كان انتخاب همام سعيد في شهر أبريل نيسان الفائت مراقبا عاما لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن بدلا من المراقب العام السابق سالم الفلاحات تعبيرا عن اختلافات وتفاعلات داخلية وتنظيمية عميقة ومعقدة في صفوف جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، فالجماعة التي ظلت متماسكة وموحدة على مدى ستين عاما، بدأت تواجه تحولات فكرية وتنظيمية واختلافات في الرأي وبين الأجيال، وتتشكل فيها مجموعات مصالح وتجمعات جغرافية، وتتعرض لمؤثرات خارجية من الأحداث والتنظيمات هي على درجة من الحدة والأهمية تهدد وحدتها وتماسكها ورؤيتها للمواقف والأحداث الوطنية والإقليمية وتعاطيها مع البيئة المحيطة بها.
وبرغم أن الاختلافات لم تكن جديدة في تاريخ الجماعة ومسارها، ولكنها بدأت تظهر مؤخرا في وسائل الإعلام وتعبر عن نفسها علنا وبوضوح، بينما كانت قبل ذلك شأنا متكتما عليه هو أقرب إلى الأسرار التنظيمية التي لا يعرف عنها أحد حتى معظم الأعضاء المنتظمين في الجماعة.
لقد تطورت هذه الخلافات بفعل الانفتاح السياسي والإعلامي الذي بدأ يهب على المنطقة ومنها الأردن منذ نهاية ثمانينات القرن العشرين، وبفعل التحولات والاستجابات التي وقعت للحركة الإسلامية منذ اتساع نطاق مشاركتها السياسية وانطلاق حركة حماس وتنامي تأثيرها على جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وفي المجتمع الأردني نفسه.
وعندما استؤنفت الديمقراطية الأردنية عام 1989 كانت جماعة الإخوان المسلمين حركة سياسية واجتماعية كبيرة يؤيدها جمهور كبير من المواطنين كشفت عن حجمه الانتخابات النيابية التي جرت في ذلك، وقد سعت قيادة الإخوان في تشكيل حزب سياسي بالمشاركة مع شخصيات إسلامية أخرى مستقلة.
ولكن الانتخابات التنظيمية الداخلية التي جرت في جماعة الإخوان المسلمين عام 1990 كشفت عن تحولات تنظيمية وتركيبية كبرى في الجماعة، وقد أسست تلك الانتخابات لمرحلة في مسار الحركة الإسلامية استمرت حتى عام 2002. فقد أوصلت تلك الانتخابات التنظيمية مجموعة جديدة لقيادة الجماعة، وأبعدت مجموعة أخرى ظلت تقود الجماعة لثمانية عشر عاما (1972- 1990)، ولكن هذه المجموعة من أعضاء مجلس النواب وأعضاء المكتب التنفيذي للجماعة لعقدين من الزمان كانت تملك من أدوات التأثير في الجماعة وإن خرجت من القيادة، وظلت تسيطر على جمعية المركز الإسلامي، وهي مؤسسة وقفية كبرى تملك المستشفى الإسلامي وشبكة من الكليات والمدارس والمستوصفات والمؤسسات والعقارات.
هكذا فقد انقسمت الجماعة داخليا إلى مجموعتين، واتخذ هذا الانقسام صيغة الاعتدال والتشدد، أو ما سمي في الصحافة "الصقور والحمائم" ولم يكن في واقع الحال سوى صراع على القيادة والتأثير والمؤسسات المالية والموارد، وبين المجموعات والأجيال، فالمجموعة التي كانت تقود الجماعة (وتسمى الصقور) بقيادة محمد أبو فارس (أستاذ جامعي ونائب سابق ومستشار ثقافي لجمعية المركز الإسلامي) وهمام سعيد (أستاذ جامعي ونائب سابق ومستشار شرعي للمستشفى الإسلامي) وإبراهيم مسعود (نائب سابق ومدير سابق لجمعية المركز الإسلامي وكليتها) وتتحكم في الوقت نفسه بموارد الجماعة ومؤسساتها، مثل جمعية المركز الإسلامي والمستشفى الإسلامي وشبكة من المدارس والمستوصفات والكليات، بدأ تأثيرها يتراجع لتحل مكانها مجموعة أخرى (المعتدلون) بقيادة إسحق فرحان (أمين عام سابق لحزب الجبهة ووزير وعين سابق ورئيس جامعة الزرقاء) وأحمد الأزايدة (نائب ورئيس بلدية مادبا، توفي عام 1992) وعبد الله العكايلة (نائب ووزير سابق) وبسام العموش (نائب ووزير سابق) وحمزة منصور (الأمين العام السابق لحزب الجبهة)
وكان أول ضحية لهذا الصراع هو حزب جبهة العمل الإسلامي الذي كان في مرحلة التحضير والإعداد، ولم يعد القادة السابقون في الجماعة متحمسين للحزب ولا لأي مشروع سياسي لا يقودونه ولا يؤثرون فيه.
وأظهرت تطورات العمل السياسي لحزب جبهة العمل الإسلامي اتجاها ثالثا في الحركة الإسلامية قائم على الحزب والنواب ينزع للعمل بعيدا عن قرار الإخوان وتأثيرهم، وتحولت العلاقة بين قيادة الإخوان وقيادة الجبهة إلى أزمة متصاعدة بلغت ذروتها عام 1997 عندما قررت جماعة الإخوان المسلمين مقاطعة الانتخابات النيابية، أو بتعبير آخر فقد انقسمت مجموعة المعتدلين نفسها إلى مجموعتين أو جيلين، المجموعة الأولى من النواب وقادة حزب الجبهة، مثل إسحق فرحان، وعبد الله العكايلة، وبسام العموش، وحمزة منصور، وعبد المجيد ذنيبات (محامي، والمراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين) وتقود المجموعة الأخرى الجيل التالي من قيادة جماعة الإخوان المسلمين (عماد أبو دية، وجميل أبو بكر، وسالم الفلاحات، ورحيل غرايبة، ونمر العساف، ونائل مصالحة).
