آرون ديفيد ميلر باحث أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومفاوض ومستشار سابق حول شؤون الشرق الأوسط لوزراء خارجية أميركيين من الجمهوريين والديموقراطيين، إذ ساعد في صياغة السياسة الأميركية حول الشرق الأوسط والسلام العربي الإسرائيلي. أجرت "ديوان" مقابلة معه في مطلع شهر كانون الثاني/يناير للاطّلاع على وجهة نظره بشأن الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو، والتي تتضمّن عددًا من الوزراء المتطرّفين.

مايكل يونغ: في 3 كانون الثاني/يناير، زار الوزير الإسرائيلي للأمن القومي إيتمار بن غفير مجمّع المسجد الأقصى، في خطوة وصفها الفلسطينيون، إضافةً إلى السعودية والإمارات، بالاستفزازية. إلى أين قد تؤدّي برأيك خطوات مماثلة من جانب الوزراء الإسرائيليين المتطرّفين؟

آرون ديفيد ميلر: لقد جال سياسيون ووزراء إسرائيليون سابقًا في مجمّع الحرم الشريف في إطار زيارات نُظِّمت بعناية. لكن هذه الزيارة أتت تجسيدًا لواقع مختلف. فهي ليست حادثة واحدة منفصلة، بل تشكّل مؤشّرًا على أن بن غفير يعتزم، بصفته وزير الأمن القومي الجديد، على تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، الآخذ في التبدّل منذ سنوات عدة، وعلى مأسسة صلاة اليهود وتواجدهم هناك بشكل دائم. في الواقع، وعلى الرغم من إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التزامه بالحفاظ على الوضع القائم في مجمّع الحرم الشريف، فإن موقف الحكومة الجديدة هو أن للشعب اليهودي حقًا حصريًا وغير قابل للتصرّف في جميع أنحاء أرض إسرائيل، بما في ذلك القدس. من غير الواضح بعد في هذه المرحلة مدى قدرة نتنياهو على الحفاظ على التزامه. فقد التزم الصمت حول موضوع الزيارة خلال جلسة الحكومة التي أعقبتها. وإذا استمر بن غفير في مساعيه من دون رادع، فهو قادر على إشعال ألف حريق وحريق في القدس والضفة الغربية ومحيطها.

يونغ: ما مدى التأثير الردعي الذي تمارسه دول عربية مثل السعودية والإمارات على خطوات الحكومة الإسرائيلية الحالية؟ وهل تعتقد أن السعوديين مستعدون لإقامة علاقات دبلوماسية مع هكذا حكومة؟

ميلر: يعتبر نتنياهو نفسه مهندس الاتفاقات الإبراهيمية وسيبذل قصارى جهده للحفاظ عليها. والسبب في ذلك جزئيًا هو أنها تُثبت رؤيته بأن إسرائيل يمكنها تحقيق السلام مع الدول العربية من دون الفلسطينيين. وستعتمد ردة فعل الدول العربية بمعظمها على مدى تطرّف سياسات الحكومة الجديدة حيال الفلسطينيين، وحيال القدس تحديدًا، وما إذا باستطاعة نتنياهو أو غيره السيطرة على وزرائه. فهو يطمح بشدّة لأن يكون أول رئيس وزراء إسرائيلي يعقد لقاءً علنيًا مع عاهل أو ولي عهد سعودي. لكنه يدرك أيضًا أن مسار التطبيع مع السعودية سيعتمد على تحسّن العلاقات الأميركية السعودية بشكل ملحوظ، وقد يتطلّب الانتظار ريثما يعتلي ولي العهد محمد بن سلمان العرش. الخلاصة إذًا أن العرب لا يتمتعون بالتأثير الحقيقي على نتنياهو، بقدر وزراء اليمين المتطرّف في حكومته الذين يملكون مفاتيح تأجيل أو إبطال محاكمته على خلفية تهم الفساد الموجّهة له.

