يتحكم بانتخابات الرئاسة اللبنانية المفترض إجراؤها بين أواخر شهري أيلول وتشرين الثاني المقبلين عاملان، أحدهما داخلي و الآخر خارجي. يتمثل العامل الداخلي بمجموعة من الخلافات بين الطوائف والمذاهب والأحزاب والشخصيات السياسية.
يتمثل الخلاف الأول، و هو قانوني أو دستوري، بإصرار الغالبية النيابية على ممارسة دورها في مجلسي النواب و الوزراء، في حين ترفض الأقلية هذا المنطق رغم توافقه مع لبنان الديمقراطي البرلماني، باعتباره خارجاً على الميثاق الوطني ومقدمة الدستور، خاصة بعد استقالة وزراء الطائفة الشيعية من الحكومة الحالية، و تصر على (ديمقراطية توافقية) تمثل كل الأطراف في المجلسين، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات النيابية.
أما الخلاف الثاني فهو طائفي ومذهبي يتخذ من القانون والخلاف حوله غطاءاً يخفي حقيقة أن ما يحرك الأطراف هو مصالحهم الطائفية والمذهبية وليس الوطنية . وجوهر الخلاف هو إصرار "حزب الله"، بسبب تاريخه المجيد في الصراع مع إسرائيل، إما على المحافظة على الدولة التي أقامها داخل الدولة اللبنانية أو على السيطرة على الدولة اللبنانية ولعب الدور الأول رغم حرصه على المحافظة على سائر أدوار الأطراف الأخرى شكلياً. وهو يستند لتحقيق ذلك على الأكثرية العددية للشيعة في لبنان، وعلى قوته العسكرية وعلى تسليحه وعلاقاته الخارجية، مقابل غياب ذلك عند الطوائف الأخرى. وهذا أمر يرفضه الأطراف الآخرون ويحاولون الحيال دون تحقيقه بتجميع الصفوف أولاً، وبالاستعانة مثل "حزب الله" بجهات خارجية، وإفهامه أن محاولته فرض مواقفه بالقوة لن تنجح إلا في وضع البلاد على طريق الدمار. أما الخلاف الثالث فهو خارجي بحت، ينعكس على الداخل بقوة. فالشرق الأوسط يشهد مواجهة حادة وشرسة بين إيران وسوريا من جهة وبين الولايات المتحدة وغالبية المجتمع الدولي والعربي من جهة أخرى حول قضايا كثيرة، منها النظام الإسلامي في إيران وسلاحها النووي ورفضها دولة إسرائيل وضلوعها في الإرهاب ماضياً وحاضراً في العراق، ومنها ضلوع النظام السوري في الإرهاب داخل العراق ضد أميركا و محاولته ضرب الاستقرار في لبنان للسيطرة عليه مجددا، ومنها إمداد الفلسطينيين الأصوليين، الإرهابيين في نظر أميركا وإسرائيل، بكل أنواع الدعم.
كان لبنان ساحة مثالية لهذا الخلاف في ظل وجود ذراع أمنية وعسكرية وسياسية ومذهبية لبنانية لإيران، ووجود حلفاء لسوريا لن يكون لديهم دوراً سياسياً في لبنان مستقبلاً إذا ما تكرّس استقلاله بعيداً عن التدخلات السورية، ووجود أطراف أخرى لا تقل أهمية ترفض تحويل لبنان إلى ساحة لإيران وسوريا وترفض سيطرة حلفائهما على الوضع، كما في ظل وجود مجتمع دولي بقيادة أميركا يدعم مواجهي المحور السوري ـ الإيراني وحلفائه اللبنانيين لمنع هؤلاء من الانتصار، و إن كان قد لا يستطيع دفع حلفائه اللبنانيين إلى الفوز.
