المحتويات

أثار إصدار الحكومة المصرية مسودّة وثيقة سياسة ملكية الدولة في حزيران/يونيو 2022 سؤالًا فوريًّا: هل سيشمل هذا الإطار الجديد الشركات العسكرية ودور المؤسسة العسكرية في الاقتصاد عمومًا؟ لم تأتِ المسودّة على ذكر أيٍّ من دلك، ما يطرح سؤالًا أوسع نطاقًا حول مدى اتّساق هذه الوثيقة طالما أنها لا تتطرّق إلى تدخّل المؤسسة العسكرية المستمر في الاقتصاد، إذ من شأن ذلك أن يقوّض بشكل مباشر تماسك الأهداف المُعلنة للحكومة في عدد كبير من القطاعات الاقتصادية، وبالتالي جدوى هذه الأهداف. بدا أن مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية الرسمية التي سلّمتها الحكومة المصرية إلى صندوق النقد الدولي في 30 تشرين الثاني/نوفمبر في إطار الاتفاق بشأن حصولها على قرض جديد قد حلّت هاتَين المسألتَين من خلال إخضاع جميع الشركات العسكرية مباشرةً إلى إطار تنظيمي وإداري واحد على غرار باقي القطاع العام (المدني). وجرى أيضًا تعديل وثيقة سياسة ملكية الدولة في صيغتها النهائية لتتماشى مع ذلك من خلال إضافة جملة تُدرج "الشركات التابعة للقوات المسلحة التي تعمل في المجال الاقتصادي" تحت سقفها.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، تركّز أبحاثه على الأدوار السياسية والاقتصادية المقارَنة للقوات المسلحة العربية، والتداعيات التي تخلّفها الحرب على الدول والمجتمعات، والجوانب السياسية لعملية إعادة البناء وتحوّل قطاع الأمن وفي المراحل الانتقالية التي تشهدها الدول العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج الأنظمة السلطوية.
More >

تُعدّ مفاعيل مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية ضخمة بالفعل. باختصار، أشارت الحكومة إلى أنها ستفرض سيطرة مباشرة على الشركات العسكرية. لكن هذا الأمر يمثّل مشكلة في حدّ ذاته، ولا سيما في ظل غياب القدرة أو الإرادة السياسية اللازمة لتطبيق هذا البند. واقع الحال أن المؤسسة العسكرية قد وسّعت أنشطتها في قطاعات كانت تشملها المسودة الأولى لوثيقة سياسة ملكية الدولة، ناهيك عن أن بعضًا من أبرز الهيئات العسكرية الناشطة اقتصاديًا ليست شركات إطلاقًا. وعلى الرغم من أن المذكرة صادقت على سياسة ملكية الدولة باعتبارها "المقياس الهيكلي" للإنجاز (كما فعل برنامج قرض صندوق النقد الدولي)، لم تُبذل أي محاولة لتكييف الأولويات القطاعية والآليات الواردة في الوثيقة، من أجل حلّ التناقضات بين هذا الالتزام الجديد من جهة، وواقع استمرار تدخّل المؤسسة العسكرية في الاقتصاد من جهة أخرى.

لا يبعث هذا التقلّب الكبير في غضون أشهر قليلة على الثقة. ومن غير الواضح مدى التزام الحكومة، طالما أنها لم تشرح كيف تعتزم إخضاع المؤسسة العسكرية البالغة القوة لأحكام سياسة ملكية الدولة. ونظرًا إلى ضعف الحكومة أيضًا في وجه الأجندة الاقتصادية لرئيس قوي، هل هي تتصرّف الآن بجرأة أم أنها تراوغ ليس إلا؟ في الحالتَين، يخلّف إطارها السياساتي فجوة يصعب تجسيرها بين هدفها المُعلن الرامي إلى "تسوية الملعب" الاقتصادي مع القطاع الخاص من جهة، والواقع المتمثّل في الدور الاقتصادي الذي تضطلع به المؤسسة العسكرية وأنشطتها التجارية من جهة أخرى.

