سيشكّل يوم الثامن عشر من كانون الأول/ديسمبر يومًا مميزًا بالنسبة إلى القطريين، الذين سيجتمعون صباحًا للاحتفال باليوم الوطني للبلاد، وسيتابعون مساءً المباراة النهائية لبطولة كأس العالم لكرة القدم (الفيفا)، التي تنطلق في الدوحة يوم الأحد. وتُعتبر هذه المصادفة السعيدة بمثابة تتويج لاستراتيجية كرة القدم القطرية والمتمثّلة في جعل كرة القدم عاملًا مساهمًا في سطوع نجمها بين مختلف دول العالم، وضمان أمنها الوطني.

وخلال العقدَين الماضيين، أصبحت كرة القدم أداة قوة ناعمة تستخدمها عدد من الدول الغنية، بما فيها دول الخليج العربي وروسيا ودول جنوب شرق آسيا. من السهل فهم السبب، إذ إن كرة القدم تُعدّ الرياضة الأكثر شعبية في العالم، ويشاهدها مليارات المشجعين في مختلف القارات. صحيحٌ أن الاستثمارات في كرة القدم تتطلّب تمويلًا ضخمًا، إلا أنها توفر مكانةً على الساحة العالمية وتضمن تحقيق عائدات هائلة.

لكن بالنسبة إلى قطر، لا تقتصر كرة القدم على عكس صورة إيجابية للعالم، أو تنشيط القطاع السياحي، أو تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الغاز الطبيعي. فهي تساهم في ضمان أمن البلاد، وتحصينها في وجه اهتمام الدول المجاورة المعادية غير المرغوب فيه.

هذه هي الاستراتيجية التي شرع القادة القطريون إلى صياغتها أوائل التسعينيات، بُعيد انتهاء حرب الخليج الأولى. فقد ساورتهم مخاوف من أن تواجه بلادهم، التي تمتلك موارد طبيعية غير محدودة تقريبًا لكن يحيط بها في الوقت نفسه خصوم أقوياء، مصير الكويت نفسه، بعد أن قامت بغزوها جارتها الأكبر. وقد تحرّك حاكم البلاد آنذاك حمد بن خليفة آل ثاني، بعد توليه الحكم في العام 1995، على جبهات عدّة لضمان مستقبل قطر.

ومن أجل ضمان متانة الأمن، افتتحت قطر في العام 1996 قاعدة العديد الجوية، التي تعدّ اليوم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط. أما على صعيد القوة الناعمة، فأطلق الأمير شبكة الجزيرة الإعلامية، التي باتت إحدى العلامات التجارية القطرية الأكثر شهرةً وأداة تأثير كبيرة في المنطقة وخارجها. وخلال السنوات اللاحقة، استثمرت الدوحة في شركات عالمية بارزة، على غرار هارودز وميراماكس فيلمز ورويال داتش شل وبورش. فهي كانت تعتبر أنه كلما تحدّث العالم عن قطر، كلما قلّ اهتمام جيرانها بتنفيذ عمل عدواني ضدّها.

وسرعان ما باتت الرياضة الدولية أداة رئيسة في هذه الاستراتيجية. وعمدت قطر إلى شراء قرية لندن الأولمبية في العام 2012، وتحويلها إلى مشروع شقق فاخرة، إضافةً إلى أنها كانت أول راعٍ لسباقات رويال آسكوت للخيول على الإطلاق في العام 2014. وأصبحت البلاد مضمارًا رئيسًا للأحداث الرياضية الدولية. علاوةً على ذلك، استضافت قطر أكثر من 20 حدثًا منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، بما فيها دورة الألعاب الآسيوية للعام 2006، وبطولة العالم لسباق الدراجات الهوائية على الطريق للعام 2016، وبطولة العالم لألعاب القوى للعام 2019.

لقد أدّت كرة القدم، بشعبيتها المتزايدة وعائداتها الهائلة، إلى نقل هذه الاستراتيجية إلى مستوى مختلف. لا مجال لمقارنة الأحداث الرياضية التي تستضيفها قطر بكأس العالم 2022، فهو حدث عالمي يُتوقع أن يشاهده على شاشة التلفاز حوالى 5 مليارات شخص. وبلغت النفقات التي تكبدتها قطر تحضيرًا لهذا الحدث 220 مليار دولار، إذ قامت ببناء ملاعب ومستشفيات وفنادق ومطارات وشبكات نقل جديدة. ومن المتوقّع أن تبلغ عائدات قطر من كأس العالم 9 مليارات دولار، ناهيك عن الشهرة والازدهار اللذين سيوفرهما الحدث.

