تذكّرنا الدراسة الصادرة حديثًا عن كارنيغي حول القطاع التعليمي بعنوان "على خطى التجديد والإبداع: البحث عن مسارات مبتكرة للإصلاح التربوي العربي" بأن مراقبي المجتمعات العربية لاحظوا، خلال العقد المنصرم، صورًا متنافرة على نحوٍ غريب. فكلّما انصب التركيز أكثر على وضع الميدان السياسي في صلب التحليل والفهم، لا مفرّ من أن نشهد النزاع والقمع والركود وطيفًا من المشاكل ابتداءً من السلطوية الضاربة الجذور وانتهاءً بالفوضى المدمرة. ولكن عند التركيز أكثر على مجالات أخرى ووضع الجيل الشاب نصب أعيننا، غالبًا ما نقع على طفرات إبداعية تتمثّل برواد أعمال ابتكاريين، وفنانين واسعي الخيال، وكتّاب ملهمين، واستخدامات بارعة للتكنولوجي بطرق جديدة.

على مر أكثر من عقدٍ من الزمن، نظرتُ أحيانًا إلى التعليم ووجدت فيه تنافرًا متزايدًا أيضًا. فعند النظر إلى النظم التعليمية من أعلى الهرمية، غالبًا ما نقع على منشآت مثقلة بأعباء تفوق طاقتها، وأنماط سلطوية، وتركيز على السيطرة، واعتماد على الروتين. لكن عند التكلم مع المعلّمين، والخبراء التربويين، وحتى الطلاب في بعض الأحيان، تَظهر مساحات واسعة وحتى متنامية من الإبداع والمثالية والطاقة.

النزاع بين السياسة التسفيهية والمجتمعات الإبداعية واضح جدًّا في معظم الأحيان: يشتكي رواد الأعمال من الأجواء المقيِّدة لأفكارهم؛ ويذهب الفنانون أبعد من الحدود التي تبدي الأنظمة استعدادًا للسماح بها؛ وتقتحم الأفكار الجديدة المساحات العامة الخاضعة للرقابة من خلال فن الشارع بصورة مبتكرة إنما نافرة (وأحيانًا عابرة).

في الميدان التعليمي، تُعدّ التجاذبات أقل وضوحًا، لكنها حقيقية إلى حدٍّ كبير.

ثمة مصدران صارخان للتجاذبات بين الحكّام والقوى المثقّفة المتنوعة ذات الذهنية الإصلاحية. لقد بات لديّ اقتناع أن المصدرَين أقل تأثيرًا مما يُعتقَد في معظم الأحيان، وأن المشكلة الأهم، والأكثر انتشارًا، تكمن في مصدر ثالث للتجاذبات نادرًا ما يجري التنبّه له.

المصدر الواضح الأول هو أن الأنظمة تركّز على فرض النظام والانضباط والأمن وغالبًا ما تنظر إلى الشباب بأنهم مصدر تهديد محتمل، أو قناة تمرّ عبرها أفكار تشكّل تهديدًا. تُتَّهم هذه الأنظمة بالردّ من خلال فرض الضوابط المشدّدة والسيطرة، انطلاقًا من العقلية الأمنية. هذه المشكلة حقيقية على الأرجح، لكن المسألة هنا لا تقتصر على الأنظمة القاسية والقمعية. فالريبة من التغيير لا تعكس مخاوف سياسية فحسب، بل غالبًا ما تعكس أيضًا فجوات بين الأجيال (وهي فجوات كبيرة في الكثير من المجتمعات العربية)، تتجلّى من خلال النزعة المحافِظة ثقافيًا والتوقعات بالخضوع والاستكانة التي تتعارض مع حيوية الشباب وميلهم إلى التجربة والاختبار.

فضلًا عن ذلك، وفي حين أن المخاوف على أمن النظام تبرز بقوّة في مجتمعات كثيرة، ثمة نوعٌ مختلف من الأمن قد يفرض قيودًا على الإصلاح، ويتمثّل في توقعات الأهل والطلاب عن الأمن الاقتصادي للجيل الصاعد، من خلال النظر إلى مهمة التعليم بأنها استثمارٌ في تحسينٍ مجزٍ مادّيًا. (غالبًا ما أقول ممازحًا إنني حين أسأل الطلاب الجامعيين في العالم العربي عن أسباب اختيارهم لاختصاصهم، يبدأ جوابهم دائمًا بكلمة "أهلي...").