التأثيرات على المؤسسة العسكرية

في اعتبارها وثيقة سياسة ملكية الدولة مقياسًا للإصلاحات الهيكلية، تسلّط مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية الضوء على ثغرات كبيرة تتيح للدولة المصرية، وبالتالي المؤسسة العسكرية، الاحتفاظ بحصص كبيرة في القطاعات الاقتصادية. لكن الملكية ليست سوى جزء واحد من المعادلة. فمن شأن إخضاع المؤسسة العسكرية إلى الإطار التنظيمي والإشرافي الشامل الذي جرى تحديده في مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية أن يسهم في سدّ بعض الثغرات المهمة التي خلّفتها سياسة ملكية الدولة. وتحديدًا، نصّت المذكرة أن على الشركات المملوكة للدولة، بما فيها الشركات العسكرية، (1) تسليم حساباتها المالية كل ستة أشهر والتصريح عن "أي أنشطة شبه مالية تمارسها" (مع إصدار البيانات علنًا)، و(2) اعتماد عقود توظيف للمدراء تستند إلى الأداء قياسًا بالأهداف العملاتية والمالية، و(3) الخضوع إلى المزيد من الإشراف المركزي في كل قطاع وإلى الممارسات المعزّزة المانعة للمنافسة، و(4) إجراء المشتريات العامة بطرقٍ تنافسية وشفافية تمامًا، و(5) إلغاء كافة الإعفاءات الضريبية الراهنة لهذه الشركات.

في الحدّ الأدنى، قد يفضي تطبيق هذه الأحكام بحسن نية إلى لجم الانتهاكات الصارخة والتلاعب بأسعار السوق في جميع القطاعات والأنشطة الاقتصادية، بما فيها تلك التي ستتخارج الدولة منها بصورة جزئية فحسب، أو تلك التي لن تتخارج منها على الإطلاق. لكن حتى لو نُفِّذت سياسة ملكية الدولة بالتوازي مع مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية، ستظل المؤسسة العسكرية تتمتّع بهامش كبير من الحرية يتيح لها مواصلة مسارها الراهن. أولًا، تُميّز الوثيقتان بشكل حاسم بين القطاعات "الاستراتيجية" و"غير الاستراتيجية" من أجل تبرير الإبقاء على استثمارات الدولة، وبالتالي المؤسسة العسكرية، في عددٍ من القطاعات والأنشطة الاقتصادية، إلى حدٍّ كبير، لا بل زيادتها في الكثير من الحالات. من الواضح أن تعريف القطاعات "الاستراتيجية" واسعٌ وفضفاضٌ، إذ يتراوح من تلك التي تلبّي حاجات المواطنين اليومية (مثل الغذاء، والتعليم، والرعاية الصحية، والطاقة)، مرورًا بتوفير السكن اللائق لذوي الدخل المحدود ومشاريع البنية التحتية العامة، وصولًا إلى تلك التي تنطوي على نقل التكنولوجيا الصناعية، ومجالات متنوّعة من التصنيع التحويلي، والإعلام، والمُدخلات الكيماوية الزراعي، واستصلاح الأراضي.

ومن المُلفت أنه في الوقت الذي تسعى الدولة إلى خفض حصصها في القطاعات غير الاستراتيجية، قد ينمو دور المؤسسة العسكرية كرأس الحربة في إدارة استثمارات الدولة في القطاعات الاستراتيجية، مقارنةً مع الهيئات العامة الأخرى. ويشكّل ذلك مصدرًا كبيرًا للقلق، إذ إن المؤسسة العسكرية هي أساسًا حاضرة أو في المقدّمة في مجالات عدة، مثل إنشاء وإمداد ودعم البنية التحتية للنقل البري والبحري، والمستشفيات، ومراكز الرعاية الأولية؛ وفي مجالات الاتصالات والإنتاج والتوزيع الإعلامي؛ والصناعات الهندسية (المعدات والآلات، وأشباه الموصلات، وبناء السفن والقوارب، والطاقة المتجدّدة)؛ والصناعات المعدنية؛ والطباعة والإعلانات؛ والمستلزمات الدوائية والطبية؛ والأسمدة.