منذ أن حصلت قطر على حقوق استضافة كأس العالم في العام 2010، وسط انتشار اتهامات بالفساد، تحوّلت هذه الدولة الخليجية إلى مركز عالمي لكرة القدم. وحققت هذا الإنجاز من خلال اعتماد استراتيجية مفصلة تطوّرت في اتجاهات ثلاثة.

أوّلًا، ربطت قطر اسمها بأفضل أندية كرة القدم في العالم، سواء عن طريق الرعاية المُربحة أم السيطرة المباشرة. وقد اعتاد المُشَجِّعون راهنًا على رؤية اسم قطر على قمصان أنديتهم الوطنية الأشهر، على غرار نادي برشلونة الإسباني وبايرن ميونيخ الألماني وبوكا جونيورز الأرجنتيني. ويُعتبر نادي باريس سان جيرمان الفرنسي درّة تاج قطر في رياضة كرة القدم. وكانت شركة قطر للاستثمارات الرياضية الحكومية قد استحوذت على النادي الفرنسي في العام 2011، وحوّلته إلى أحد أنجح الأندية الأوروبية. واختير لرئاسة النادي، ناصر الخليفي، وهو مدرب تنس سابق ومُقرّب من الأمير تميم بن حمد آل ثاني الذي خلف والده الشيخ حمد بن خليفة في العام 2013. ويشغل الخليفي مناصب قيادية في اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم ورابطة الأندية الأوروبية، ما يجعله أحد أقوى الجهات الفاعلة في كرة القدم العالمية اليوم.

ثانيًا، شكّل استحواذ قطر على حقوق البث الحصري لبطولة العالم وسيلة أخرى لتوسّعها في رياضة كرة القدم العالمية. وفي الوقت الراهن، يشاهد مئات الملايين من مُشجّعي هذه الرياضة مباريات كرة القدم على شبكة قنوات بي إن سبورت الرياضية القطرية، التي تُبثّ في 43 دولة عبر القارات الخمس وباللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، ويتولّى رئاستها الخليفي أيضًا. وعلى غرار شبكة الجزيرة، تُعَدّ قنوات بي إن سبورت أداةً قوية للنفوذ الإقليمي، أقلّه من وجهة نظر خصوم قطر.

ثالثًا، أتاحت الاستثمارات المحلية الضخمة الفرصة أمام قطر لتحسين مكانتها في عالم كرة القدم. في هذا الإطار، تُعتبر أكاديمية أسباير، التي تأسّست في العام 2004، إحدى أشهر برامج تطوير المواهب في كرة القدم حول العالم. وتعمل سنويًا على استكشاف 5,000 قطري في سنّ الحادية عشرة، وتُقدّمُ المنح التعليمية لأكثر الموهبين حتى بلوغهم الثامنة عشرة من العمر. من خلال إعطاء الأولوية للاعبين المولودين في قطر وكذلك الشباب غير القطري، الذين هم عادةً أبناء مهاجرين جاؤوا إليها بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وعاشوا القسم الأكبر من حياتهم فيها، ساهمت أكاديمية أسباير في تحسين جودة كرة القدم القطرية بشكل كبير، وأعادت تعريف معنى معنى الانتماء إلى قطر.

لكن السؤال هنا: هل تؤتي استراتيجية كرة القدم القطرية ثمارها في نهاية المطاف؟ إذا نظرنا إلى الطريقة التي انخرط بها نادي باريس سان جيرمان وقنوات بي إن سبورت الرياضية والمُنتَخب القطري في المشهد الجيوسياسي خلال السنوات القليلة الماضية، سيكون الجواب نعم. فخلال الأيام الأولى من عزل الدول الخليجية لقطر، شكّل نادي باريس سان جيرمان أداةَ تواصل مذهلة مع العالم. وبعد أسابيع قليلة، وقّع الفريق صفقاتٍ قياسية لضمّ قائد المنتخب البرازيلي نيمار والنجم الفرنسي الصاعد كيليان مبابي. وحظيت قطر، بفضل هذا الاستثمار الذي تجاوزت قيمته 450 مليون دولار لضمّ اللاعبَين، باهتمام غير مسبوق، وكشفت عن قوتها المالية غير المحدودة تقريبًا في وقت كان من المفترض أن تكون الدولة معزولة دوليًا. وفي حين كانت علاقاتها الإقليمية تمرّ بأسوأ حالاتها، كانت قطر تعيش ذروة شهرتها العالمية.

