يؤكد مشهد الانتخابات المحلية في مصر، والتي بدأت في الرابع من مارس والمقرر إعلان نتائجها في الثامن من إبريل 2008، استمرار هيمنة الإرث السلطوي "القديم" على الحياة السياسية في مصر، رغم الأحاديث البراقة عن الفكر الجديد والتحول الديمقراطي. فقد أصرّ الحزب الوطني على احتكار وتأميم العملية الانتخابية لمصلحة مرشحيه فقط، وذلك من خلال ممارسة كافة أشكال المنع ضد مرشحي القوى السياسية الأخرى، سواء مرشحي جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة قانوناً)، أو مرشحي الأحزاب السياسية التي تحظى بالشرعية والوجود القانوني.
وقد تنوعت عمليات التدخل في العملية الانتخابية بين تعقيد الإجراءات الانتخابية وتعطيلها، فضلاً عن اعتقال وتشريد وترهيب كثير من المرشحين. ولسوء الحظ فإن القانون المنظم للانتخابات (القانون 43 لسنة 1979) يسمح بحدوث مثل هذه التجاوزات حيث يعطي صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية في تنظيم العملية الانتخابية بمختلف مراحلها (الترشيح والدعاية الانتخابية وإعلان النتائج).
فقد دفعت جماعة الإخوان بما يقرب من خمسة ألاف شخص من كوادرها للمنافسة على ما يقرب من 53 ألف مقعد في مختلف المستويات المحلية (قرية، مركز، محافظة)، لم ينجح منهم سوى خمسمائة شخص فقط، بينهم أكثر من أربعين معتقلاً، أي بنسبة لم تتجاوز 10 بالمائة. في حين دفعت قوي المعارضة بنحو 3 ألاف مرشح (1700 عن حزب الوفد، و600 عن حزب التجمع، و700 عن حزب الغد)، لم ينجح منهم في الترشح سوى 1200 مرشح، أي بنسبة لم تصل ثلث إجمالي المرشحين.
وكان من أغرب المفارقات التي شهدتها هذه الانتخابات، هو حدوث صراع وتنافس شديد بين أعضاء الحزب الوطني الحاكم من أجل خوض الانتخابات، حيث شهدت العديد من الدوائر معارك ومشاحنات بين الراغبين في الترشح تحت يافطة الحزب، وكان من ثمارها استقالة ما يقرب من 600 عضو من مختلف قواعد الحزب احتجاجاً على طريقة اختيار مرشحي الحزب، وهي ظاهرة تكررت كثيراً في الانتخابات التي جرت طيلة الأعوام الأربعة الماضية.
نظرياً، اكتسبت الانتخابات المحلية هذه المرة أهمية واضحة، وهو ما أدى إلى سخونة أجواءها. وتعود هذه الأهمية لعدة أسباب، أولها أنها أول انتخابات محلية تجري في ظل الواقع الدستوري الجديد الذي تم إقراره في مارس 2007. وتحديداً ما يتعلق بالمادة 76 الخاصة بطريقة اختيار رئيس الجمهورية، التي تشترط حصول أي مرشح يرغب في المنافسة على منصب الرئيس، على تأييد 140 عضو من أعضاء المجالس المحلية المنتخبة من 14 محافظة على الأقل (10 عن كل مجلس شعبي محلي محافظة)، بالإضافة إلى تأييد ما لا يقل عن 90 عضواً من أعضاء البرلمان المصري بمجلسيه الشعب (65 عضو) والشوري (25 عضو).
ثانياً، حالة الفساد المستشرية في المحليات والتي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة وذلك باعتراف مسئولي الحكومة، مما خلق تخوفاً لدى الحزب الحاكم من كشف ملفات الفساد المتراكمة طيلة العقود الثلاثة الماضية، وبالتالي يحاول الحزب الحيلولة دون حدوث أي عملية رقابة لشؤون المحليات قد تأتي من ممثلي الأحزاب والقوى السياسية الأخرى.
ثالثاً، من المفترض أن يتم إصدار قانون جديد لتنظيم شؤون الإدارة المحلية، يعتمد أسلوب اللامركزية في إدارة المحليات، وذلك بإعطاء المجالس المحلية استقلالية فعلية عن السلطة التنفيذية في التمويل والتخطيط والتنفيذ ما يعني، نظرياً، تخفيف قبضة النظام عن المحليات، وهو ما خلق تخوفاً لدى الحزب الحاكم من أن تسيطر أية قوة سياسية أخرى، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، على المحليات في ظل هذا القانون الجديد.
أما عملياً، فلا تكتسب الانتخابات المحلية أهمية حقيقية، وذلك لأكثر من سبب، أهمها أن المجالس المحلية الشعبية لا تمتلك سلطات فعلية، خاصة إذا ما استمر العمل بالقانون الحالي، الذي يمنح السلطة التنفيذية اليد العليا على هذه المجالس من حيث التخطيط و إقرار الموازنة والتنفيذ، كما يتمتع المحافظون بسلطات هائلة لا تسمح بأي نوع من الرقابة على شؤون المحليات من جانب المجالس المنتخبة.
بيد أن ما أضاف قدراً من السخونة على هذه الانتخابات، هو طبيعة المناخ العام السائد في مصر، حيث عكست الانتخابات حالة الاحتقان والاستقطاب المهيمنة على المشهد السياسي المصري، وكانت تعبيراً عن معركة كسر عظم دارت رحاها بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام المصري، أصر فيها كل طرف على إبراز قوته. فالجماعة من جهتها قررت المشاركة في الانتخابات رغبة في تفويت الفرصة على النظام في إقرار الواقع الدستوري الجديد الذي يمنعها من ممارسة أي نشاط سياسي، رغم إدراكها بعدم القدرة على تحقيق مكاسب حقيقية. والنظام من جهته، قرر معاقبة الجماعة بكافة الطرق القانونية والأمنية، وذلك من أجل وقف تمددها المجتمعي وتحقيقها لمكاسب جديدة.
وتبقي الإشارة إلى عدة ظواهر مهمة شهدتها هذه الانتخابات، لعل أولها، تصاعد عمليات القمع التي أجريت ضد مرشحي جماعة الإخوان المسلمين، حيث وصل عدد المعتقلين من أعضاء الجماعة عشية الانتخابات إلى نحو ألف شخص. ثانيها، عدم وجود مشاركة فعلية للأقباط والمرأة في الانتخابات. وثالثها، عدم وجود إشراف قضائي حقيقي على العملية الانتخابية. ورابعها، عدم وجود تنسيق حقيقي بين جماعة الإخوان المسلمين وبقية القوى والأحزاب السياسية لخوض الانتخابات على غرار ما حدث في الانتخابات البرلمانية أواخر عام 2005.
وخلاصة القول أنه بدلاً من أن تصبح الانتخابات المحلية في مصر، خطوة للأمام باتجاه ترسيخ قيم المشاركة والمنافسة السياسية، فإنها تمثل ردة وانتكاسة للوراء، وتفتح باباً واسعاً للتساؤل حول حقيقية التحول الديمقراطي في مصر.

خليل العناني خبير مصري متخصص في شؤون الديمقراطية والإسلام السياسي. صدر له مؤخراً كتاب "الإخوان المسلمون في مصر .. شيخوخة تصارع الزمن"، دار الشروق الدولية، 2007.