ثانيًا، تُعدّ المؤسسة العسكرية منخرطة في قطاعات مهمة لم تذكرها تحديدًا سياسة ملكية الدولة، ومن ضمنها صناعات الإسمنت (حيث ارتفعت حصة المؤسسة من إجمالي القدرة الإنتاجية من الصفر تقريبًا في العام 2011 إلى حوالى 25 في المئة بحلول العام 2019)، والسيارات، والكيماويات الوسيطة. وكان من المُلفت كذلك إغفال قطاع السياحة. ففي كانون الأول/ديسمبر من العام 2022، حصلت وزارة الإنتاج الحربي على حق الانتفاع من إدارة حديقة الحيوان وحدائق عامة مجاورة في القاهرة لمدة خمسة وعشرين عامًا. وفي شباط/فبراير من العام 2023، استحوذت الشركة الوطنية للفنادق والخدمات السياحية "توليب" المملوكة للمؤسسة العسكرية على فندق "ستيلا" في شرم الشيخ. وسبق أن مُنحت القوات المسلحة سيطرة حصرية على مناطق مدرّة للربح على ساحل البحر الأحمر، وخُصّصت 47 جزيرة لصالحها كأراضٍ استراتيجية ذات أهمية عسكرية في العام 2019.

ثمة إغفال صارخ آخر يتمثّل في الأنشطة العقارية، التي كانت مذكورة في المسودّة الأولى لوثيقة سياسة ملكية الدولة، لكنها حُذفت في النسخة النهائية منها. تمتلك وزارة الدفاع 51 في المئة من الشركة التي تتولّى أعمال بناء العاصمة الإدارية الجديدة، التي تراوحت أصولها بين 3 و4 تريليونات جنيه (أي ما بين 191 مليار دولار و255 مليار دولار) بحلول آب/أغسطس 2021 وفقًا للسيسي، وحققت مكاسب وصلت إلى 2 تريليون جنيه (حوالى 102 مليار دولار) بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2022. علاوةً على ذلك، تدير المؤسسة العسكرية حوالى 22 مدينة (من أصل ثلاثين مدينة مُزمع بناؤها) باستثمارات وصل مجموعها إلى 700 مليار جنيه في جميع أنحاء البلاد بحلول مطلع العام 2021، وفق ما صرّح به رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي. وفي سياق توغّل المؤسسة العسكرية الإضافي في المجال الاقتصادي، حصل جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة على حق استغلال معظم الأراضي المطلة على نهر النيل في القاهرة الكبرى والأراضي الرطبة المحيطة به، إضافةً إلى  36جزيرة نهرية في مواقع حضرية رئيسة على طول النيل، وأكبر حدائق محافظة الإسكندرية خلال العام 2022.

الثغرات

نظريًا، يمكن إخضاع ما يُسمّى بالقطاعات الاستراتيجية للأطر التنظيمية وأطر الحوكمة نفسها كما القطاعات غير الاستراتيجية، بغضّ النظر عما إذا كانت الملكية للقطاع العام أو القطاع الخاص. لكن مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية مبهمة في هذه النقطة. فهي تَعِد باتّخاذ "إجراءات محدّدة لضمان الحياد التنافسي تماشيًا مع المجالات الثمانية ذات الأولوية التي حدّدتها [منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية] (2012)، وهي: الصيغة العملاتية للأعمال الحكومية، وتحديد التكلفة، ومقتضيات معدّل العائد، وتعهّدات الخدمات العامة، والحياد الضريبي، والحياد في المدينونات، والحياد التنظيمي، والحياد في إجراءات المشتريات العامة". ولكن المذكرة تورد تطبيق هذه الإجراءات تحديدًا في القطاعات غير الاستراتيجية. وينسحب ذلك أيضًا على إطار الرقابة والتقييم المنصوص عليه في المذكرة، والذي يستوجب إصدار تقارير سنوية تشمل تقييم عمليات التجريد (أي البيع والتصفية)، والإفصاح عن الأصول وعن الأفرقاء المعنيين، وشرح كيفية استخدام إيرادات عمليات التجريد.