هذه الخلافات الثلاثة لن تجد حلولاً لها في المستقبل، فالمواجهة الدولية لا تزال تتفاعل وتتفاقم، ولن يتم حلها خلال أسابيع من موعد الاستحقاق الرئاسي. وفي غياب هذا الحل ستبقى تسوية الخلافين القانوني والطائفي ـ المذهبي مستحيلة، حيث أن الأطراف كلها فقدت كل حرية وكل استقلال، وصارت عاجزة عن المبادرة وعن حل مشاكلها. طبعاً وكما جرى خلال مسيرة الحرب اللبنانية منذ 1975، لا تزال هذه الأطراف "مبسوطة" أي سعيدة بتحالفاتها الخارجية. إلا أنه سوف يأتي الوقت الذي تشعر فيه بالعجز وتكتشف أن حلفائها يستغلونها. حينها لن تقوى على فعل شيء، ربما لأن الوطن سوف يكون قد فقد مبررات وجوده أو لأن المنطقة كلها تكون قد دخلت عصر التفتت الموجودة بذوره في كل الدول العربية والإسلامية، والتي لم تعمل الأنظمة الحاكمة فيها على حلها، بينما لم يضيع الخارج الدولي والإقليمي فرصة لتغذيتها.
في ظل وضع كهذا هل يتم انتخاب رئيس جمهورية جديد للبنان وكيف؟ الأمر ليس سهلا كما يتصور اللبنانيون، ومنهم مرشحو الرئاسة. من الصعب انتخاب رئيس قوي، بعقله وحكمته وليس "بزنده" وانفعاله واعتماده على أسلحة الآخرين، رئيس ينهي وصوله إلى القصر الرئاسي أزمة ويمنع نشوء أزمة أكبر قد تصبح مصيرية، ذلك أن ارتباط الداخل بالخارج واستحالة انفكاكهما وتعذر الحلول للمواجهات الإقليمية والدولية، يضع اللبنانيين أمام حتمية وضع من خمسة. الأول اتفاق أطراف الداخل كلهم على هدنة فقط وليس حل، وتالياً انتخاب رئيس يدير الهدنة، تكون مهمته إبقاء الوضع الراهن مع تحسينات تجميلية، تمكن الناس من العيش، وربما تبعد شبح الفتنة الكبرى. والثاني تشكيل حكومة وحدة وطنية يملك فيها "حزب الله" والمعارضة ثلثاً معطلاً، تتولى حكم البلاد انتقالياً في حال تعذر الاتفاق على رئيس "هدنوي". والثالث تشكيل حكومة انتقالية، ربما عسكرية، تتولى حفظ الأمن ومنع الفتنة والإعداد لانتخاب رئيس جديد. والرابع انتخاب رئيس لمدة سنتين يوافق عليه الجميع، ربما لأنه قد يكون عاجزاً عن منازعتهم، وعن محاولة الحكم، وينتظرون معه انتهاء المواجهات لمعرفة اتجاه لبنان. أما الوضع الخامس فهو تعذر انتخاب رئيس بموافقة الجميع وإقدام الغالبية النيابية على انتخاب رئيس منها خلافاً للدستور، أو اكتفاؤها بالحكومة الحالية لممارسة صلاحيات الرئاسة ريثما يتم الاتفاق. وسيدفع ذلك المعارضة المدعومة سورياً وإيرانياً، وفي مقدمهم الرئيس الحالي، لتأليف حكومة أخرى وربما إلى انتخاب رئيساً جديداً منها، وبذلك تدخل البلاد نفق التقسيم الفعلي وتنفتح الأبواب أمام الفتن وربما الحروب وفي مقدمها المذهبية.
أي من هذه الأوضاع الخمسة أقرب إلى الواقع؟ الرابع والخامس على الأرجح ومع الأسف، كما قد تكون للثالث حظوظ قليلة. لكن لا يمكن الجزم بذلك إذ لا تزال هناك قرابة ثلاثة أشهر يمكن أن يخلق الله فيها ما لا نعلم.

سركيس نعوم هو كاتب و محلل سياسي لبناني