وكما عصفت المقاطعة عام 1997 بتيار الجبهة في الحركة الإسلامية، فقد عصفت حماس وأزمتها مع الحكومة عام 1999 بالمكتب التنفيذي لجماعة الإخوان المسلمين الذي كان يعبر عن اتجاه في الحركة الإسلامية حاول أن يؤثر في موقفها واتجاهاتها، وكان له دور مؤثر بين عامي 1990 و 2002.
أظهرت الانتخابات التنظيمية التي جرت عام 2002 تحولا كبيرا ومهما في الحركة الإسلامية لعله الأكثر راديكالية وأهمية منذ عام 1970، وسيؤثر هذا التحول في تركيبة الحركة الإسلامية ومواقفها واتجاهاتها القادمة، وقد ظهرت نتائج هذه التحولات في نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2003 والتي شاركت فيها الحركة الإسلامية وحصلت على 17 مقعدا، وفي التركيبة القيادية لحزب جبهة العمل الإسلامي.
فظهر تيار رابع في الجماعة يستمد تأثيره واختلافه من علاقته التنظيمية والمالية بحركة حماس، ويقدم على نحو غير مسبوق خطابا تجميعيا داخليا قائما على الانتماء الجغرافي أو التقسيم التاريخي للمواطنين بين أردنيين من أصل أردني وآخرين من أصل فلسطيني، ويقود هذا التيار مجموعة من نشطاء الإخوان المرتبطين بحركة حماس أو المؤيدين لها، مثل سعود أبو محفوظ، وفرج شلهوب من مخيم غزة، وياسر الزعاترة من مخيم الوحدات ورئيس تحرير مجلة فلسطين المسلمة، وكاظم عياش من مخيم البقعة، ومعين القدومي من مخيم الحسين.
وقرر مجلس شورى الجماعة للفترة (2002 -2006) والذي كان يسيطر عليه تيار حماس في جلسته الأخيرة ترشيح زكي بني رشيد أمينا عاما لجبهة العمل الإسلامي، وهو أحد العاملين في حركة حماس، ولكن الانتخابات التنظيمية التي أجريت بعد أيام قليلة أظهرت تراجع هذا التيار لصالح "الوسط" المنافس لتيار حماس.
وكان النجاح الكبير الذي حققته حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية قد شكل محطة مفصلية للحركة الإسلامية في الأردن، وربما كانت تداعيات نجاح حماس على الوسط الأردني أكثر من تداعياتها في فلسطين، فهذا التحول، فالأردنيون من أصل فلسطيني يشكلون نصف السكان، وهم في غالبيتهم يؤيدون الحركة الإسلامية كما ظهر في الانتخابات النيابية، ويشكل النواب الفلسطينيون في كتلة الحركة الإسلامية النيابية (2003 -2007) أربعة عشر نائبا من سبعة عشر.
وبدأت الدولة الأردنية تعيد حساباتها لتغير من الهيمنة الإخوانية على الشارع الفلسطيني في الأردن، وبخاصة أن الحركة في السنوات الأخيرة تعرضت لتأثيرات متزايدة وقوية من قبل حركة حماس، لدرجة القدرة على اختيار قادتها وبرامجها ومواقفها.
وفي مشاركة الحركة الإسلامية في الانتخابات النيابية لعام 2007 جاءت النتائج متواضعة (6 مقاعد فقط) مما أعطى الفرصة لتيار حماس أن يتقدم بمبادرة لحل مجلس الشورى وإعادة الانتخابات التنظيمية، وأجريت انتخابات جديدة بالفعل أظهرت كما تبين في التنافس بين المراقب العام السابق للإخوان سالم فلاحات (وسط) وبين همام سعيد (حماس) تفوقا لتيار حماس بفارق صوت واحد، وكان همام سعيد لم ينجح في انتخابات مجلس الشورى التي أجريت عام 2006 برغم أنه كان نائب المراقب العام في الفترة (2002 – 2006) وكان عضوا في مجلس النواب لدورتين.
وكانت قيادة الجماعة السابقة قد جمدت عضوية كل من زكي بني رشيد الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي ومحمد أبو فارس عضو مجلس النواب السابق بسبب الاختلاف مع قيادة الجماعة حول إدارة الانتخابات النيابية، وظهرت الجماعة بالفعل في حالة غير مسبوقة من الانقسام تهدد تماسكها ووحدتها التنظيمية والفكرية، وبرغم أن تسوية جرت عقب انتخاب همام سعيد مراقبا عامل للجماعة جرى بموجبها إشراك تيار الوسط في قيادة الجماعة (المكتب التنفيذي ورئاسة مجلس شورى الجماعة وربما الأمانة العامة للحزب) فإن الجماعة بات واضحا أنها معرضة للانقسام إلى جماعتين، فقد تحول هذا الانقسام من كونه قياديا يقتصر على نخب الجماعة وقياداتها إلى أن يقسم جميع أو معظم أعضاء الجماعة، ويشكل اصطفافا طوليا غير مسبوق.

إبراهيم غرايبة هو صحفي أردني يقيم حاليا في الدوحة.