سلّطت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة الضوء على حقيقة لطالما حاولت الدول العربية والمجتمع الدولي تجاهلها أو إنكارها: لقد تم تحويل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من جهود فعلية أو لفظية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والوصول إلى حل الدولتَين، إلى صراع حول الحقوق المتساوية ومنع التهجير الفلسطيني ليس من الأراضي الفلسطينية المحتلة وحسب، وإنما من الداخل أيضًا، كما يطالب بذلك علنًا حزب إيتمار بن غفير العنصري، المصنّف على أنه من داعمي الإرهاب من حكومات عدّة، بما في ذلك حكومة الولايات المتحدة الأميركية.

بدأت أصوات إسرائيلية، مثل الكاتب الصحافي جدعون ليفي بالمطالبة بمراجعة التفكير السياسي لليسار الإسرائيلي، متهمةً إياه بالمساهمة في ما آلت إليه الأمور في إسرائيل، حين غضّ النظر عن الحقوق الفلسطينية وتجاهل أو تماشى مع بعض مواقف اليمين الإسرائيلي إرضاءً للشارع الإسرائيلي، ولم يقدّم بديلًا مقنعًا لجمهوره السابق يؤدي إلى حل الدولتَين الذي كان ينادي به. ويقول ليفي إن اليسار الإسرائيلي تبعًا لذلك هو أيضًا شريك في المسؤولية عن التحول اليميني المتطرف الذي عكسته نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وإن عن غير قصد.

أعتقد أن هذه المطالبات بمراجعة إسرائيلية لسياسات من كانوا يدعون لتأييد حل الدولتَين في إسرائيل ستكبر في الأيام المقبلة، وسيعي عدد كبير من الإسرائيليين أن السكوت عن الاحتلال والانتهاك اليومي للحقوق الفلسطينية من قبل الاحتلال، أدّيا بهم إلى مجتمع باتوا أنفسهم يعترفون بأنه عنصري متطرف إلى حدّ الأبرتهايد. إذا كان الحال كذلك، ألا يتحمّل المجتمع الدولي أيضًا جزءًا من المسؤولية، حين غضّ الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية اليومية للحقوق، بل للحياة الفلسطينية، وحين سمح بأطول احتلال في التاريخ المعاصر، معلّلًا ذلك بأن الوصول إلى حل الدولتَين سينهي هذه الانتهاكات وهذا الاحتلال؟ وإذ كان للمجتمع الدولي دور لا ينكر في البداية في الوصول إلى هذا الحل، فقد تحوّل هذا الدور إلى دعم لفظي فقط للعملية السلمية، وحل الدولتَين، على الرغم من إدراك استحالته اليوم في ظل غياب الإرادة السياسية ووجود أكثر من سبعمئة ألف مستوطن في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لسنوات كثيرة، لم يرغب المجتمع الدولي بتسمية الحقائق كما هي، أي أن إسرائيل لا تنوي إنهاء الاحتلال، ولا إقامة الدولة الفلسطينية، بل إنها آخذة في إرساء نظام فصل عنصري للفلسطينيين تحت الاحتلال كما لفلسطينيي الداخل. تشبّث المجتمع الدولي بهذا الموقف لأنه الأسهل، فهو يرحل المشكلة إلى الأمام ولا يرغمه على التفكير ببدائل مزعجة له، كتأييد حل الدولة الواحدة ذات الحقوق المتساوية للجميع مثلًا. فإلى أين أدّى هذا الترحيل؟ عوضًا عن تحدي إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني، بات المجتمع الدولي اليوم في مأزق ساهم في الوصول إليه، وهو مأزق الأبرتهايد. وسيضطر المجتمع الدولي، عاجلًا أم آجلًا، للتعامل مع هذا المأزق بينما تتزايد الأغلبية الفلسطينية الحالية داخل الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل حتى تصل، خلال عقد أو عقدين، إلى نسبة لن يستطيع أحد تجاهلها.

وماذا عن العالم العربي؟ ألم يتمسك هو الآخر بحل يدرك استحالته، أو تُوقِّع بعض دوله اتفاقيات ثنائية مع إسرائيل، بغض النظر عن نظامها العنصري؟ هل ستستطيع الدول العربية، وهي التي أعادت التزامها بحل الدولتَين ومبادرة السلام العربية في قمة الجزائر وكأن الانتخابات الإسرائيلية لم تحدث، تكرار الموقف الدولي الذي لم يعد يتمتع بأي مصداقية كانت بعد هذه الانتخابات؟ وإن كان المجتمع الدولي يعتقد أنه بعيد عن الصراع ويستطيع الاستمرار بتجاهله، فهل يملك العالم العربي مثل هذا الترف المزعوم؟

ما حدث في إسرائيل تطور خطير للغاية، لا بدّ من مواجهته عربيًا قبل أي مواجهة دولية، من خلال مراجعة جذرية للسياسات العربية تجاه إسرائيل. ولا بد من أن نسأل بعضنا حفنة من الأسئلة الصعبة، بغض النظر عن النوايا الطيبة التي لا أشكّك فيها أبدًا: هل ساهمت مواقفنا من تأييد حل الدولتَين غير المقرون بخطة واضحة لتنفيذه، وغير الموازي لوقف عملية الاستيطان، في وصول إسرائيل إلى ما وصلت إليه؟ وهل أدت الاتفاقيات الموقّعة مع إسرائيل إلى تليين الموقف الإسرائيلي؟ أم أنها أعطته شعورًا بالاطمئنان زاد من تمادي الاحتلال وانتهاك الحقوق الفلسطينية؟ وهل تستطيع الدول العربية الاستمرار في اتفاقيات الطاقة والمياه مع إسرائيل بينما تكرّس الأخيرة نظام أبرتهايد بشكل يومي؟

هل ندرك اليوم على الأقل الحاجة إلى مراجعات جادة لكل سياستنا مع إسرائيل، من دون أن أحاول استباق نتيجة هذه المراجعة؟ أم أننا سنواصل سياسة تجاهل ما يحدث في إسرائيل والتمسك بمواقف داعمة للسلام مع شريك وهمي غير موجود؟