شكّلت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى السعودية خلال الأسبوع الماضي لحظة حقيقة جديدة بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فقد استقبل السعوديون شي بحفاوة لافتة، مقارنةً مع استقبالهم الفاتر لجو بايدن حين زار المملكة في تموز/يوليو الماضي. ويُعزى سبب ذلك جزئيًا إلى واقع أن الرئيس الأميركي لم يرد أن يحظى بمراسم استقبال كبيرة على خلفية اغتيال جمال خاشقجي.

لم تكن الولايات المتحدة راضية مع الانطباع السائد على نطاق واسع في الشرق الأوسط بأنها في طور فك ارتباطها بالمنطقة. وفي قمة شهدت مشاركة بايدن وقادة عرب في شهر تموز/يوليو الماضي، سارع الرئيس الأميركي إلى طمأنة نظرائه بأن واشنطن "لن تنسحب من الشرق الأوسط ولن تترك فراغًا تملؤه الصين أو روسيا أو إيران". يتمثّل موقفه هذا، الذي ردّده الكثير من المسؤولين الأميركيين وخبراء السياسة الخارجية، في أن المجهود الرامي إلى احتواء النفوذ الصيني لا يمكن أن يقتصر على مناطق مثل شرق آسيا، بل يجب أن يكون مجهودًا عالميًا.

ربما، لكن حكومات الشرق الأوسط غير مستعدة لأن تصبح جزءًا من حملات ضد الصين وروسيا. في غضون ذلك، لاحظ خصوم بايدن على يمين الطيف السياسي تناقضًا في المقاربة التي تتّبعها الإدارة تجاه المنطقة، وقد يكونون محقّين في ذلك. حين خدم بايدن في إدارة أوباما، كان الأساس المنطقي مختلفًا، إذ لم يركّز كثيرًا على احتواء النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، بل ركّز على إرساء توازن قوى إقليمي. اعتبرت إدارة أوباما أن هذا الأمر سيتيح لدول المنطقة إدارة شؤونهم بأنفسهم، ما يسمح للولايات المتحدة بتقليص وجودها العسكري.

تمثّل عنصر أساسي من هذه المعادلة في اعتراف واشنطن بأن من حق إيران الانخراط بشكل أكبر في الشؤون الإقليمية. مع أن الإدارة لم تفسّر ما يعنيه هذا الأمر تحديدًا، اعتبر منتقدو إدارة أوباما أن ذلك ينطوي على نقاط ثلاث هي: التعامل مع إيران في ما يتعلّق بالملف النووي لتحسين العلاقات بين الجانبَين؛ والسماح للاتفاق النووي بأن يؤدي إلى رفع العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني وإلى تحقيق الازدهار الاقتصادي؛ والاعتراف ضمنيًا بنفوذ طهران في دول عربية عدة مثل العراق وسورية واليمن ولبنان.

فتحت المقابلة التي أجراها جيفري غولدبرغ من مجلة ذي أتلانتيك مع أوباما في العام 2016 نافذة على تفكير الرئيس الأميركي الأسبق. فبعد أن برّر التحوّل الأميركي بعيدًا عن الشرق الأوسط إلى آسيا، أردف قائلًا: "التنافس القائم بين السعوديين والإيرانيين، والذي ساهم في إذكاء حروب بالوكالة ونشر الفوضى في سورية والعراق واليمن، يتطلّب منا أن نقول لأصدقائنا وللإيرانيين إن عليهم التوصّل إلى طريقة فعالة لتقاسم المنطقة وإرساء نوع من السلام البارد".

يتساءل منتقدو بايدن اليوم كيف سيتمكّن من التوفيق بين تفكير أوباما وبين مواقفه هو حول ضرورة احتواء إيران والصين وروسيا. ألم يكن صحيحًا مثلًا أن إدارة أوباما، عدا عن سعيها إلى إبرام اتفاق نووي مع إيران، منحت روسيا هامش تصرّف كبيرًا في سورية في العام 2013، ما أشار إلى أنها لم تعارض "مشاركة" الشرق الأوسط مع أطراف آخرين؟ ثمة تناقض واضح بين موقف بايدن العلني اليوم وموقف أوباما آنذاك. لكن بالنسبة إلى معارضي بايدن، هذا التناقض هو وهم، ومسعى يرمي إلى إظهار اختلاف مع أوباما، في حين أن ما من اختلاف فعلي إطلاقًا. بالنسبة إليهم، بايدن هو ببساطة نسخة محدّثة من أوباما.

هذا مشكوك فيه، لكن السياسات الفئوية تفسح المجال أمام الاستنتاجات المتسرعة والسطحية. في المقابل، لا يقول المنتقدون الكثير عن دونالد ترامب. لكنه عندما وصل إلى سدة الرئاسة، لم يبذل جهدًا يُذكر لتبديد الارتباك حيال المواقف الأميركية تجاه المنطقة. لقد أشاد مؤيدو ترامب بانسحابه من خطة العمل الشاملة المشتركة، أي الاتفاق النووي مع إيران، والتنازلات التي قدّمها لإسرائيل، بما في ذلك الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وتأييد الضمّ غير القانوني لمرتفعات الجولان. سعى ترامب من خلال هذه الخطوات إلى إظهار أن أميركا ما زالت قادرة على الدفاع عن حلفائها.