يسلّط ما تقدّم الضوء على الثغرات القانونية والتنظيمية التي ستعرقل تطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة ومذكرة السياسات الاقتصادية والمالية على المؤسسة العسكرية. على سبيل المثال، لا يوجد ما يدلّ على أن الأنشطة الاقتصادية للشركات والهيئات العسكرية في المجال المدني ستخضع لنظام تنفيذ العقود والتحكيم الذي يُطبَّق على شركائها المدنيين، والمتعاقدين المدنيين معها من الباطن، والمستثمرين المدنيين – ما يشكّل عائقًا كبيرًا أمام محاولات السيسي المتكررة لطرح أسهم الشركات العسكرية من خلال البورصة المصرية أو صندوق مصر السيادي. وتتمثّل ثغرة قانونية أخرى في أن نسبة الشركات العسكرية المسجّلة كشركات في القطاع العام أو في قطاع الأعمال العام (تُصنَّف الشركات في إحدى هاتين الخانتَين وفقًا للقانون الذي أُنشئت بموجبه والوزارة التي تتبع لها)، لا تتعدّى النصف تقريبًا من أصل حوالى 75 شركة عسكرية تعمل في مجال إنتاج السلع والخدمات المدنية: النصف الآخر من الشركات تابع لوزارة الدفاع، لذا قد لا يخضع للقيود والمقتضيات الواردة في سياسة ملكية الدولة ومذكرة السياسات الاقتصادية والمالية.

والأهم أن الإطار السياساتي الجديد الذي تطرحه وثيقة سياسة ملكية الدولة ومذكرة السياسات الاقتصادية والمالية لا ينطبق على الهيئات العسكرية التي تتولّى الأشغال العامة الضخمة المموّلة من الحكومة، مع العلم بأنها غير مسجلة كشركات. ومن أهمها الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة، تليها إدارات الأشغال والمشروعات الكبرى والمياه والمساحة. والجدير بالذكر أن هذه الهيئات العسكرية مجتمعةً قد أدارت حوالى ربع مشروعات البنية التحتية والإسكان بين العامَين 2013 و2018، ويبدو أن هذه النسبة بقيت مستقرة منذ ذلك الحين، إن لم تكن قد ارتفعت.1  حتى سلاح الجو ناشط اقتصاديًا: إذ يُشرف على مشروع الدلتا الجديدة (المعروف أيضًا بمشروع "مستقبل مصر")، حيث تبلغ المساحة المستهدف استصلاحها 2.2 مليون فدان (أي حوالى 2.28 مليون هكتار) من الأراضي الصحراوية، وينجز مباشرةً نصف المشروع بتكلفة ناهزت 260 مليار جنيه (حوالى 19.1 مليار دولار، استنادًا إلى تكلفة الفدان الواحد التي حدّدها السيسي في نيسان/أبريل 2021).