يونغ: اعتبر مراقبون كثر أن الحكومة الإسرائيلية الراهنة تمثّل نقطة تحوّل بالنسبة إلى إسرائيل، إذ سيطر المتطرّفون فعليًا على مقاليد السلطة الأساسية. هل توافقهم الرأي، وماذا يعني ذلك بوجهٍ خاص للتعايش العربي اليهودي داخل حدود إسرائيل للعام 1948؟

ديفيد ميلر: كانت لإسرائيل حكومات يمينية سابقًا، ولكن لم تكن أيٌّ منها متطرّفة إلى هذه الدرجة وتولّى قيادتها رئيس وزراء مدين بهذا القدر للمتطرّفين. ليس تصرّفًا حكيمًا إطلاق التكهّنات في هذه المرحلة المبكرة من ولاية الحكومة واستخلاص استنتاجات جازمة وسريعة بشأن ما إذا كانت هذه الحكومة هي أشبه بعنوان رئيس أو نزعة عابرة. في العام 1998، كان لحزب الليكود ائتلاف من 65 مقعدًا، ولكن في غضون أربع سنوات، أصبح السياسي المنتمي إلى حزب العمل، إسحاق رابين، رئيسًا للوزراء. من الواضح أن مرحلة التسعينيات قد ولّت، وأن إسرائيل تسلك مسارًا يمينيًا منذ عقود. ولكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن شريحة واسعة من الناخبين ليست راضية عن الائتلاف الراهن، مثلما لم تكن راضية عن حكومات بينيت-لابيد. لعل التوقّع الأكثر تفاؤلًا الذي يمكن التطلّع إليه هو أن يؤدّي أي تصحيح للمسار إلى ظهور حكومة يمينية أو منتمية إلى يمين الوسط من جديد في إسرائيل من دون وجود المتشدّدين فيها.

أما في ما يخصّ العلاقات بين المواطنين العرب واليهود في إسرائيل، فهو أمر استثنائي حقًا أن ينضم حزبٌ عربي، هو القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، رسميًا إلى الحكومة الإسرائيلية في أعقاب أحداث أيار/مايو 2021 التي كانت من أسوأ أعمال العنف الطائفي التي شهدتها إسرائيل منذ تأسيسها. وفي الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، عمدت الأحزاب المتشدّدة إلى شيطنة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من أجل الحصول على مزيدٍ من الأصوات. والحال هو أن احتمالات اشتداد التشنّج والعنف بين اليهود الإسرائيليين والمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ازدادت إلى حدٍّ كبير، ولا سيما في المدن المختلطة.

يونغ: إذا سقط حل الدولتين، وإذا كانت إسرائيل تعتبر حل الدولة الواحدة تهديدًا وجوديًا لطبيعة الدولة اليهودية، فهل نتّجه نحو طرد جماعي للسكّان العرب المقيمين بين نهر الأردن والبحر المتوسط؟ بعبارة أخرى، إذا كان كلٌّ من الانفصال والاندماج مستحيلَين على حدٍّ سواء، فما هي البدائل المتبقّية لإسرائيل في ما يتعلق بالعرب الخاضعين لسيطرتها؟

ديفيد ميلر: ما يمكننا قوله هو أن حل الدولتَين يسلك طريقه نحو الاضمحلال على ما يبدو، وأن حل الدولة الواحدة، حيث يعيش الجميع بسعادة إلى الأبد، هو وهم. حاليًا، غزة شبه مستقلة وتسيطر عليها حركة حماس؛ والسلطة الفلسطينية التي تعتمد على إسرائيل مسؤولة جزئيًا عن 40 في المئة من الضفة الغربية، فيما تحتل إسرائيل نسبة 60 في المئة المتبقية. ينطبع هذا الواقع بفترات من الاستيعاب والمواجهة بين الأفرقاء المعنيين وفي صفوفهم. وغالب الظن أن الحكومة الجديدة ستبذل قصارى جهدها لربط الـ60 في المئة من الضفة الغربية والقدس بإسرائيل بأي طريقة كانت.

أبعد من ذلك ومن احتمال حدوث مزيدٍ من المواجهة والعنف، يستحيل التنبّؤ بما يحمله المستقبل. ولا حتى العرّافة الشهيرة في معبد دلفي، ولو تمعّنت في أفضل أحشاء الأضاحي من الماعز، يمكنها الإجابة عن هذا السؤال