حالت جهود قادها حزب الله دون تمكّن منظّمة هيومن رايتس ووتش من عقد مؤتمر صحافي في بيروت في أغسطس/آب، حيث كان من المقرّر أن تطلق تقريرها حول انتهاكات حزب الله لقوانين الحرب الدولية عبر إطلاقه صواريخ باتّجاه المدنيين في إسرائيل خلال نزاع 2006. فقد أعلنت قناة حزب الله التلفزيونية أنّ متظاهرين ينوون أن يمنعوا المؤتمر من الانعقاد وتقدّم محامٍ موالٍ للحزب بدعوى لوقفه، فكان هذا كافياً ليلغي الفندق المؤتمر.
حدث ذلك على الرغم من أن هيومن رايتس ووتش وثّقت أيضاً الانتهاكات الإسرائيلية وأدانتها، وسعت إلى الاجتماع بأعضاء من حزب الله قبل نشر استنتاجاتها. كان مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله، نوّاف الموسوي، قد قال لنا قبل نزاع 2006 "ليست قضيّتنا ولا من مصلحتنا كقوّة مقاومة أن نقتل المدنيين الإسرائيليين". لكن لاحقاً، لم يتقبّل "حزب الله" أيّ انتقاد للطريقة التي أدار بها عمليّاته العسكرية.
تتوقّف صدقيّة منظّمات حقوق الإنسان على تصدّيها للمجموعات المسلّحة وكذلك للحكومات. يصيب الناشطون في مجال حقوق الإنسان وتراً حسّاساً عندما يفضحون السلوك التعسّفي الذي تسعى حكومة ما إلى إخفائه. لكن هل يجدي الأسلوب التقليدي القائم على فضح الانتهاكات وتسمية الأمور بأسمائها مع المجموعات المسلّحة مثل حزب الله وحماس؟ تبحث منظّمات حقوق الإنسان عن أساليب جديدة لمساءلة تلك المجموعات وحملها على تغيير سلوكها، حتّى ولو كانت الأخبار اليومية القاتمة تبدّد أيّ أمل بتحقيق تقدّم.
ينبغي على المجموعات المتمرّدة بوصفها طرفاً في نزاعات مسلّحة، أن تحترم القانون الإنساني الدولي. ومن واجباتها الأساسية تحييد المدنيين قدر الإمكان، مهما كانت قضيتها عادلة، و أي كان البادئ بالنزاع، و مهما بلغ حجم الممارسات التعسّفية من قبل الطرف الآخر.
إحدى الطرق التي ردّت بها هيومن رايتس ووتش على المجموعات المسلّحة هي إجراء حوار مع صانعي الرأي العرب. ف
قد سعينا منذ عام 2005 إلى التحاور مع مفكّرين وفاعلين في المجتمع الأهلي ورجال دين وقادة أحزاب سياسية وصحافيين في الشرق الأوسط. لو أخذ هؤلاء الأشخاص المؤثرون بزمام المبادرة ليعلنوا للناس أن لا شيء أبداً يبرّر الهجوم على المدنيين لاستطاعوا تشويه صورة هذه الهجمات في عيون من يتعاطفون مع المقاتلين وقضاياهم.
أبرزت النقاشات التي امتدّت من المغرب إلى السعودية وكانت حافلة بالصعوبات في معظم الأحيان ملاحظتين رئيسيتين: أولاً، إن تشكيك الإسلاميين وغير الإسلاميين في الحظر الكامل لاستهداف المدنيين جاء انطلاقاً من أسس سياسية. فبدلاً من التحدّث عن الإسلام، تطرّقوا إلى مواضيع الاحتلال العسكري أو النيو-إمبريالية أو الحرب غير المتكافئة. ثانياً، ما زال عدد كبير من صانعي الرأي العرب يعتبرون اسرائيل حالة استثنائية يجوز فيها استهداف المدنيين.  ففي حين عارضوا هجمات المجموعات المسلّحة على المدنيين في الجزائر والعراق ولندن ونيويورك، لم يعارضوا الهجمات ضد المدنيين الاسرائيليين مستخدمين حججاً متنوّعة مثل حق الفلسطينيين في مقاومة المحتلّ بأيّ وسيلة ضرورية، وأنّهم لا يملكون سبيلاً آخر لإيلام الإسرائيليين، وأنّ المجتمع الدولي لا يحرّك ساكناً لكبح الظلم الإسرائيلي، وأنّ المدنيين الإسرائيليين ليسوا مدنيين بكلّ معنى الكلمة.