مصدر التجاذب الواضح الثاني مرتبط بالموازنة. تعمل دول كثيرة في المنطقة في ظل قيود مالية شديدة وتشعر بأنها تفتقر إلى الإمكانيات اللازمة لتلبية المطالبات بمدارس جديدة، وتجهيزات أفضل في قاعات التدريس، وزيادة أعداد المعلّمين. أما الإصلاحيون فغالبًا ما يشتكون من أن المشكلة مرتبطة على نحوٍ أكبر بالأولويات المالية، إذ تنفق الحكومة في الميدانَين العسكري والأمني بشكل أكبر بكثير من الإنفاق في التعليم. ألحَظ أيضًا عاملًا مؤثّرًا أقل بروزًا، وهو أن القادة يركّزون على الطلبات الكمّية لا على جودة ما هو مطلوب. على سبيل المثال، ينصبّ التركيز على توظيف المعلّمين والتأكد من حصولهم على المؤهلات والاعتمادات الأكاديمية المناسبة أكثر منه على التطوير المهني؛ وعلى تعداد قاعات التدريس التي بُنيت أكثر منه على التفكير في كيفية هيكلتها؛ وعلى التأكد من إدراج بعض المواد أكثر منه على تطوير الأساليب البيداغوجية. عند الاستماع إلى خطاب القادة السياسيين، نستشفّ نظرة مغايرة تمامًا إلى كيفية التفكير في العمليات التربوية عن النظرة التي نستشفّها من الحديث مع المعلّمين والطلاب.

يقود ذلك إلى مصدر التجاذب الأقل لفتًا للأنظار إلى حدٍّ كبير، ولكنه قد يكون الأكثر أهمية. يدرك القادة على نحوٍ متزايد الحاجة إلى الإصلاح التربوي، وقد يتكلمون عنه في العلن. ولكنهم يميلون، ربما أسوةً بعدد كبير من أولياء الأمور، إلى التركيز على إعداد الطلاب لدخول سوق العمل، والبحث عن النموذج الأفضل لتحسين منظومتهم الخاصة. لقد تركت الجامعات الأميركية، وتدريس العلوم والرياضيات في سنغافورة، ونتائج الطلاب الفنلنديين في الاختبارات انطباعاتٍ عميقة. وثمة نزعةٌ قوية للبحث عن طرق لاستيراد هذه النماذج أو استنساخها محليًا.

ولكن تربويين كثرًا يخشون أن يؤدّي ذلك إلى منظومة هامدة بلا حياة، تُستنسَخ فيها الهياكل العظمية وتُهمَل الأعضاء الحيوية. فهم ينظرون إلى نتائج الاختبارات بأنها مؤشرات ذات فائدة متباينة وليست غاية بحدّ ذاتها. حتى أولئك الذين ساهموا في بناء النماذج التي يُعمَل على محاكاتها غالبًا ما يحذّرون من أنها طُوِّرت عضويًا في المجتمعات التي ظهرت فيها. في حين أن ثمة بعض العناصر الثابتة - التركيز على المعلّمين؛ وثقافة الابتكار؛ واحترام العملية التعليمية، تُعدّ النماذج العالمية العصرية مواضيع جديرة بالدراسة والعصف الذهني إنما بعيدًا عن الاستنساخ الآلي.

منذ أربع سنوات، انضمّ إلى النقاش حول الإصلاح التربوي فريقٌ تمّ تشكيله في إطار مشروع "آفاق عربية" الذي أطلقته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وذلك من خلال إصدار تقرير بعنوان "انخراط المجتمع في إصلاح التعليم العربي: من التعليم إلى التعلُّم"، سعى إلى جمع وجهات نظر المنخرطين في الإصلاح التربوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لقد أدّيتُ دورًا تيسيريًا في هذه العملية، ونتج عنها توصيات من المهم تكرارها:

  • المدرسة: إشراك الطلاب والمعلّمين من أجل تطوير المهارات الخاصة بالمواطنة البنّاءة في صلب النظام التعليمي.
  • الدولة: إعادة تشكيل وزارات التربية والتعليم كي تبتعد عن كونها مقدِّمة للخدمات، لتصبح مصمِّمة للرؤى/المعايير وميسِّرة للعملية التعليمية.
  • المجتمع: بدلًا من النظر إلى المؤسسات التعليمية على أنها جهات منفصلة تُسنَد إليها مهمة التعليم وحسب، ينبغي أن تصبح مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمجتمعات المحلية، ما يسمح بتحويل العملية التعليمية من التدريس إلى التعلّم.
  • بلورة رؤية تربوية جديدة لا تستند إلى إنتاج الأعداد المتوقّعة من العمّال المهرة وحسب، بل إلى إنتاج متعلّمين أكفّاء أو مواطنين صالحين.

كانت تلك الأفكار المطروحة سابقًا مقنعة لكنها عامة، لذا تمّ خلال العام الفائت تشكيل فريق جديد لدراسة التجارب العملية. وفي تشرين الأول/أكتوبر، نشرت مؤسسة كارنيغي دراسة جديدة بعنوان "على خطى التجديد والإبداع: البحث عن مسارات مبتكرة للإصلاح التربوي العربي ". وبصفتي منسّقًا لهذه العملية مجدّدًا، كنت شاهدًا على بروز نتيجة واضحة مفادها أن البحث عن نموذج تربوي واحد من شأنه أن يشكّل بديلًا مناسبًا للنظم التعليمية العربية هو أضغاث أحلام. فبرأينا، ما من نموذج مماثل في الوقت الراهن، ومن غير الضروري أن يكون.

لقد شدّد تقريرنا السابق على ضرورة أن تكون النُظم التعليمية متجذّرة بالكامل في المجتمعات التي تعمل فيها، وبالتالي فإن المبادرات الناجحة هي التي تتكيّف بحسب طبيعة كل مجتمع، إذ ما من "مجتمع عربي" واحد. وتحمل جميع التجارب التعليمية في جعبتها دروسًا قيّمة، وأبرزها ضرورة تجنّب فرض رؤية واحدة تستجيب للمشاكل العامة بدلًا من معالجة التحديات التي تواجه كل سياق على حدة. إن سرّ نجاح العملية الإصلاحية يتمثّل في الابتكار والتجربة، بدلًا من فرض نموذج وطني أو دولي واحد، أو حتى مجموعة من المعايير.

على الرغم من استحالة التوصّل إلى حلٍّ واحد وتطبيقه في مختلف السياقات، لدينا خزينٌ من الدروس والأساليب التي يمكن أن تنجح في أماكن أخرى. فدراستنا لا تتوخّى تقديم نموذج أو مثال واحد، بل استعراض المساعي التجريبية والإصلاحية التي انبثقت من العالم العربي. هدفنا إذًا هو تحديد المقاربات التي كانت مفيدة وما يمكن تعلّمه منها، على أمل أن يتبنّى الناس والمعلّمون وكبار المسؤولين روحية التجربة والابتكار، وأن يفسحوا المجال أمام تعزيز التوق نحو المثالية والطاقة التي لا تزال متّقدة في عدد كبير من النظم التعليمية، بدلًا من إحباطهما.

قبل عقدٍ من الزمن، زرتُ قاعة تدريس في أحد مخيمات غزة في إطار حصّة دراسية أطلقتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن حقوق الإنسان. توقّعت أن يكون المكان متواضعًا، ومكتظًّا إلى حدٍّ ما، وهذا ما وجدته. لكنني رأيت أيضًا مواد مثيرة للاهتمام، لا بل أساليب بيداغوجية خلّاقة وطلابًا شديدي الالتزام يفكّرون في الطريقة التي سيتصرفون بها في حال علموا بحدوث انتهاك لحقوق الإنسان. ثمة أمورٌ كثيرة غير مبهجة. فبعد مرور عشر سنوات، غالب الظن أن هؤلاء الطلاب لا يواجهون المشكلات داخل قاعات التدريس فحسب بل في حياتهم اليومية، ومن غير المرجّح أن يحققوا الكثير من النتائج الجيدة في أي استراتيجية للتعامل مع تلك المشكلات. لستُ أقترح إنكار الحقائق المثبِطة أو تجاهلها. ولكنني ما زلت، حتى يومنا هذا، متأثّرًا عاطفيًا – بطريقة إيجابية – بما شاهدته آنذاك، ليس لأنني رأيت نتيجة إيجابية في قاعة التدريس تلك، بل بسبب ما لمسته من روح إنسانية إيجابية غير متوقعة لدى الطلاب والمدرّس.

ينبغي للأفكار والآمال والطموحات عند هذا المستوى أن تحفّز وتُلهم الأشخاص المؤتمنين على الجيل الصاعد. يجب أن ينظر هؤلاء القادة إلى دورهم ليس من منطلق أنه يقوم على التحكّم بذلك الجيل، بل من منطلق توجيه أبناء ذلك الجيل للعثور على أدوات يرسمون بها مسار حياتهم.