لكن المشكلة هي أن جلّ ما أظهره ترامب فعليًا هو ميله إلى التغاضي عن انتهاكات حلفائه، والتقاعس عن اتّخاذ أي خطوة حين يطالهم تهديد فعلي. أبرز مثال على هذا النهج الغريب كان في أيلول/سبتمبر من العام 2019، حين تعرّضت منشأتان نفطيتان كبيرتان في شرق السعودية إلى هجوم. فعلى الرغم من أن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عن الهجوم، سرعان ما خلُصت الولايات المتحدة إلى أن إيران هي من نفّذت العملية. حتى إن ترامب كرّر هذا الاتهام، إنما أضاف قائلًا إنه "يفضّل تجنّب نزاع عسكري"، لأن الإيرانيين، كما أُفيد، أرادوا "إبرام اتفاق".

وإن كان ثمة حدث يفسّر سبب تردّد السعودية في الوثوق بواشنطن، فعلى الأغلب أنه هذا. صحيحٌ أن السعوديين لم يكونوا من محبّي أوباما، لكنهم كانوا متعقّلين بما يكفي للاعتراف، بعد استهداف منشآتهم النفطية، بأن ترامب ليس أفضل منه بكثير، حتى لو تفاخر بحماية ولي عهد محمد بن سلمان بعد مقتل خاشقجي. ففي السابق، كانت الولايات المتحدة تعتبر أمن الإمدادات النفطية السعودية خطًّا أحمر استراتيجيًا، لكن المملكة أدركت أن الوضع لم يعد كذلك عندما لم يُثر هذا الهجوم السافر أي ردّ فعل، ولا سيما في وقت كانت أميركا على وشك أن تصبح مصدّرًا صافيًا للنفط. ومنذ ذلك الحين، فهم السعوديون أنهم أصبحوا بمفردهم، وأن عليهم التأقلم مع هذا الواقع.

يُضاف إلى ذلك أن إدارة بايدن لم تتّخذ أي خطوة تُذكر لطمأنتهم، حتى إن الرئيس الأميركي لم يَزُر المملكة إلا بعد مرور عام ونصف على تولّيه منصبه، وكانت الزيارة فقط بغرض طلب المساعدة من السعودية لزيادة إنتاج النفط. لقد كانت قضية خاشقجي السبب الرئيس وراء هذا التباعد، ودفعت بايدن إلى وصف النظام السعودي بأنه "منبوذ". لكن حين قرّر السعوديون خفض إنتاج النفط في اجتماع منظمة أوبك+ في تشرين الأول/أكتوبر، تدهورت العلاقات مع الولايات المتحدة بشكل أكبر، ما أظهر أن الرياض ستحدّد مصالحها كما تراه مناسبًا، بغض النظر عن موقف واشنطن.

لدى بايدن، خلال السنتَين المتبقيتَين من ولايته، فرصة لبلورة استراتيجية خاصة بمنطقة الشرق الأوسط من شأنها إقناع شركائه الإقليميين أن الولايات المتحدة قادرة على تلبية احتياجاتهم. لكن فيما تضمّ استراتيجية الأمن القومي التي تعتمدها هذه الإدارة مجموعة من الأفكار الجيدة، إلا أن عددًا كبيرًا منها سيسترعي تفكيرًا مطوّلًا من حلفاء واشنطن. فالولايات المتحدة تتعهّد بتقليل اعتمادها على "السياسات الموجّهة عسكريًا"، لكنها تضع لاحقًا أهدافًا تدفع إلى التشكيك في هذا الالتزام، بما فيها مساعدة الدول على الدفاع عن نفسها في وجه أي تهديد خارجي، أو التعبير عن استعدادها "لاستخدام وسائل أخرى" في حال فشلت الدبلوماسية في منع إيران من حيازة سلاح نووي. لكن ما ستراه الدول العربية وإسرائيل في هذه الوثيقة، وفي نهج بايدن بشكل عام، هو انعدام الدقة والمراوغة، ووعود فضفاضة للغاية أو متضاربة بحيث تصعب معرفة شكل السياسات الأميركية التي ستنجم عنها.

على ضوء ما سبق، نتوقّع أن تواصل دول المنطقة شقّ مسارها الخاص بمعزل عن واشنطن. وقد استهلّت تركيا وقطر وعُمان ذلك منذ فترة، وسارت على خطاها كلٌّ من السعودية والإمارات ومصر، في حين أن لدى إسرائيل منذ فترة طويلة أجندتها الخاصة، بغض النظر عن تعاونها الوثيق مع الأميركيين. إذًا، لم يعد السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تفكّ ارتباطها بالشرق الأوسط، بل بات واضحًا على نحو متزايد أن الشرق الأوسط هو الذي يفكّ ارتباطه بالولايات المتحدة.