لا يخفى على أحد أن سياسات الاتحاد الأوروبي حيال حوض المتوسط هي في ورطة كبيرة. فعملية برشلونة (المعروفة رسمياً بالشراكة الأورو- متوسطية) التي بدأت عام 1995 كوسيلة للحد من الهجرة والتهديد الخارجي عبر إنشاء مساحة من "السلام والازدهار والاستقرار المشتركة"، اصطدمت بمشكلات المنطقة السياسية والاقتصادية العصية على الحل. وسياسة الجوار الأوروبي التي أُطلِقت عام 2003 لإشراك دول جنوب المتوسط على مستوى ثنائي مع التعهد بتعزيز روابطها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي لم تحقّق الكثير. قلة تعتقد أن هاتين السياستين مجتمعتين قادرتان فعلياً على إيجاد حل لتدفق المهاجرين الآخذ في التزايد، مع تحوّل بلدان شمال أفريقيا من مصدر للمهاجرين إلى نقاط عبور لسكان أفريقيا جنوب الصحراء التواقين للوصول إلى أوروبا. نتيجةً لذلك، فإن أوروبا آخذة في التحول إلى الحصن الأمني الذي هدفت سياساتها في الأصل إلى تفاديه.
والنتيجة الأخرى هي بحث محموم أكثر فأكثر عن سياسات بديلة مثل اقتراح الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي إنشاء اتحاد متوسطي. فهذه الفكرة التي صاغها المستشار الرئاسي الفرنسي هنري غواينو كوسيلة لاستعادة فرنسا مكانتها الرائدة في أوروبا والمتوسط برزت أول مرة في تجمع انتخابي في مدينة تور الفرنسية في فبراير/شباط 2007، بيد أن الاقتراح الأولي يكرر فكرة فرنسية قديمة حول التعامل مع جنوب المتوسط بصورة منفصلة عن شرقه من أجل تجنّب المشكلات المتعلقة بإسرائيل وفلسطين؛ كذلك يعيد الاقتراح تأكيد التزام فرنسا حيال مستعمراتها السابقة. وقد تبدل الاقتراح عدة مرات منذ ذلك الوقت.
يقول المسئولون الفرنسيون أن ثمة ثلاث أفكار رئيسية وراء الاقتراح. أولاً، يرتبط مستقبل أوروبا بمنطقة جنوب المتوسط، فهناك تكمن التهديدات الأمنية الحقيقية مثل النزاع الاستراتيجي والإخفاق الاقتصادي و"صدام الحضارات". ثانياً، تعد منطقة المتوسط مركز الثقل التاريخي للثقافة الأوروبية، ومن هنا فإن نهضتها مؤشر لنهضة أوروبا. ثالثاً، فشل عملية برشلونة بسبب غياب الالتزام من جانب أوروبا والقطاع الخاص واستياء جنوب المتوسط من الهيمنة الأوروبية. رغم الشكوك ولا سيما من جانب بريطانيا، تنفي فرنسا كون المشروع محاولة لمنع تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وتؤكد أنها شجّعت الدول الأخرى على عرض مشاريع ذات عنصر مشترك واحد: تحديد سياسات مشتركة حول الهجرة.
على الرغم من وضوح الهدف الحقيقي للاقتراح – إشراك دول جنوب المتوسط في رؤية محكمة ومنظّمة عن الهجرة – فإن غموض المفهوم الفرنسي جعل تطوره مرتبطاً في الوقت الراهن بتجاوب الدول الأخرى. تشارك المغرب وتونس بحماسة في الاقتراح، وحتى الجزائر تستعد بحذر للمشاركة، بينما تعارضه الدول الأوروبية. ففي البداية، أبدت إسبانيا وإيطاليا عدائية واضحة حيال الاقتراح إلى أن سمح اجتماع بين الرئيس ساركوزي ورئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي ورئيس الوزراء الإسباني خوان-لويس زاباتيرو في ديسمبر/كانون الأول 2007 بتسوية الخلافات حول المقترح الفرنسي، ولا سيما بعدما أوضح لهما الرئيس الفرنسي أن الاتحاد الجديد لن يحل مكان عملية برشلونة أو سياسة الجوار الأوروبي.
