قام الرئيس التونسي قيس سعيّد بأول زيارة له إلى واشنطن كرئيس بين 13 و15 كانون الأول/ديسمبر لحضور القمة الأميركية الأفريقية. وقد شكّل قراره المشاركة في هذه القمة مفاجأةً نوعًا ما. فمن المعروف أنه يفضّل البقاء في تونس، وكانت الرحلات التي أجراها خلال السنوات الثلاث من حكمه قليلة جدًّا. علاوةً على ذلك، كانت العلاقات بين تونس والولايات المتحدة في حالة جمود، إذ تواصل إدارة بايدن انتقاد استيلاء سعيّد على السلطة في تموز/يوليو من العام 2021.

يُشار إلى أن سعيّد في أمسّ الحاجة إلى الدعم الأمريكي كي تتمكّن تونس من إبرام اتفاق بقيمة 1.9 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي، وهو ما ينتظر في الوقت الراهن موافقة المجلس التنفيذي، ومن توفير التمويل الأجنبي اللازم لمساعدتها على تجاوز الظروف الاقتصادية المتدهورة باطّراد. لذا، بدا إلى حدٍّ كبير أن زيارة سعيّد ترمي إلى دفع واشنطن إلى مراجعة سرديتها تجاه تونس. والجدير بالذكر أن صندوق النقد قد توصّل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع تونس في تشرين الأول/أكتوبر، وكان من المقرّر التصويت عليه في كانون الأول/ديسمبر، لكن حُذف التصويت من جدول أعمال الصندوق.

يواجه سعيّد معارضة داخلية قوية إذ إن الاتحاد العام للشغل، وهو الممثل الأساسي للعمّال في تونس، يرفض شروط صندوق النقد. كذلك، فشلت حكومته في تمرير مشروع قانون المالية للعام 2023، والذي لا بدّ من أن يتناول بعض شروط صندوق النقد على الأقل، على غرار إصلاح فاتورة رواتب القطاع العام ونظام الدعم، وخصخصة بعض الشركات المملوكة للدولة. لكن إن ظنّ سعيّد أن زيارته إلى واشنطن ستساعد على تحسين صورته في نظر الغرب، فقد كان على خطأ.

لم يقتصر جدول أعمال سعيّد خلال الزيارة على المشاركة في القمة مع القادة الأفارقة، بل كان أيضًا من بين حوالى اثني عشر قائدًا عقدوا اجتماعًا ثنائيًا مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن. وأجرى سعيّد كذلك لقاءً مع هيئة تحرير صحيفة واشنطن بوست. حاضر سعيّد، خلال لقائه مع بلينكن، المسؤولين الأميركيين عن تاريخ تونس والدستور الأميركي، وتحدّث بشكل غير متناسق عن أسباب تنفيذه انقلابه الناجح العام الفائت. وشكّلت هذه الرسالة تناقضًا صارخًا مع رسالة الولايات المتحدة، التي ركّزت على "الالتزام الشديد بالديمقراطية في تونس ودعم تطلّعات الشعب التونسي من أجل إرساء مستقبل ديمقراطي وزاهر".

بلغت السذاجة لدى سعيّد حدّ توقّع أن يستقبله المسؤولون الأميركيون بأذرع مفتوحة. على العكس، أتاح الوضع في تونس فرصة سهلة أمام المسؤولين الأميركيين لاستعراض عضلاتهم في مجال تعزيز الديمقراطية، خلال قمّة ضمّت عددًا من القادة الذين يواجهون تحديات مرتبطة بالديمقراطية. لم يكن بلينكن، خلال اجتماعه مع سعيّد، محاطًا بمساعِدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف وحسب، بل أيضًا بوكيلة وزارة الخارجية لشؤون الأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان عزرا زيا ونائب مساعد وزير الخارجية للديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل كريستوفر لي مون، اللذَين زارا تونس بعد الانقلاب للتأكيد على التزام الولايات المتحدة بإعادة تونس إلى المسار الديمقراطي. وشكّل ذلك رسالة قوية إلى تونس مفادها أن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان هي في صُلب العلاقة بين الولايات المتحدة وتونس، على الرغم من ادّعاء سعيّد بخلاف ذلك.

كان الهدف من رحلة سعيّد جزئيًا التصدّي لما يصفه بـ"الأخبار الزائفة" الصادرة عن وسائل الإعلام الغربية حول إجراءاته القمعية السلطوية. في الاجتماع الذي جمع سعيّد بطاقم صحيفة واشنطن بوست، ألقى باللائمة في مشاكل البلاد على "قوى أجنبية" مجهولة و"أعداء الديمقراطية في تونس". وبدلًا من الاعتراف بفشله في معالجة الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات المتزايدة ضدّ إجراءاته في البلاد، زاد سعيّد من الإشارة بشكل مبهم إلى خصومه الذين يحاولون تقويض الدولة.

لطالما دعمت الولايات المتحدة الشعب والحكومة في تونس من أجل بناء مستقبل ديمقراطي ومواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية. لكن بعد هذا الأداء، عاد سعيّد إلى بلاده خالي الوفاض، وجلّ ما فعله هو الإثبات لمحاوريه الأميركيين أن أفعاله لا توجّهها سوى الأوهام ونظرية المؤامرة. لقد عجز عن إشراك نظرائه الأميركيين في حوار حول كيفية المضي قدمًا على مسار من شأنه أن يصون حريات الشعب التونسي ويعالج الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. ونتيجةً لذلك، يُرجَّح أن تواصل الولايات المتحدة توجيه إدانات علنية لسلوك سعيّد المناهض للديمقراطية والضغط من أجل خفض حجم المساعدات الأميركية المقدّمة للحكومة التونسية.

أدلى التونسيون بأصواتهم يوم 17 كانون الأول/ديسمبر لانتخاب أعضاء في البرلمان بدل أولئك الذين أقالهم سعيّد بصورة غير دستورية في أعقاب انقلابه. ويمثّل ذلك، بالنسبة إلى سعيّد، خطوة إضافية على طريق إعادة صياغة النظام السياسي التونسي، وإعادة العلاقات الأميركية التونسية إلى المربّع الأول. لكن بعد زيارته إلى واشنطن، من المستبعد أن تتخلّى إدارة بايدن عن الجهود التي تبذلها لمساعدة الشعب التونسي على إعادة بلاده إلى المسار الديمقراطي الذي بدأ قبل اثني عشر عامًا.