"أعتقد أن هذا مستبعد إلى حدّ كبير"، كان هذا أول ردّ لمدرب المنتخب الوطني الإنكليزي غاريث ساوثغيت لدى سؤاله إن كانت إنكلترا ستؤيد طلب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جاني إنفانتينو بتجنّب الدخول في السياسة والتركيز على اللعبة فحسب، عند انطلاق الدورة الثانية والعشرين من بطولة كأس العالم يوم الأحد. وأضاف ساوثغيت أن المنتخب الإنكليزي "يفضّل التركيز أساسًا على اللعبة"، لكنه أدرك الظروف المحيطة بهذه الدورة وقَبِل بها.

وفي رسالة وجّهها إلى المنتخبات الـ32 المشاركة في ​بطولة كأس العالم، التي تستضيفها قطر لغاية 18 كانون الأول/ديسمبر، طلب منهم إنفانتينو "عدم السماح بانجرار كرة القدم إلى الخلافات الإيديولوجية أو السياسية". وعند هذه النقطة، من الصعب معرفة كيف يمكن أن يتحقّق طلب إنفانتينو.

وعندما سُئل ساوثغيت، خلال مؤتمره الصحفي، عن إيران، التي سيخوض فريقها المباراة الأولى ضدّ المنتخب البريطاني: "هم يزوّدون أمثال روسيا بالأسلحة. فهل يجب أن يكونوا في كأس العالم؟" تجنّب الإجابة عن السؤال مشيرًا إلى عدم امتلاكه الخبرة الضرورية للحديث في هذا الموضوع، لكن السؤال بحدّ ذاته مثير للاهتمام. في الواقع، زعم الجيش الأوكراني مؤخرًا أن روسيا تستخدم ضدّهم طائرات بدون طيار إيرانية الصنع تمّ تزويدها بها بعد الغزو الروسي الشامل في شباط/فبراير. الجدير بالذكر هنا أن روسيا، التي استضافت الدورة الماضية من كأس العالم في العام 2018، مُنعت من المشاركة في البطولة هذا العام.

لنفترض أن إيران تزوّد روسيا بالسلاح، لا يزال السؤال الموجّه لساوثغيت يطرح إشكالية على جبهتَين. أولًا، يركّز على انخراط الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع روسيا، ويتجاهل بشكل كامل ما يحصل على أرض الواقع خلال الشهرَين الماضيين. فاعتبارًا من 12 تشرين الثاني/نوفمبر، بلغ عدد القتلى على يد قوات الأمن الإيرانية 326 شخصًا على الأقل، من بينهم 43 طفلًا و25 امرأة، منذ أن اندلعت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد يوم 17 أيلول/سبتمبر. ووجّهت السلطات الإيرانية أيضًا تُهمًا لما لا يقل عن 1,000 شخص في محافظة طهران لمشاركتهم في الاحتجاجات التي أعقبت مقتل مهسا (جينا) أميني على يد "شرطة الأخلاق"، على خلفية مزاعم أنها كانت تضع الحجاب بشكل غير ملائم. الجدير بالذكر هنا أن قواعد صارمة تقيّد حياة النساء الإيرانيات منذ الثمانينيات، لدرجة أن دخول الملاعب لمشاهدة مباريات كرة القدم ما زال ممنوعًا عليهنّ

ثانيًا، لقد تجاهل الصحافي عند طرح السؤال أهمية المنتخب الوطني الإيراني ورمزياته المتعددة، وخلط بينه وبين الجمهورية الإسلامية. على مر السنين، حظيَ "تيم ميلي" (Team Melli)، أي "المنتخب الوطني" باللغة الفارسية، بدعم من الإيرانيين من مختلف القناعات، المقيمين في إيران والمتواجدين في دول الاغتراب، سواء كانوا يدعمون النظام أم يعارضونه. وعند مشاركة المنتخب الإيراني في كأس العالم بشكل خاص، يبدو الإيرانيون أكثر اتحادًا.