بدلاً من ذلك، اقترح ساركوزي أن يكون للاتحاد المتوسطي هيكلاً بيروقراطياً محدوداً للغاية، ورئيسان واحد من الجنوب والآخر من الشمال لضمان المساواة، وأن يدير مشاريعاً يقترحها أعضاؤه، وأن يتم تكوين مجموعة من عشر دول داعِمة تعمل على إعداد مقترحات المشاريع، وتشمل وكالة تمويل تسعى للحصول على التمويل العام والخاص، على أن تُناقَش هذه الترتيبات ويتم اعتمادها في اجتماع بلدان المتوسط الساحلية المقبل في باريس في 13 يوليو/تموز 2008.
غير أن معارضة الاقتراح التي تقودها المفوضية الأوروبية وألمانيا وتشارك فيها دول البلقان والبلطيق التي تكره العبث الفرنسي بالسياسات الأوروبية المتفق عليها، أدّت إلى تحجيم محتواه أكثر فأكثر. في الثالث من مارس/آذار الماضي، اجتمع الرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية لرأب الصدع في العلاقات الفرنسية-الألمانية التي تقع في صلب الاتحاد الأوروبي. وقد رفضت ألمانيا الاقتراحات بأن تكون المبادرة الجديدة انعكاساً لمجلس البلطيق الذي يضم دول البلطيق التابعة للاتحاد الأوروبي وغير التابعة له. ونتيجة لذلك، خضع الاتحاد المتوسطي المقترح لمزيد من التغييرات، بحيث أصبح يشمل كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي ستعقد اجتماعاً مع دول جنوب المتوسط في 13 يوليو/تموز المقبل، وعلى جدول أعماله المفترض مناقشة الخطط المفصّلة لتطبيق النسخة الجديدة من الاتحاد المتوسطي.
لا شك في أن هذا يعني التخلي بشكل كامل عن المبادئ الأصلية التي انطلقت منها فكرة إنشاء اتحاد متوسطي –أن يتألف الاتحاد من دول المتوسط الساحلية بقيادة فرنسا. تشمل النسخة الجديدة من الاتحاد مبدأ الرئاسة المزدوجة، وسوف يجتمع الاتحاد رسمياً مرة كل سنتين، ومن المفترض أن يحتفظ أيضاً بجدول أعماله حول إدارة المشاريع. بعبارة أخرى، بات الاتحاد، الذي بدأ كنادٍ متوسطي حصري، يتطابق من ناحية العضوية مع عملية برشلونة، وسوف يتعامل بمساواة حقيقية مع كل الدول الأعضاء، مما يعني أنه سيتم استبعاد المبادئ الاشتراطية التي هي جزء لا يتجزأ من عملية برشلونة.
لا أحد يعرف إذا كانت ألمانيا – حيث أن ألمانيا هي التي حدّدت محتوى الاقتراح المعدَّل على ما يبدو– تسعى إلى أن يتم استيعاب الاتحاد المتوسطي المقترح في عملية برشلونة أو تريد أن يُستخدم الاتحاد لإنعاش العملية بطريقة ما. من المحتمل أيضاً أن يتحول الاتحاد المتوسطي بكل بساطة إلى مجرد مكان لتبادل الحديث على غرار مجموعة "خمسة زائد خمسة" التي توسعت الآن لتصبح "ستة زائد ستة" بعد انضمام اليونان ومصر إليها.
باختصار، لم يبقَ سوى النذر اليسير من الاقتراح الفرنسي الأصلي. تمت إعادة فرض النظام الأوروبي من جديد؛ لكن تأثير هذا الأمر على العلاقة الفرنسية-الألمانية هو مسألة أخرى.
 
جورج جوفي زميل أبحاث في مركز الدراسات الدولية في جامعة كامبريدج.