في مشهد غير مألوف، استقطب حفل موسيقي بعنوان "بيكفي صمت" في ليلة جمعة في نوفمبر/تشرين الثاني في قلب شارع الحمرا في بيروت عدداً كبيراً من الشبان والشابات اللبنانيين. لكنه لم يكن مجرد حفل موسيقي عادي، فقد كان يروّج لحملة "خلص! معاً لخلاص لبنان"، والتي تأتي في سياق سلسلة من التحركات التي تنظمها قوى المجتمع المدني من أجل "إبعاد شبح الحرب الأهلية"، على حد تعبير أحد الناشطين. وعلى وقع الأغاني المناهضة للحرب، كان بعض الناشطين يوزعون المنشورات مرتدين قمصاناً طُبِعت عليها كلمة "خلص" بالعربية والإنكليزية، بينما انهمك آخرون في شرح مبادئ وأهداف الحملة. يقول إيلي أبي لمع من الفريق الإعلامي للحملة "سئمنا من المذهبية والحديث عن الحرب، ومن طبقة سياسية لا تدرك خطورة الوضع".
ألقت العاصفة السياسية التي هبت على لبنان مع اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005 بظلال ثقيلة على النسيج الاجتماعي اللبناني. فقد دخلت اللغة الطائفية من جديد إلى محاور النقاش السياسة فيما سمّاه أحد المراقبين "حرباً أهلية باردة" تخوضها القوى السياسية. يقول زياد بارود، وهو ناشط بارز في المجتمع الأهلي "كان علينا أن نفعل شيئاً لننتشل لبنان من حافة الانهيار"، مضيفاً أن "خلص هي حملة طوارئ". يحدّد البيان التأسيسي لحملة "خلص" التي تجمع ثلاثين منظمة من المجتمع المدني مقصدها وهو "الضغط على الأطراف السياسية من أجل إنهاء الجمود السلبي الذي وصلت إليه، مصمّمين على ضرورة تخطّي هذه المرحلة المصيرية".
إلى جانب الحفل الموسيقي، نظمت "خلص" نشاطات أخرى أبرزها اعتصام أمام مجلس النواب اللبناني في 17 نوفمبر/تشرين الثاني وموكب جنائزي رمزي في 22 نوفمبر/تشرين الثاني احتجاجاً على الوضع القائم. من أهداف "خلص" الأساسية التخلّص من المذهبية وتذكير اللبنانيين بأخطارها – ولا سيما الشبان الذين لم يختبروا فظائع الحرب الأهلية. وقد استقطبت عريضة بعنوان "معاً لخلاص لبنان" تدعو إلى الحوار ووضع حد للعنف، حوالي ثلاثين ألف توقيع.
يعد المجتمع الأهلي في لبنان من الأكثر حيوية في العالم العربي وله سجل موثق في مجال العمل على التصدّي للمشكلات الاجتماعية والسياسية المزمنة في البلاد. تتذكّر الأستاذة في الجامعة اللبنانية فاديا كيوان أنه قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، كانت منظمات المجتمع المدني – ولا سيما المنظمات الطالبية والعمالية – قد بدأت تقوض الروابط الطائفية التقليدية. ويروي بارود أن الناشطين في المجتمع الأهلي، الذي كان لا يزال في بداياته آنذاك، نظّموا تظاهرات ضد المذهبية، إلا أن موجة العنف كانت أقوى من تحركاتهم. وقد كانت المحطة البارزة الأخرى في تاريخ المجتمع المدني اللبناني تنظيم تظاهرة حاشدة في نوفمبر/تشرين الثاني 1978 شارك فيها حوالي 250 ألفاً تخطوا الحواجز المذهبية ليحتجوا على الحرب وتقاعس الدولة. نظّم المجتمع المدني اللبناني أيضاً مجموعة واسعة من النشاطات الأخرى خلال الحرب الأهلية، بما في ذلك إضرابات رمزية واعتصامات احتجاجية وحملات للتبرّع بالدم ومؤتمران وطنيان أكّد المشاركون فيهما التزام كل قوى المجتمع المدني بالوحدة الوطنية على الرغم من كل الاختلافات. كما شنّت قوى المجتمع المدني عام 1997 حملة ناجحة لإرغام السياسيين على إجراء انتخابات بلدية بعد ثلاثين عاماً من التوقف.
لا يزال الوقت باكراً الآن للحكم ما إذا كانت جهود حركة "خلص" لتجاوز الخلافات السياسية والاستقطاب الطائفي قد بدأت تعطي ثمارها. كتب غسان سعود في صحيفة "الأخبار" مؤخراً بأن الحملة لم تولّد زخماً أو تستقطب اهتماماً شعبياً كافياً. وعلّق مراقبون آخرون أنه من شأن لقاء بين خصمين سياسيين مثل سعد الحريري، زعيم الأكثرية الممثّلة بفريق 14 آذار، وميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر وحليف حزب الله، أن يغيّر المزاج الشعبي بسرعة تفوق بعشرة أضعاف ما تستطيع "خلص" ومنظمات أخرى في المجتمع المدني أن تفعله في سنة.
يقرّ زياد بارود بأنّ نتائج الحملة حتى الآن، وبعد خمسة أشهر من انطلاقها، لا تزال دون الطموح. إلا أنه لا يلوم الناشطين الشبّان في "خلص"، بل يعتبر أنّ "المشكلة تكمن في البنية الأساسية للنظام السياسي اللبناني، فقد أصبح الشارع والإعلام المؤسستَين الوحيدتين اللتين يجري النقاش من خلالهما حيث أن كل مؤسسات الدولة الأخرى تعاني من شلل تام". إلا أن حالة الاستقطاب السياسي الحاد تعيشها البلاد أفقدت نشاطات الشارع – وهي عصب تحركات المجتمع المدني – فعاليتها. يضيف بارود "ليست هناك أكثرية صامتة في لبنان. لقد اختارت غالبية اللبنانيين الاصطفاف إلى جانب هذه المجموعة السياسية أو تلك، وباتت الروابط المذهبية أقوى من السابق ومن الصعب تجاهل تأثيرها. يشكّل هذا تحدياً خطيراً للجهود التي نبذلها".

أميمة عبد اللطيف هي منسّقة المشاريع في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت.