين، بل عند درجة ونصف مئوية إذا أمكن، تضمّن هدف تخفيض الانبعاثات بحلول العام 2030، إنما أخذ في الحسبان احتمال حدوث زيادة في الانبعاثات من حيث القيمة المطلقة.  وبحسب مقياس العمل المناخي، في حال تبنّت كل الدول السياسات التي تتّبعها مصر حول تخفيض الانبعاثات، يُرجَّح أن يزداد الاحترار العالمي بمقدار أربع درجات مئوية بحلول نهاية القرن.

وفيما تمّ تحويل مدينة شرم الشيخ بسرعة إلى مدينة خضراء تراعي بشكل أكبر المعايير البيئية، عبر إنشاء محطات طاقة شمسية، وتجديد المطار، وتسيير حافلات تعمل على الكهرباء، يواصل السيسي تطوير قطاع الوقود الأحفوري في البلاد. في الواقع، تستهلك مصر أكثر من ثلث إجمالي استهلاك أفريقيا من الغاز، باعتبارها ثاني أكبر دولة منتجة للغاز في القارة الأفريقية، وما من مؤشرات على أن حجم إنتاجها سينخفض. على مدى السنوات السبع الماضية، سرّعت الحكومة الماضية وتيرة جهودها للاستفادة من احتياطيات الوقود الأحفوري المكتشفة حديثًا، وأطلقت شركات أوروبية مشاريع استثمارية بقيمة مليارات الدولارات في قطاع الوقود المصري.

للمفارقة، وعلى الرغم من أن السيسي قاوم لغاية الآن التحوّل إلى الطاقة النظيفة، تشهد مصر حاليًا "ثورة خضراء"، ولا سيما أنها حصلت على مليارات الدولارات على شكل استثمارات جديدة في القطاعات الصديقة للبيئة. وقد يسهم التماس الاستثمار الدولي في الطاقة النظيفة خلال مؤتمر الأطراف الحالي في تسريع وتيرة هذا التوجّه.

مع ذلك، يشكّل سجل مصر الحافل بانتهاكات حقوق الإنسان عقبة أخرى في هذا الصدد. ونظرًا إلى الاهتمام الدولي بهذا الموضوع، أصدر السيسي سلسلة من قرارات العفو والإفراج عن سجناء قبل انطلاق فعاليات المؤتمر. لكن تجريم ناشطي المجتمع المدني مستمر ولا تزال الحكومة تحتجز أكثر من 60,000 سجين سياسي. في غضون ذلك، أطلق تحالف منظمات حقوق الإنسان المصرية حملات عامة على وسائل التواصل الاجتماعي للمطالبة بإطلاق سراح جميع المعتقلين تعسّفًا في مصر، ولا سيما علاء عبد الفتاح، الذي يُعتبر رمز انتفاضة العام 2011 والذي يواصل إضرابًا جزئيًا عن الطعام منذ أكثر من ستة أشهر، وسيشرع بالإضراب الكامل مع انطلاق فعاليات المؤتمر.

إضافةً إلى ذلك، جعل السيسي العمل والبحث في المجال البيئي أمرًا مستحيلًا عمليًا في مصر، حتى إن "الحكومة المصرية أجبرت بعض النشطاء على الهروب إلى المنفى والبعض الآخر على الابتعاد عن العمل المهم"، وفق تقرير صدر مؤخرًا عن منظمة هيومن رايتس ووتش. ويتعرّض أولئك الذين يختارون البقاء في البلاد لمضايقات أو يواجهون تهديدات بدخول السجن لأجل غير مسمّى بتهمة تلقّي أموال أجنبية، في ما يُعدّ انتهاكًا لمعايير الأمن القومي. وبحسب المنظمة، لن تسمح وزارتا البيئة والخارجية إلا للمنظمات المصرية التي تتماشى رؤيتها مع مواقف الحكومة بالمشاركة في المؤتمر.

وقد مُنحت منظمة غير حكومية مصرية واحدة فقط ترخيصًا كاملًا بحضور جميع اجتماعات مؤتمر الأطراف، مع الإشارة إلى أن قائمة المنظمات المصرية التي سُمح لها بالحضور جزئيًا، ويبلغ عددها 35 منظمة، لا تضمّ أي منظمات مستقلة تُعنى بحقوق الإنسان. وقد يتم استبعاد المنظمات غير المرخّصة بشكل شبه كامل من المؤتمر. وسيُسمح بالتظاهرات أثناء المؤتمر فقط ضمن حدود مرفق قريب من الموقع الأساسي لانعقاد المؤتمر، وفي هذه الخطوة رسالة واضحة مفادها أن السلطات لن تتسامح مع أي تعبئة عامة خلال المؤتمر. وتشير حسابات ناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تكثيف عمليات انتشار قوات الشرطة والمراقبة في شرم الشيخ ومحيطها. علاوةً على ذلك، سيتيح تطبيق جديد خاص بالمؤتمر للحكومة إخضاع المشاركين إلى مراقبة رقمية واسعة النطاق.

سيُعقد مؤتمر الأطراف المقبل في العام 2023 في الإمارات العربية المتحدة التي اتّخذت لغاية الآن خطوات عدّة لتحسين استراتيجيتها الخاصة بالعمل المناخي. والجدير بالذكر أن الإمارات هي الدولة العربية الأولى التي صادقت على اتفاق باريس والتزمت بالحدّ من الانبعاثات بشكل كامل بحلول العام 2050. لكن الإمارات ومصر تتشاركان ببعض الخصائص المثيرة للقلق، إذ إن اقتصادَيهما يعتمدان بشكل كبير على النفط، ولدى الدولتَين سجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان. وعلى الرغم من النوايا الواضحة لمواجهة ظاهرة الاحترار العالمي، لا تزال الإمارات تحتل المرتبة السابعة من بين أكبر الدول المصدّرة للنفط في العالم. إذًا، تعهدّت كلٌّ من مصر والإمارات بالتزامات طموحة لم تنفّذاها بعد، ومن شأن الإجراءات التي ستتّخذانها محليًا أن تحدّد ما إذا ستحتلّان موقعًا قياديًا على المستوى العالمي.