وقال آخرون إنّهم يعارضون الهجمات على المدنيين الإسرائيليين لكنّهم لا يستطيعون التعبير عن هذا الموقف علناً. فعلى حد قول ناشط تونسي، تسيطر الدولة على كافة الإعلام وتبذل المستحيل لتفقد النشطاء الحقوقيين صدقيّتهم، وفي حال انتقدوا الهجمات الانتحارية الفلسطينية فسوف تنعتهم وسائل الإعلام بالصهاينة ثم تحرمهم من منبر لشرح مواقفهم من خلاله.
عندما تضاعفت التفجيرات الانتحارية في الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كان الفلسطينيون أوّل المبادرين العرب إلى شجبها، وإن كانت الحجّة الأساسية لذلك أنّها سوف تعود بنتائج عكسية. ولاحقاً صدرت تنديدات أكثر استناداً إلى المبادئ مثل البيان الختامي لمؤتمر منظّمات المجتمع المدني العربي في الرباط في ديسمبر/كانون الأوّل 2004 الذي شجب "استهداف المدنيين من الجانبَين وترويعهم"، غير أنّ عدداً ضئيلاً من المجموعات المحلّية دعم هذه المواقف علنياً.
وتصدّت هيومن رايتس ووتش بطرق مختلفة لتعسف المجموعات المتمرّدة في أماكن أخرى من العالم.  فعلى سبيل المثال، يستمدّ نمور التاميل جزءاً كبيراً من التمويل لحربهم على سريلانكا من الهبات التي يقدّمها التاميل المغتربون، فالكثير من التاميل غادروا البلاد بسبب انتهاكات الحكومة لحقوقهم ويموّلون النمور بحماسة شديدة. وقد وثّقت هيومن رايتس ووتش أساليب جامعي التبرعات في ابتزاز الأموال من أسر التاميل وأعمالهم التجارية في كندا والمملكة المتّحدة، وحضّت على المزيد من الصرامة في تطبيق القوانين للحدّ من ممارساتهم الإكراهية.
إضافة إلى الجهود التي تبذلها منظّمات حقوق الإنسان لكشف الانتهاكات والتأثير في الرأي العام، هناك محكمة الجنايات الدولية التي تملك صلاحيات للنظر في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية عندما لا تتمكن المحاكم المحلية من النظر فيها أو لا تبدي استعداداً لذلك. وقد دعمت حركات الدفاع عن حقوق الانسان انشاء هذه المحكمة كما تقدم لها وثائقاً عن الجرائم التي تقع ضمن اختصاصها. جدير بالذكر أن سبعة من الأشخاص الثمانية الذين أدينوا حتّى الآن في محكمة الجنايات الدولية هم قياديو حركات تمرد متورطة في نزاعات افريقية وجميعهم متّهمون بشنّ هجمات على المدنيين.  من المؤمل أن تساعد جهود المحكمة على تجريم عنف حركات التمرد ضدّ المدنيين على المدى الطويل.
لا ننكر أنّ الجهود المكثفة إلى بذلها حزب الله لإسكات انتقادات منظّمة هيومن رايتس ووتش لقيت استحسان الكثيرين في لبنان وخارجه، غير أنّ ردّ فعل حزب الله أظهر قلقه بشأن نظرة الآخرين إلى أساليبه القتالية، وهنا تكمن فرصة، وإن كانت متواضعة، للتأثير.

   إريك غولدستين مدير الأبحاث في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش.