يعاني الاقتصاد الفلسطيني من أزمة تزداد تفاقماً منذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، وتتجذّر في وضع سياسي متأزم وغير مشجع على الإطلاق. فالتراجع الاقتصادي مروّع: لقد هبط الإنتاج المحلي والدخل الفردي؛ وارتفعت معدّلات الفقر والبطالة بشكل كبير؛ وشهدت الاستثمارات الخاصة انخفاضاً حاداً؛ وباتت السلطة الفلسطينية تعاني من عجز مالي متواتر ومتزايد يستهلك، إلى جانب الظروف الإنسانية المتدهورة، مزيداً من المساعدات الخارجية، فلا يبقى الكثير للاستثمار في القطاع العام.
بعد فوز حماس الانتخابي في يناير/كانون الثاني 2006، أدّت الضغوط المالية المعطِّلة التي قادها الغرب وإسرائيل وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين إلى تفاقم الكارثة الاقتصادية الفلسطينية. وبحسب البنك الدولي، "أغلقت شركات أبوابها، وهجرت نسب عالية من الرساميل المالية والبشرية... [مع] الاحتفاظ بالجزء الأكبر من الرساميل المحلية في الخارج أو استثمارها في العقارات أو النشاطات التجارية القصيرة الأمد". وقد تراجعت الاستثمارات الخاصة الفلسطينية بحسب هذا التقرير بنسبة تفوق ال15 في المائة في عام 2006 وحده، وكانت المنشآت التجارية تعمل بأقل من خمسين في المائة من إمكاناتها.
إن الظروف في غزة هي الأسوأ، فبعد خمسة أشهر من سيطرة حماس على هذا القطاع الساحلي الذي يرزح أصلاً تحت عبء المعدّلات المرتفعة للفقر والبطالة، باتت غزة معزولة عن باقي العالم. إن اقتصادها الذي يمثّل ثلث إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني هو الآن في حالة مزرية وتعتمد الغالبية الساحقة من سكّانها على الإعانات الخارجية لتأمين أساسيات العيش.
كما أن الصورة قاتمة في الضفة الغربية المحتلة أيضاً. فالوجود الثقيل الوطأة للمستوطنات الإسرائيلية وبناء حاجز الفصل ومئات حواجز التفتيش والسواتر الترابية (التي كان مجموعها 561 في أكتوبر/تشرين الأول 2007) جزّأت بطريقة خطيرة المساحة الإقليمية والإقتصادية للضفة الغربية، وقسّمت المنطقة إلى جيوب فلسطينية معزولة، وزادت من صعوبة تسيير الأعمال بصورة طبيعية. ولا تزال هذه القيود التي تفرضها إسرائيل على حركة الفلسطينيين لدواعي أمنية تشكّل العنصر الأهم وراء الانحدار الاقتصادي الفلسطيني.
لقد أدّى التراجع الاقتصادي إلى تقويض القاعدة السياسية للسلطة الفلسطينية وإضعاف قبضتها على السلطة وتفشّي الخروج عن القانون. والآن من شأن العجز المالي المتواتر الذي يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يبلغ 1.5 مليار دولار (أو 34 في المائة من إجمالي الناتج المحلّي) بحلول نهاية السنة أن يُكمل الدوّامة ويهدّد وجود السلطة الفلسطينية في ذاته. ومع استنفاذ موارد التمويل المحلية إلى أقصى الحدود، وبلوغ المخزون التراكمي للمتأخّرات نحو مليار دولار، تواجه السلطة الفلسطينية مشكلات مالية خطيرة. من شأن التصحيح المالي في الظروف الحالية أن يكون مكلفاً من الناحية السياسية، في حين أنّه من المحتّم أن تؤدّي الأزمة الاقتصادية المستمرّة إلى مزيد من التدهور في الأوضاع المالية للسلطة الفلسطينية.
يدفعنا هذا كله إلى التساؤل حول ما يجب فعله وإذا كانت الخطط الحالية التي تجمع بين الإصلاح والأمن والمساعدات لمعالجة التعثّر الاقتصادي الفلسطيني ستنجح في وقف الانحدار. في هذا السياق، يقدّم الماضي القريب دروساً مفيدة، فقد كانت تجربة 2003-2005 مثالاً حياً عن استحالة تحقيق الاستدامة في تعافي الاقتصادي والإصلاح المؤسسي من دون بيئة سياسية داعمة. تظهر التجربة الفلسطينية بكاملها بعد أوسلو أن تقديم مساعدات خارجية في ظل وجود ظروف نزاعية مستمرّة وعدم استقرار سياسي غير كافٍ للنهوض بالاقتصاد. وبناءً عليه فإنه من الواضح أن إنعاش الاقتصاد الفلسطيني، ومن ثم إنقاذ السلطة الفلسطينية من انهيار محتمل، يقتضي إستراتيجية شاملة للتحرّك على الأصعدة السياسية والمالية والمؤسّسية – على أن يأتي العمل على الجبهة السياسية في الصدارة.
لحسن الحظ، هناك الآن على المستوى الدولي أرضيّة للتحرّك على كل من هذه الجبهات: اللجنة الرباعية التي تعالج المسائل السياسية؛ لجنة الاتصال المخصّصة لجمع الدعم المالي للسلطة الفلسطينية؛ والعمل المستمر لممثّل الرباعية طوني بلير والذي يتمحور حول الحاكمية والإصلاحات المؤسسية. ما ينقص بشكل خطير هو غياب التكافل بين هذه النشاطات والإدراك بأنّ النجاح في الاقتصاد والإصلاح مرتبط حكماً بالنجاح الملموس على الجبهة السياسية. إذا لم يدرك المعنيّون ذلك، فعلى الأرجح أنّ الاقتصاد الفلسطيني سوف يستمرّ في الانحدار مع نتائج يصعب التنبؤ بها.
تفادياً لهذه النتيجة، هناك حاجة ملحّة إلى أن يذهب المجتمع الدولي أبعد من مجرّد تقديم المساعدات المالية وإطلاق الدعوات المستمرّة للإصلاح في فلسطين. لا يمكن تحقيق التنمية ولا الإصلاح أو الحفاظ عليهما في غياب مشهد سياسي إيجابي، والماضي القريب خير شاهد على ذلك. الحاجة الآن هي إلى انخراط دولي أكثر نشاطاً والتزاماً لتسهيل عملية سياسية جدية ودفعها نحو الأمام لتقود في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية دائمة من خلال التفاوض. وحدها هذه العملية تؤمّن العنصر الناقص الأساسي لبناء دولة فلسطينية مستقرة وذات اقتصاد حيوي.

محمد سمهوري هو خبير اقتصادي فلسطيني وزميل زائر رفيع المستوى في معهد كراون للدراسات الشرق الأوسطية في جامعة برانديس