وفي مجال السياسات العامة، من المستبعد أن تضع وثيقة سياسة ملكية الدولة ومذكرة السياسات الاقتصادية والمالية حدًّا لانخراط المؤسسة العسكرية المتنامي في وضع السياسات الخاصة بقطاعات رئيسة، على غرار تكنولوجيات الثورة الصناعية الرابعة والتنمية الصناعية، وفي توجيه المشتريات الحكومية في مجالات مثل الواردات الصناعية والطبية. علاوةً على ذلك، تتمتّع المؤسسة العسكرية بالسيطرة القانونية والفعلية على المفاصل البيروقراطية المهمة من أجل تحقيق المكاسب المالية، ما أسفر بالتالي عن تقييد عمل النشاط الاقتصادي المدني. فعلى سبيل المثال، يتحكّم المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، الخاضع عُرفًا لمدير عسكري، جنبًا إلى جنب مع وزارة الدفاع، باستخدام ما يصل إلى 94 في المئة من مساحة الأراضي المصرية. وحتى في الحالات التي لا تؤدي فيها القوات المسلحة دورًا رسميًا في وضع السياسات العامة، فإن مشروعاتها تؤثر بشكل كبير على كيفية تعامل الحكومة مع قضايا الدين الخارجي، والاستثمارات الأجنبية والمحلية، والمدّخرات.

علاوةً على ذلك، تحافظ الاستخبارات العسكرية المصرية ومديرية المخابرات العامة (التي يعمل فيها عدد كبير من العسكريين، وتتبع للرئيس) على شركات "واجهة"، فيما تنخرط "جمهورية الضباط" التي تضمّ آلاف المتقاعدين العسكريين العاملين في الجهاز البيروقراطي المدني، في المتاجرة الداخلية والممارسات الافتراسية، وفي أحيان كثيرة بالاشتراك مع نظرائهم في الخدمة الفعلية. فعلى سبيل المثال، كشف تقرير صدر في كانون الأول/ديسمبر 2022 عن تحقيق المتقاعدين العسكريين ومديرية المخابرات العامة أرباحًا طائلة من تسلّم إدارة مشروع المتحف المصري الكبير، مع العلم بأن المشروع لم يكتمل بعد على الرغم من تلقيه تمويلًا بقيمة 800 مليون دولار من هيئة التعاون الدولي اليابانية (جايكا) منذ العام 2006.

تعزيز القبضة العسكرية

بغضّ النظر عن الميزات التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية في القطاعات الاستراتيجية، يتعيّن عليها في المبدأ تخفيض حصصها أو القيام بالتجريد (أي بيع حصصها أو تصفيتها)، تماشيًا مع خطط الدولة الرامية إلى التخارج من القطاعات غير الاستراتيجية، سواء بشكل كلّي أو جزئي. لكن ما من مؤشرات على أن ذلك سيحدث فعلًا، إذ لم يظهر حتى الآن تخفيضٌ لحضور المؤسسة العسكرية في القطاعات التي تَقَرَّر تخارج الدولة الكامل منها (ومن بينها قطاعات استيراد المواشي، والألبان ومشتقاتها، والتعدين واستغلال المحاجر، وتجارة الجملة، والمرافق الرياضية، والطاقة المتجدّدة، والصناعات المعدنية، والصناعات الكيماوية) أو من تلك التي تَقَرَّر تخارج الدولة الجزئي منها (ومن ضمنها أنشطة الاستزراع السمكي، والزراعة، وتجارة التجزئة، ودباغة الجلود، وصناعة الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، والصناعات الغذائية والمشروبات، وإعادة تدوير المخلّفات). وبالفعل، يكفي مجرّد إلقاء نظرة سريعة لملاحظة حجم الاستثمارات الجديدة الكبرى في قطاعات تربية المواشي، وتحويل مخلّفات صناعة الجلود، والزراعة والإنتاج الزراعي، واستيراد الدواجن المجمّدة، وإنتاج الذهب بحلول شهر نيسان/أبريل 2023.

