مايكل فاتيكيوتيس مؤلّف كتب عدّة، من بينها كتاب بعنوان Lives Between the Lines: A Journey in Search of the Lost Levant (حياة بين السطور: رحلة البحث عن المشرق الضائع) صدر العام الفائت عن دار ويدنفيلد آند نيكولسون. هو متخصّص في شؤون شرق آسيا ورئيس التحرير السابق لمجلة Far Eastern Economic Review، ويتحدّث في كتابه الأخير عن الحياة التي عاشها أفراد عائلته في الشرق الأوسط. والده هو المؤرخ الشهير بانايوتيس ج. فاتيكيوتيس، الذي نشأ في فلسطين، ووالدته هي باتريسيا مامفورد المتحدّرة من عائلة إيطالية يهودية سفاردية من ليفورنو، انتقلت إلى مصر في القرن التاسع عشر. هذا الكتاب عبارة عن رحلة تأمّلية مطوّلة في عالم كوزموبوليتاني اندثر الآن في الغالب، ما دفعه إلى كتابة ما مفاده: "بما أنني أتحدّث لغات عدّة وأُعتبر وريثًا ثانويًا لعصر ضائع، أشعر بالتهديد من الهويّات الفردية والخوف من الخلافات العرقية". أجرت "ديوان" مقابلة معه في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر لمناقشة كتابه.  

مايكل يونغ: نشرتَ السنة الماضية كتابًا، مؤثّرًا للغاية إن أمكنني القول، بعنوان Lives Between the Lines: A Journey in Search of the Lost Levant (حياة بين السطور: رحلة البحث عن المشرق الضائع). هل يمكنك إخبارنا عن محتوى الكتاب وما الذي دفعك إلى كتابته؟

مايكل فاتيكيوتيس: إن الكتاب عبارةٌ عن رحلة بحثًا عن جذور عائلتي في مصر وفي الأراضي التي تُعرف اليوم بإسرائيل. تحدّرت والدتي من عائلة يهودية إيطالية ثرية ولدت وترعرعت في مصر، ووُلد والدي في القدس وترعرع في حيفا، وهو ابن مسؤول يوناني فلسطيني عمل في سكك الحديد. أمضيا سنواتهما الأولى على الضفتَين المتقابلتَين من قناة السويس. بالنسبة لي، هذا الكتاب هو رحلة بحث عن هوية فريدة وحقبة من الكوزموبوليتانية الضائعة التي سمحت للاجئين من أوروبا بتحقيق الرخاء والازدهار في أواخر العهد العثماني. ويضفي هذا الأمر على القصة دلالة أوسع، نظرًا إلى المفهوم المعاصر للمشرق بأنه حفرة عميقة مليئة بالمهاجرين الفارّين من الحروب والصراعات الطائفية، والمتّجهين نحو أوروبا في الغالب. هي حقبة تاريخية من المهم استرجاعها، إذ تسهم في إعادة إحياء التصوّر عن المنطقة على أنها مترابطة من خلال اللغة والثقافة، وتقدّم وعيًا أكبر يمكن أن يساعد على رسم مسار السلام والأمن والازدهار.     

يونغ: والدك هو المؤرخ الشهير بانايوتيس ج. فاتيكيوتيس . وعند قراءة كتابك هذا، ندرك أنه عانى من آفات القومية، بدايةً حين أُرغِمت عائلته على مغادرة فلسطين بعد تأسيس إسرائيل في العام 1948، ولاحقًا حين وجد نفسه عالقًا في دوامة الانقسامات السامة في مجال دراسات الشرق الأوسط. هل يمكنك أن تشرح لنا هذا الأمر، والأهم أن تخبرنا ما الهوية التي كان والدك يميل إليها؟

فاتيكيوتيس: حين اطّلعت على الأوراق الشخصية لوالدي (الذي توفي في العام 1997)، أدركتُ أنه كان يرى نفسه يونانيًا من الأراضي المقدسة، ولديه جذور في المجتمعات المختلطة الهلّينية في المشرق. كان يتحدث اللغة العربية بطلاقة وجسّد صورة الفلسطيني المثقف في عهد الانتداب. أصدقاؤه المقرّبون من المدرسة في حيفا هم من مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كان يتعاطف مع قضيتهم، لكنه كان يعتبر نفسه دائمًا دخيلًا. وأعتقد أن هذا الشعور كان بمثابة آلية دفاعية أكثر منه قناعة. كان يهتّم بالفلسطينيين ويتعاطف معهم إلى حدٍّ كبير، حتى أنه حاول سرًّا مساعدة قضيتهم.

يونغ: تتحدّر والدتك، من جهة عائلة أمّها، من عائلة سورناغا اليهودية الإيطالية من ليفورنو. لكنك لم تذكر يومًا ما شعورها حيال تأسيس إسرائيل أو حيال الصهيونية. في المقابل، أشرت إلى أن مغادرة مصر شكّلت نهاية حقبة ذهبية بالنسبة لها ولعائلتها. ماذا يخبرنا ذلك عن العالم الذي عاشوا فيه، وعن والدتك بالتحديد؟

فاتيكيوتيس: عددٌ كبير من اليهود الإيطاليين في مصر، وربما غالبيتهم، لم يكونوا متديّنين. هم اعتبروا أنفسهم إيطاليين في المقام الأول ثمّ تعاطفوا مع النظام الملكي الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني. لقد تزوّج أفراد من عائلة والدتي من إيطاليين كاثوليكيين، وهي نشأت على تعاليم الكنيسة الكاثوليكية. إلى أي درجة يُعدّ ذلك مشرقيًا؟ نتيجةً لذلك، لم يكونوا مؤمنين بالصهيونية، وإن تعرّض بعض أفراد العائلة للاضطهاد في إيطاليا. شكّلت القومية العربية التي تبناها جمال عبد الناصر بعد العام 1952 الدافع الأساسي وراء مغادرتهم مصر، لكنهم ندموا بعد ذلك على عدم اندماجهم بصورة أنجح في المجتمع المصري. وفي ظل "الحماية البريطانية المقنّعة"، تمّ حثّ الإيطاليين على البقاء بمعزل عن الأحداث وخدمة الاقتصاد الاستعماري، حتى حين احتجزتهم الحكومة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية للاشتباه (غالبًا ما كانت التُهم مبنية على أسس قوية) بتأييدهم دول المحور.

