أصدرت شبكة راصد الإخبارية الشيعية السعودية تقريرها السنوي الثاني عن حقوق الإنسان في أبريل/نيسان الماضي، وقد تضمّن مسحاً عن الممارسات التمييزية بحقّ الأقلية الشيعية في المملكة. وإذا لاحظ التقرير توقّفاً ملموساً في الجهود الإصلاحية الحكومية، جاء على ذكر تأثير المتشدّدين السلفيين في البيروقراطية الدينية التي أثنت الأسرة الحاكمة عن تقديم مزيد من التنازلات للطائفة الشيعية وقوننتها. وأشار ناشطون شيعيون آخرون إلى التأثير الذي تمارسه الحروب في لبنان والعراق الأمر الذي يؤدّي إلى تجميد دمج الشيعة وتجميد الإصلاح بشكل عام. اكتسبت جملة تُردَّد غالباً وتُنسَب إلى الملك الراحل فهد صدى جديداً لا سيّما في الإقليم الشرقي "لماذا نشعل نيراناً في الداخل في حين أنّ هناك نيراناً في الخارج؟"
وقد سبّب هذا كلّه تراجعاً للزخم، جعل العديد من الشيعة يفقدون إيمانهم بالقنوات الرسمية للإصلاح مثل الحوار الوطني والمجالس البلدية. نتيجةً لذلك، يقف الناشطون ورجال الدين الشيعة عند مفترق طرق. اتّبع بعضهم مثل رجل الدين نمر النمر خطاً جهادياً ما أثار مخاوف من استعادة "حزب الله" السعودي نشاطه. واعتمدت شخصيات أكثر اعتدالاً مثل حسن الصفار وجعفر الشايب ومحمد محفوظ تكتيكات جديدة تزيد من القنوات التي يجيزها النظام وتركّزعلى بناء روابط بين المذاهب. الهدف الأسمى، بحسب أحد الناشطين، هو خلق "مساحة للوسط" والحدّ من جاذبية التعبئة المذهبية التي ينادي بها الراديكاليون في المعسكرين.
وسعياً للتصدّي للشكوك بأنّ الشيعة يشكّلون طابوراً خامساً إيرانياً، دفع بعض المفكّرين الشيعة باتّجاه تدريب رجال الدين في العربية السعودية لخلق مرجع تقليد شيعي سعودي. وهم يعتبرون أنّ من شأن ذلك أن يسرِّع الاندماج الوطني للشيعة ويزيل أيّ أساس لاتّهامهم بالولاء لسلطة خارجية. يشير المدافعون عن هذه السياسة إلى سابقة سجّلتها الحكومة السعودية من خلال إنشاء مدارس دينية محلّية للتخفيف من التأثير الخارجي مثل تأسيس جامعة الإمام ابن سعود عام 1974 للتصدّي لتعاليم الإخوان المسلمين المصريين والسوريين في جامعة المدينة الإسلامية. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ هذه المبادرة لا تتمتّع بدعم شامل في أوساط الناشطين الشيعة؛ ويعتبر العلمانيون أنّ الحدّ من سلطة رجال الدين خطوة أولى ضرورية في إصلاح الطائفة الشيعية قبل إنجاز أيّ اندماج وطني.
يؤدّي المفكّرون الشيعة دوراً أيضاً في الحوار مع السنّة. على سبيل المثال، نشر الباحث محمد محفوظ في الآونة الأخيرة مجلّداً بعنوان "الحوار المذهبي في الممكلة العربية السعودية". يشمل الكتاب المنشور عام 2007 مساهمات من باحثين معروفين من مدارس التفكير السنّية والشيعية – المالكيين والحنبليين والشافعيين والحنفيين والزيديين والإسماعيليين والجعفريين من مختلف أنحاء البلاد، ويشكّل مراجعة دقيقة لمحاولات سابقة للتقريب، وداعيا للتآخي بدلا عن الوضع الحالي.
يواصل الناشطون الشيعة أيضاً مقاربة مستمرّة منذ وقت طويل قائمة على الحوار والشراكة مع الإصلاحيين السلفيين في الغرب الذين يشكّلون كما وصفهم أحدهم "قوّة ضاربة للإصلاح في عمق نجد" (الإقليم المركزي في العربية السعودية الذي تتحدّر منه العائلة الحاكمة، والمكان الذي انطلقت منه الوهّابية). وتشمل الجهود الأخرى لتعزيز الحوار بين المذاهب زيارة حسن الصفّار الأخيرة إلى معقل السلفيين في العنيزة ودعوته رجال دين من البريدة التي هي أيضاً معقل للسلفيين، إلى زيارة المنطقة الشرقية. لكنّ الشيعة أنفسهم يقرّون أنّ تعاونهم مع المذاهب الأخرى في الممكلة يبقى إلى حدّ كبير على المستوى غير الرسمي، من خلال الرسائل بالبريد الإلكتروني والاتصالات الشخصية ونشر بيانات مشتركة من وقت لآخر. الاختلافات في الآراء بين الشيعة والسلفيين حول أولويات الإصلاح – لا سيّما دمج حقوق المرأة – أمر شائع.
على المستوى المحلّي، يشير الشيعة إلى العلاقات الجيّدة المستمرّة منذ وقت طويل بين السنّة والشيعة الذين يعيشون في الإقليم الشرقي معتبرين أنّها رادع للتزمت الديني السلفي التي يعتبر كثر أنّه مستورد من نجد. يؤدّي التكافل الاقتصادي المحلّي والجغرافيا الاجتماعية دوراً أساسياً في الحدّ من تأثير هذه الأيديولوجيا ومن امتداد المجزرة المذهبية في العراق إلى العربية السعودية. في حين أنّ هناك جيوباً معروفة للرجعية المذهبية في البلدات الإقليمية (العوامية للشيعة والأنق للسلفيين)، تشجّع المدارس والمحاكم والحدائق العامة وقوى الدفاع المدني المشتركة بين المذهبين الانسجام الشيعي-السنّي.
ليس واضحاً إذا كانت الجهود المحلّية من أجل التعايش ستُترجَم، لتظهر استعداداً من جانب آل سعود لإعادة تفعيل الإصلاحات وتوجيهها نحو الشيعة. في مختلف الأحوال، تؤدّي المبادرات الأخيرة إلى إبقاء الشيعة منخرطين في الحوار والنشاط السياسي والحؤول دون تحوّل الإحباط من الوتيرة البطيئة للإصلاحات، إلى راديكالية متفشّية على نطاق واسع. المفارقة هي أنه؛ قد لا يقرّ آل سعود بهذه المنافع إقراراً كاملاً، وقد يعرقلونها في الواقع عبر تقديم أنفسهم بأنّهم "الباب الذي يجب أن تمرّ منه جميع المحاولات الساعية إلى إجراء حوار مذهبي" كما يقول أحد الناشطين.

فريد وهري محلّل للسياسة الدولية في راند كوربوريشن عاد مؤخراً من زيارة إلى المنطقة الشرقية في العربية السعودية.