لا تزال المؤسسة العسكرية متمسّكة بنشاطها الاقتصادي، على الرغم من الإخفاقات المتكرّرة. فقد عطّل مصنع عسكري ضخم للإسمنت أُنشئ في العام 2018 بتكلفة 1.2 مليار دولار – وهو المصنع الثاني في قطاع مُتخَم أساسًا – الأسواق المدنية منذ بدء تشغيله، علمًا أنه يعمل بأقل بكثير من طاقته الإنتاجية الكاملة. ومن الأمثلة الأخرى مجمّعات تربية الماشية التي تم افتتاحها في العام 2019 بتكلفة بلغت 20 مليار جنيه (حوالى 1.25 مليار دولار)، والتي إما أُغلقت لاحقًا أو لا تزال تعمل لكن بطاقة إنتاجية أقل بكثير، مُتكبّدةً خسائر فادحة. كذلك، استثمرت المؤسسة العسكرية في مشروع طموح للأحياء المائية، سعت في إطاره إلى إنشاء مزارع سمكية بتكلفة أقل من تكلفة السوق ثم بيعها مقابل ربح؛ لكن، بدلًا من ذلك، تجاوزت تكاليف هذا المشروع التكاليف المقرّرة، ويُعزى ذلك جزئيًا على الأقل إلى الفساد المستشري داخل الدهاليز المغلقة للتعاملات التجارية والإدارة المالية العسكرية، ما أسفر عن خسائر تحمّلت أعباءها في نهاية المطاف الخزينة العامة للدولة. قد تستمر المؤسسة العسكرية في مقاومة المقتضيات المالية والإدارية التي تنصّ عليها مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية، وذلك لحجب مثل هذه المشاكل والإخفاقات.

لم يردع هذا القصور الشركات والهيئات العسكرية عن إطلاق مشروعات جديدة منذ إصدار المسودّة الأولى من وثيقة سياسة ملكية الدولة. وقد أُعلن عن بعضٍ منها قبل العام 2022، وشملت إنشاء مصانع وخطوط إنتاج لصناعة الأسمدة العضوية، ودباغة الجلود والمواد الكيماوية المستخدمة في الصباغة، والمواد الغذائية، والجيلاتين الصناعي؛ وتركيب أبراج الإرسال والاتصالات؛ وافتتاح مجمّع ضخم لإنتاج الأسمدة الفوسفاتية والأزوتية. لكن المشروعات الأحدث عهدًا شملت إنشاء مصانع وخطوط إنتاج لتصنيع الضمادات الطبية، واللقاحات والأدوية البيطرية، وإطارات المركبات، والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، وأنظمة إضاءة بتكنولوجيا الصمام الثنائي الباعث للضوء (LED)، وألواح الطاقة الشمسية، والصوب الزراعية، والألمنيوم، وعبوات المنتجات الغذائية، وبوادئ الاشتعال في محطات توليد الطاقة الكهربائية، واستخراج المعادن الثقيلة من الرمال السوداء. كذلك، أطلقت الهيئات العسكرية خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وأنشأت ما يُعدّ أكبر مجمّع صناعي لإنتاج البولي-إيثيلين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

مؤسسة عسكرية محصّنة؟

لو تم فعلاً، سيؤثّر التطبيق الكامل لالتزامات الحكومة الواردة في وثيقة سياسة ملكية الدولة تأثيرًا كبيرًا على الشركات العسكرية والهيئات العسكرية الناشطة اقتصاديًا في القطاعات كافة. ومن شأن العمل على تسوية الملعب الاقتصادي في الأسواق المدنية بين القطاعَين الخاص والعام، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، أن يؤدي دورًا مهمًا وأن يسهم إلى حدٍّ بعيد في تحقيق أحد أهداف صندوق النقد الدولي الأساسية. تصف اقتراحات متداولة في المجال العام كيف يمكن للسلطات المصرية العمل مع المؤسسة العسكرية، على إعادة هيكلة أو تجريد شركاتها في المجال المدني وأنشطتها في مجال الإدارة والمشتريات العامة، وكيف يمكن لصندوق النقد الدولي المساعدة في هذه العملية.