يونغ: طرحت في كتابك فكرة مُفاجِئة، إنما أيضًا مثيرة للاهتمام، مفادها أنه لو لم تتخلّص الدول الأوروبية من الإمبراطورية العثمانية، التي ساعدت بنيتها التعدّدية على بروز الكوزموبوليتانية في المشرق، وهو الموضوع الأساسي في كتابك، لما اندثرت ربما هذه الكوزموبوليتانية. مع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من المرحلة التي وصفتها، حين تعزّزت الكوزموبوليتانية في مصر، كان في ظل الحكم البريطاني. هلّا تفسّر هذه المفارقة؟

فاتيكيوتيس: لقد استخدم المشروع الإمبريالي البريطاني المحاكاة إلى حدّ كبير. فقد تبنّى ممارسات عثمانية، بقدر ما نسخ جوانب من الحكم المغولي في الهند. تطوّرت الامتيازات الأجنبية في الإمبراطورية العثمانية، والتي كانت تحمي الأقليات غير المسلمة، إلى نظام محاكم مختلطة، لا يمكن بموجبه محاكمة الأجانب وفق القانون المحلي. حافظ البريطانيون على النظام حتى منتصف الثلاثينيات، بعد عقد كامل أو أكثر من انهيار الإمبراطورية العثمانية. لكن ما لم يعمد البريطانيون إلى تقليده كان قيام العثمانيين بتحديد المجتمعات المحلية، اجتماعيًا وثقافيًا، على أنها "مِلّة" – أو أقلية دينية محمية – ما أتاح درجة كبيرة من التفاعل والاختلاط. بدلًا من ذلك، كان البريطانيون يفضّلون رسم حدود، وفصل مختلف مكوّنات المجتمع الاستعماري وتقسيمها، ما أدّى إلى نوع من الإقصاء وصراع محتمل على الأرض، ما شكّل وعد بلفور تجسيدًا له.

يونغ: لاحظتُ أن استخدامك لمصطلح "مشرقي" محصور نوعًا ما. فعلى سبيل المثال، لم تأتِ على ذكر العرب، من الأقليات خصوصًا، الذين انتقلوا من سورية ولبنان إلى مصر، نقطة الجذب الكوزموبوليتانية في المنطقة، والذين أشاروا إلى أنفسهم أحيانًا بـ"المشرقيين". لماذا حصرت هذا المصطلح بالمجتمعات المحلية الأجنبية الآتية من أوروبا، وتجاهلت الكوزموبوليتانيين العرب؟

فاتيكيوتيس: أنت محقّ. لقد أدركتُ متأخرًا أن توسيع نطاق رحلتي، ولا سيما إلى سورية ولبنان، حيث كان لديّ أقارب بعيدين، كان ليُشكّل مصدر غنى. إضافةً إلى هجرة العرب من أجزاء أخرى من الدولة العثمانية، ساهمت أيضًا هجرة الأرمن من الأناضول في إثراء العالم المشرقي إلى حدٍّ كبير. لكن أبحاثي ركّزت على اليونانيين والإيطاليين الذين عاشوا في القاهرة وبور سعيد والإسكندرية وعكا وحيفا والقدس. لكن كان بإمكاني رواية قصص مماثلة في حلب وبيروت ودمشق.

يونغ: أخيرًا، هذا العالم المشرقي الذي تصفه اندثر في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي عملية بدأت في وقت سابق. هو عالم يعتبره كثيرون اليوم مثاليًا، إذ كانت فيه الهوية أكثر مرونة وكان باستطاعة الناس أن يتبنّوا في الوقت نفسه عددًا من الهويات والجوانب المختلفة من حياتهم، سواء كانت ثقافية أو وطنية. هل تظنّ أن العودة إلى هذه الكوزموبوليتانية أمرٌ ممكن في عالم يتبنّى على ما يبدو هويات أكثر إثارةً للانقسام من أي وقت مضى؟

فاتيكيوتيس: يجب أن نأمل في أن يكون ذلك ممكنًا. لقد عانى المشرق على مدى أكثر من جيلَين من الصراعات المتسشرية، وباتت مجتمعاته منقسمة راهنًا بسبب العداء السياسي والطائفي، بعد أن كانت في السابق مترابطة ومتصلة ببعضها البعض. قبل عشرين عامًا، كان بإمكان الناس في عمّان الذهاب بسياراتهم إلى دمشق لتناول الغداء والعودة في أولى ساعات المساء. ثمة رغبة قوية في استرجاع هذه الروابط. وفي عالم اليوم الذي يواجه التهديدات الناجمة عن تغيّر المناخي وندرة المياه، تعتمد أرزاق الناس على تشارك الموارد كالمياه والغذاء والطاقة. وأعتقد أن استعادة الأسس الاجتماعية والثقافية للمشرق القديم ستسهم إلى حدٍّ ما في إرساء أساس التعاون الأوثق حول ما ستحتاجه هذه المنطقة التي يبلغ عدد سكانها 70 مليون نسمة، لتتمكّن من البقاء والاستمرار في عالم يزداد جفافًا وسخونةً.