بعد مقتل أميني، تواصل بعض الناشطين البارزين مع مسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم، مطالبين بإقصاء المنتخب الإيراني من بطولة كأس العالم. وكان لاعبون سابقون، وبعض من أفضل لاعبي كرة القدم الإيرانيين، على غرار علي دائي وعلي كريمي، أبرز المؤيدين للاحتجاجات. وخلال الأسبوع الفائت، قام المدرب الحالي للمنتخب الإيراني كارلوس كيروش بتأجيل مؤتمر صحفي كان مقرّرًا للإعلان عن تشكيلة الفريق في البطولة بعد مزاعم تعرّضه لضغوط من الاتحاد الإيراني لكرة القدم لمنع المهاجم المتألق سردار أزمون من المشاركة على خلفية دعمه للاحتجاجات، وعاد لاحقًا وألغاه. وعمد في النهاية إلى الإعلان عن تشكيلة المنتخب، التي ضمّت أزمون، في بيان. ويرى مراقبون عدّة أن كأس العالم سيكون منصةً، ربما تكون الأكبر، لإيصال صوت الفريق المناهض للجمهورية الإسلامية.

وعلى مدى الأسابيع الماضية، عبّر الرياضيون الإيرانيون بشتّى الطرق عن دعمهم للاحتجاجات، أو على الأقل، عن تضامنهم مع ضحايا وحشية الدولة. فرفض فريق كرة الماء الإيراني ترديد النشيد الوطني. واحتفل أحد لاعبي كرة القدم الشاطئية الإيرانيين بتسجيل هدف من خلال التظاهر بقصّ شعره (تضامنًا مع النساء الإيرانيات اللواتي قصصن شعرهن تعبيرًا عن احتجاجهنّ). وبعد الفوز بكأس السوبر الإيراني، احتفل لاعبو نادي استقلال لكرة القدم بصمت تام. وشاركت المتسلّقة المحترفة إلناز ركابي في بطولة دولية من دون حجاب (لكنها عادت واعتذرت عن ذلك في وقت لاحق).

إن أمكننا استعارة كلمات ساوثغيت، فمن "المستبعد إلى حدّ كبير" خوض كأس العالم من دون قيام المنتخب الإيراني (أو مشجعيه) بإيصال رسالة سياسية من نوع ما إلى العالم.

سيكون مثيرًا للاهتمام متابعة المباراة النهائية في دور المجموعات التي سيخوضها المنتخب الإيراني، وهي المباراة التي غالبًا ما تحسم المتأهل للدور الثاني. وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر، من المقرر أن يواجه المنتخب الإيراني نظيره الأميركي لأول مرة منذ 22 عامًا. فحين التقى الفريقان آخر مرة خلال كأس العالم 1998، خاضا إحدى أكثر المباريات المشحونة سياسيًا في تاريخ البطولة.

وفي الفترة التي سبقت تلك المباراة، صرّح مهاجم المنتخب الإيراني خداداد عزيزي، إن الفريق "لن يخسر" وأن "الكثير من عائلات الشهداء (في الحرب الإيرانية العراقية) كانت تتوقّع فوزه". وقيل إن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، تدخّل بشكل مباشر في التحضير للمباراة وأعطى أوامر واضحة للفريق بعدم السير نحو فريق الأميركي للمصافحة قبل المباراة (بدلًا من ذلك يتعيّن على الأميركيين السير نحو الإيرانيين لمصافحتهم). بدوره، وجّه الرئيس الأميركي بيل كلينتون رسالة قصيرة قبل المباراة. في النهاية، كانت المباراة ودّية، وفاز المنتخب الإيراني بنتيجة 2-1.

في هذا السياق، قال جلال طالبي، الذي كان مدرب المنتخب في ذلك الوقت، وغادر إيران في الثمينينيات وهو يقيم راهنًا في كاليفورنيا، إن المباراة بين إيران والولايات المتحدة لا تزال محفورةً في ذهنه وقلبه، ولا تنبع أهميتها "من أنها كانت [ضدّ] الولايات المتحدة" بل لأنها "شكّلت أول فوز [على الإطلاق] في كأس العالم في وقت كان الشعب الإيراني ينتظر سببًا يُفرحهم. ونحن أدخلنا الفرحة إلى قلوبهم. لم ينسَ الإيرانيون أبدًا تلك الليلة وكيف رقصوا في الشوارع حتى ساعات الصباح الأولى".

لا شكّ أن بطولة كأس العالم هذا العام ستكون مسرحًا رئيسًا يعبّر فيه المنتخب الإيراني عن موقفه، بطريقة أو بأخرى، سواء من خلال أدائه على أرض الملعب أو من خلال مواقفه السياسية داخل الملعب أو خارجه. لكن الأكيد أن معاقبة المنتخب الإيراني مع الجمهورية الإسلامية لن يكون منصفًا لجهة كونه عقابًا جماعيًا. علاوةً على ذلك، قد تصبح الوحدة الإيرانية حول المنتخب الوطني حافزًا إضافيًا للتوحّد ضدّ نظام الجمهورية الإسلامية.