في الأعوام القليلة الماضية، أجرت كافة دول شبه الجزيرة العربية انتخابات، سواء محلّية أو وطنية. وفي حين كان للتطورات الدولية و محاولات ترويج الديمقراطية دورها، كانت الديناميكيات السياسية الداخلية هي الدافع الأهم لإجراء معظم هذه الانتخابات. ففي الكويت مثلاً، كان تجذر ثقافة المشاركة السياسية هو المحفز الأول دوماً للانتخابات، بينما في البلدان الأخرى نجد أن إجراء الانتخابات يعبر عن تنازلات محدودة تقدمها الأنظمة الملكية للحيلولة دون تنفيذ إصلاحات أوسع نطاقاً. إلا أنه في كل الحالات، نجد أن الانتخابات تتجاوب مع مطلب شعبي حقيقي بتعزيز المشاركة.
أظهر مواطنو شبه الجزيرة العربية حماسةً للمشاركة في الانتخابات أحياناً، و عدم حماسة أحياناً أخرى، بحسب الظروف السائدة. ففي قطر، يمكن أن يُفسَّر صمت الرأي العام حيال التمديد الثالث لولاية المجلس الاستشاري البلدي الحالي حتى يونيو/حزيران 2008 (مع ما يرافقه من إرجاء للانتخابات النيابية حتّى نهاية 2008) بأنّه لامبالاة بالانتخابات. ومع ذلك، فقد شهدت الانتخابات الأولى لاختيار المجلس الاستشاري عام 1999 إقبالاً شديداً (بين 75 و85 في المائة)، وشارك 84 في المائة من الناخبين في الاستفتاء الدستوري الذي أجري في أبريل/نيسان 2003 و انبثق عنه البرلمان المنتخب. في المقابل، بلغت نسبة الاقتراع في الانتخابات الثانية للمجلس الاستشاري عام 2003 ثلاثين في المائة فقط. إنّ الانخفاض الشديد في نسبة الاقتراع بين الانتخابات البلدية الأولى والثانية هو في الغالب مرتبط بكون المجلس لا يملك قوّة فعلية. كذلك في البحرين، شارك تسعون في المائة من الناخبين في استفتاء أجري عام 2001 حول "الميثاق الوطني" الذي بدا مبشراً بإصلاحات سياسية واسعة. لكن بعدما خيّب دستور 2002 تلك الآمال، صوّت 53 في المئة فقط في الانتخابات النيابية التي قاطعتها معظم المجموعات المعارِضة عام 2002، ثم ارتفعت نسبة الاقتراع إلى 72 في المائة في انتخابات 2006 التي تنافست فيها أغلب التكتلات المعارِضة. بذلك يمكن القول أن ناخبو شبه الجزيرة يشاركون في الانتخابات عندما يشعرون بأنّ لأصواتهم أهمية.
و في هذا الصدد، تعد نزاهة و حرفية الإدارة الحكومية للانتخابات من أهم العوامل التي تؤثر على نسب المشاركة. فبعد أن كشف موظف حكومي سابق في البحرين في فضيحة "بندرغيت" عن الغش و التلاعب المزعومين في جولات محددة في انتخابات 2006، فقدت العملية الانتخابية مصداقيتها في عيون الكثير من البحرينيين. من جهة أخرى، يعتبر الكثيرون أنّ الكويت هي الأكثر اتقاناً لإدارة الانتخابات في شبه الجزيرة، على الرغم من أن انتخاباتها تدار من قبل تكنوقراط في وزارة الداخلية.
وعلى الرغم من أن اللجان المستقلة غير الحزبية تدير أفضل الانتخابات في أغلب دول العالم (تشكّل الولايات المتّحدة استثناء لافتاً يحتاج إلى تصحيح)، و حدها اليمن بين دول شبه الجزيرة العربية باشرت بالعمل على إنشاء لجنة من هذا النوع.
من شأن إدارة محايدة وموثوقة للانتخابات أن تمهد لنقاشات بين المشاركين بطرق غير متاحة للجهات الحكومية. ففي معظم الأحيان، لا تثق المجموعات المعارِضة بما تعتبره نظم ملكية تسعى إلى تحقيق مصالحها الذاتية، في حين يتردّد الحكّام في السماح بتشكيل أحزاب سياسية خوفاً من فقدان السيطرة. هناك أيضاً الخلافات حول مسائل الجنسية و التأهل للإدراج على سجلات الناخبين. في معظم أنحاء العالم، تشكّل اللجنة الانتخابية محفلاً مناسباً لمعالجة هذه المسائل من خلال إجراء نقاشات أقلّ عدائية تستقطب خبرات واسعة.
ومن شأن اللجنة الانتخابية المحايدة أن تساعد أيضاً على التعامل مع المسألة المعقّدة المرتبطة بدور العسكر في الانتخابات. ففي كلّ من الانتخابات اليمنية والبحرينية، يبدو أنّ الحكومة وزعت العسكريين بطريقة إستراتيجية للتصويت في دوائر معيَّنة. أما في قطر، فالمشكلة هي أنّ العسكريين، و الذين يشكلون حوالي عشرين في المائة من السكّان، محرومون من حق التصويت، على الرغم من أنّ الطاقم العسكري في وزارة الداخلية هو الذي يدير الانتخابات. و يأمل ضبّاط الشرطة والجيش في قطر الآن الحصول على حقّ التصويت من خلال قانون انتخابي جديد ينظر فيه المجلس الاستشاري حالياً، لكن يبدو الأمر مستبعداً حالياً. أمّا في الكويت، فيحقّ لعناصر الجيش التي تعمل في أجهزة على صلة مباشرة بالعائلة المالكة التصويت، في حين تُُحرَم العناصر التي تعمل في الأجهزة العادية من هذا الحق. وعلى الرغم من أنّ مسائلاً كهذه لن تحل تلقائياً عبر تأسيس لجان انتخابية مستقلة، إلا أن هذه اللجان بإمكانها الاستعانة بأفضل الممارسات الدولية وبتجارب اللجان الأخرى في حلّ مشكلات مماثلة.
يحتفظ الحكّام في شبه الجزيرة العربية بمجموعة واسعة من الأدوات للسيطرة على الحياة السياسية، أبرزها المجالس المعيَّنة في الهيئات التشريعية، والتي تُستعمَل كثقل موازن في مقابل المجالس المنتخبة. إلا أنه مع ارتفاع الأصوات المطالبة بتعزيز المشاركة السياسية، تملك الانتخابات الشعبية فرصاً متزايدة لإثبات شرعيتها. و لكي تكتسب هذه الانتخابات الصدقية و تستقطب مشاركة أكبر من الناخبين، يتعين على بلدان المنطقة العمل على إنشاء لجان غير حزبية لإدارتها.

ديفيد ميكوسز هو مدير مشارك في مركز الديمقراطية وإدارة الانتخابات بالجامعة الأميركية في واشنطن.