ولكن لا توجد أدلة على أن المؤسسة العسكرية تعتزم إبطاء وتيرة مسارها التوسّعي، ناهيك عن الرجوع عنه. ولا سبب يدعو للاعتقاد أن الرئيس أو الحكومة سيُخضعان المؤسسة العسكرية للمساءلة استنادًا إلى الأحكام المنصوص عليها في سياسة ملكية الدولة أو مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية، إلا حيثما تصبّ هذه الأحكام في مصلحة المؤسسة العسكرية. أما المؤسسة العسكرية، فقد تحتجّ من جهتها بأن أنشطتها الاقتصادية والتجارية المتواصلة تتوافق مع "المبادئ التوجيهية بشأن حوكمة الشركات المملوكة للدولة"، وهي نقاط مرجعية أصدرتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وتسترشد بها سياسة ملكية الدولة كما ورد في وثيقتها. ولكن هذه الحجّة ستسقط إذا تم تجاهل جميع النقاط المرجعية الأخرى التي وضعتها المنظمة. وهكذا، تبدو الالتزامات الحكومية حول مستقبل الشركات العسكرية مجرّد شكليات.

بغضّ النظر عن كيفية تفسير وثيقة سياسة ملكية الدولة ومذكرة السياسات الاقتصادية والمالية، قد تؤدّي الأزمة المالية والاقتصادية في مصر فعليًا إلى تسريع المسار الاقتصادي التوسّعي للمؤسسة العسكرية، من خلال تعزيز الحجج الداعمة لتدخّل الدولة، من جملة أمور أخرى. والحال أن الأزمة، من خلال مفاقمتها مأزق الشركات في القطاعَين العام والخاص على السواء، قد تعزّز موقع المؤسسة العسكرية نسبيًا، فيما تواجه البلاد نقصًا حادًّا في العملات الصعبة والمدّخرات. ولكن إذا فسّرت الحكومة المصرية سياسة ملكية الدولة بأنها تُعفي المؤسسة العسكرية من التخارج من القطاعات الاقتصادية التي تُعتبَر "مُتخَمة"، فسوف يحول ذلك دون توظيف استثمارات خاصة في هذه القطاعات. والأسوأ أن ذلك سيؤدّي إلى استمرار التفكّك المسبِّب للخلل، ويُبقي على الدينامية المنخفضة، ليس فقط في الاقتصاد ككل، إنما أيضًا داخل هذه القطاعات، مثلما حدث فعليًا في قطاعَي الإسمنت والصلب في مصر.

في الحدّ الأدنى، من شأن اعتماد مذكرة السياسات الاقتصادية والمالية إطارًا أساسيًا للسياسات أن يخفّض عدد العقود التي تُمنَح للمؤسسة العسكرية لتزويد السلع والخدمات من دون تنظيم عطاءات تنافسية عامة. وسوف يؤدّي أيضًا إلى الحدّ من قدرة المؤسسة العسكرية على منح العقود بالأسلوب نفسه، أي على أساس غير تنافسي. وفقًا لمصادر مطّلعة، تستغل المؤسسة العسكرية هذه الورقة في يدها لتحقيق هوامش أرباح تتراوح من 5 إلى 30 في المئة من موازنات المشروعات المموّلة من الحكومة. وكذلك، سيؤول إقرار قانون موحّد للمشتريات العامة، فضلًا عن اعتماد الشفافية المالية، إلى تقليص قدرة المؤسسة العسكرية على اقتناص العقود الحكومية التي يُفترَض أن تكون من نصيب جهات منافسة مدنية في القطاع العام أو الخاص.