سرعان ما امتدّ الخلاف الخليجي إلى حقوق بثّ بطولات كرة القدم أيضًا. وفي أواخر العام 2017، بدأت محطة تلفزيونية مقرصنة تسمى بي آوت كيو ببثّ برامج ومباريات قناة بي إن سبورت بشكل غير قانوني، وتمّ بسرعة تتبع ضلوع المملكة العربية السعودية في هذا العمل، ما أدّى إلى إلحاق ضرر كبير بصورة قطر ووضعها المالي. بعد سنواتٍ قليلة من الجدل والخلافات وبدعم من البطولات الأوروبية الكبرى لكرة القدم، كان لقطر الكلمة الأخيرة في هذا الشأن. وفي العام 2020، خلصت منظمة التجارة العالمية إلى أن المملكة العربية السعودية قد انتهكت القواعد العالمية لحقوق الملكية الفكرية من خلال عدم اتخاذ إجراءات ضد القرصنة التي قامت بها قناة بي آوت كيو.

وظهرت التوترات بين قطر وجيرانها على أرض الملعب أيضًا. فلا يزال ربما الفوز الذي حققته قطر على الإمارات العربية المتحدة في نصف نهائي كأس آسيا في العام 2019 أكثر اللحظات فخرًا في تاريخ كرة القدم القطرية لغاية اليوم. أُقيمت المباراة المشحونة سياسيًا في أبو ظبي أمام جمهور مُعادٍ تمامًا لقطر، إذ لم يُسمح سوى للمُشَجِّعين الإماراتيين بدخول الملعب. ومع فريقٍ تمّ تطوير مهاراته بشكل شبه كامل في أكاديمية أسباير، فازت قطر على الإمارات بنتيجة 4-0، ثم فازت بعدها بالبطولة في المباراة النهائية ضد اليابان. وغاب المسؤولون الإماراتيون عن حفل توزيع الجوائز وطعنوا في النتيجة بعد ذلك.

في هذا السياق، زعم عدد من المراقبين أن بطولة كأس العالم 2022 لعبت دورًا في إنهاء العزلة القطرية أوائل العام 2021. وبعد محاولة فاشلة لتجريد قطر من استضافة البطولة، اضطرت الدول المجاورة لها في نهاية المطاف إلى إنهاء الحظر من أجل تشارك العائدات التي ستوفرها البطولة للمنطقة.

ولا تزال حسابات الدوحة الأولية والمتمثلة في أنه كلما تحدّث العالم عن قطر، قلَّ خطر العدوان ضدّها، صحيحة. لكن كرة القدم تسببت بصدور عدد كبير من الأخبار السيئة عن قطر أيضًا، إذ تمّ تسليط الضوء على الظروف السيئة المحيطة بصحة وسلامة العمال في البنى التحتية لكأس العالم، والأثر البيئي الكبير للبطولة، والحماية غير الكافية لحقوق المرأة ومجتمع الميم في هذه الدولة الخليجية. لكن بإمكان الدوحة تجاهل كل الانتقادات، إذ إنها حققت شهرة عالمية بفضل البطولة، ما يُعتبر أساسًا أكبر جائزة لها.

صحيحٌ أن بطولة كأس العالم هي تتويج لاستراتيجية قطر لكرة القدم، إلا أنها أيضًا نقطة تحوّل في السياسة الخارجية للبلاد. وعند انتهاء البطولة، سيتعيّن على الدوحة التفكير في طرق جديدة لتعزيز طموحاتها الدولية. وسيتوجب على الأمير تميم، في إطار استراتيجية ما بعد كأس العالم، إعطاء جوهر جديد لمكانة البلاد العالمية، بدءًا من إرساء توازن في موقفها من الصين والولايات المتحدة مرورًا بالمساعدة على معالجة نقص إمدادات الطاقة في أوروبا وصولًا إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة الخضراء. وفي حين قد يؤدي ذلك إلى تعقيد المسائل الأمنية، تشير آخر القرارات القاضية بمنح قطر حقوق استضافة كأس آسيا لكرة القدم للعام 2023 والألعاب الآسيوية للعام 2030 إلى أن البلاد ستواصل تركيز اهتمامها على القوة الناعمة لكرة القدم، والرياضة بشكل عام.