أخيرًا وليس آخرًا، لن يؤدّي الإفصاح المالي إلى وضع حدٍّ لنقل أصول الدولة إلى المؤسسة العسكرية فحسب، بل أيضًا إلى زيادة إيرادات الدولة، وسيتيح تحليل التكلفة والعائد الاقتصادي (ما يسمح بوضع دراسات الجدوى واستراتيجيات الاستثمار المعقولة)، ويحدّ من الممارسات التعسفية والافتراسية (بما في ذلك إخفاء المتأخرات أو فرض رسوم غير معقولة مقابل ترخيص الاستخدام المدني لأراضي الدولة). علاوةً على ذلك، من شأن إلغاء إعفاءات المؤسسة العسكرية من الضرائب والرسوم الجمركية، ووضع حدٍّ لتشغيل المجنّدين إلزاميًا، أن يساعدا على "تسوية الملعب" الاقتصادي مع القطاع الخاص، والأهم من ذلك، أن يخضعا المؤسسة العسكرية على نحوٍ لا لبس فيه للقوانين والمحاكم الناظمة للأعمال المدنية في ما يتعلق بجميع أنشطتها في المجال المدني.

في غياب الإرادة السياسية، تُعدَم السبل

هل توجد سبل للبدء في معالجة هذا الوضع، ناهيك عن سبل قابلة للإتمام؟ لقد لفت نائب رئيس الوزراء السابق زياد بهاء الدين إلى أن الحكومة اعتمدت خلال السنوات الماضية الوسائل نفسها لزيادة مشاركة القطاع الخاص، من دون تحقيق أيّ تأثير يُذكَر. لا تكمن المشكلة في أن سُبل المعالجة غير معروفة، أو في أنها غير مُعتمدة رسميًا، بل تكمن في غياب الإرادة والسلطة السياسيتَين اللازمتَين لتنفيذها. فحتى السيسي، الرجل الأقوى نفوذًا في مصر بلا منازع، هو أسير ولاء المؤسسة العسكرية له من منطلق قائم على تبادل المصالح. والدليل على ذلك القرار الذي أصدره في 31 كانون الثاني/يناير 2023 بتصنيف 15,000 كيلومتر مربّع مما يُسمّى "الأراضي الصحراوية" على جانبَي طرقات قومية تمتدّ على طول 3,700 كيلومتر، على أنها "مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية" – ويمنح هذا التصنيف وزارة الدفاع تلقائيًا امتيازًا تجاريًا حصريًا في تلك المناطق. يُشار إلى أن صدور هذا القرار بعد ثلاثة أسابيع فقط من نشر صندوق النقد الدولي النص الكامل لاتفاقه مع الحكومة المصرية يحمل دلالات كثيرة.

نظريًا، قد تدرك المؤسسة العسكرية قيمة التخارج من القطاعات القابلة للتداول (أي السلعية والقابلة للتصدير)، ولكنها لن تُقدِم على ذلك على الأرجح إلا بهدف ترسيخ قبضتها على الأصول غير التجارية والخدمات المرتبطة بها، وتعزيز دورها في إدارة المشاريع العقارية ومشاريع استصلاح الأراضي في مختلف أنحاء البلاد. ولا شك في أن ذلك سيهدّد موقف الحكومة عمومًا أمام صندوق النقد الدولي وحلفائها الخليجيين والمستثمرين الدوليين، ولكن المؤسسة العسكرية لا تزال تعتقد بقوة أن الانتفاع من أصول الدولة، بل ومن الموارد القومية عمومًا، هو استحقاقٌ لها. فبدلًا من أن تقبل بالتخلّي عما تعتبره حقًّا لها، غالب الظن أنها ستضاعف جهودها للتمسك به وتوسيعه – ولن تردعها دعوات السيسي الملحّة والمتكررة للقطاع الخاص كي يزيد حصته الاستثمارية في الاقتصاد (دعمًا للأهداف التي يتوخّاها الرئيس). وحتى لو كان السيسي يفهم هذا المأزق، فهو لن يفرض التغيير على المؤسسة العسكرية قسرًا، لأن ذلك قد يكلّفه رئاسة الجمهورية.

هوامش

1 البيانات غير المحدَّد مصدرها مُستمدّة في الغالب من: يزيد صايغ، "أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري"، مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط، 14 كانون الأول/ديسمبر 2019،
https://carnegie-mec.org/2019/12/14/ar-pub-80489