في خضمّ الأزمات السياسية والأمنية التي يشهدها الشرق الأوسط في الأعوام الأخيرة والسياسة الأميركية المتقطّعة لدعم الديمقراطية، شهدت الإمارات العربية المتّحدة الغنيّة بالنفط تنمية اقتصادية واجتماعية سريعة في غياب الإصلاح الديمقراطي الفعلي. تقدّم دبي المثال لحكومة بنت هيكلتها بعناية ونجاح خدمةً لهذه التنمية.
الشروط العامة لمسار دبي الإنمائي موثّقة جيداً. فقد قام قادة دبي التي لا تملك احتياطياً مهماً في مجال الطاقة مقارنة بأبو ظبي، بتنويع الاقتصاد، لتصبح دبي مركزاً إقليمياً للخدمات المالية والأعمال التجارية. لا تزال الحكومة هي القوّة المحفِّزة وراء التنمية في دبي على الرغم من الجهود التي تُبذَل لإنشاء قطاع خاص أكثر تقليدية غير مموَّل من الحكومة. ولا تزال استراتيجية "المنطقة الحرّة" التي تتيح ملكية أجنبية كاملة للمشاريع التجارية في بيئة خالية من الضرائب، تستقطب الشركات المتعدّدة الجنسيات التي تنشئ مكاتب إقليمية هناك، وأحدث مثال عن ذلك شركة هاليبورتون. تدير الحكومة هذه المناطق الحرّة كمشاريع تجارية، مع فرق إدارية مسؤولة عن أهداف النمو والحصيلة المالية. تعمل كل منطقة حرّة بحسب قوانين وتنظيمات موضوعة خصيصاً للمشاريع التجارية الموجودة فيها. غالباً ما تتعارض هذه القوانين مع القوانين الفيدرالية لكنّها لم تسبّب حتّى الآن الكثير من الاحتجاج العام من جانب أبو ظبي، الإمارة الأكثر نفوذاً.
تقع المشاريع الإنمائية الأكبر في دبي، لا سيّما في قطاع العقارات، تحت مظلّة الحكومة أيضاً. جمعت دبي معظم مشاريعها المحلّية والأجنبية في شركتَين: دبي وورلد ودبي هولدينغ (تحتوي الأولى على نحو 105 شركات مختلفة والثانية على 26 شركة مختلفة). ستستمرّ هاتان الشركتان في تمويل مشاريع إنمائية واسعة النطاق وتنفيذها، مثل دبي لاند والجميرة بالم أند وورلد قبالة الشاطئ. في مرحلة معيّنة، كانت الشركة العقارية الخاصة إعمار التي تتولّى بناء برج دبي (المخطط له ليكون أطول برج في العالم)، تساهم بالحصّة الأكبر في بورصة دبي المحدودة. لكنّ إعمار أعلنت مؤخراً عن عقد اتفاق "الأرض مقابل الأسهم" مع دبي هولدينغ، وهذا يزيد من سيطرة الحكومة باعتبارها المالكة لأغلبية الأسهم.
تُظهر آخر أرقام الإحصاءات السكّانية في دبي الصادرة في مارس/آذار 2007 أنّ عدد السكّان هو حوالى 1.4 مليون نسمة، أقلّ من عشرين في المئة منهم هم مواطنون إماراتيون. جاء في افتتاحية نُشِرت مؤخراً في "غلف نيوز" بقلم أستاذ في جامعة الإمارات العربية المتّحدة، أنّه بحلول سنة 2025، سيشكّل المواطنون من أصل إماراتي أقلّ من واحد في المئة من سكّان الإمارات العربية المتّحدة إذا استمرّت الهجرة الأجنبية على وتيرتها الحالية. بينما تتقدّم دبي والإمارات العربية المتّحدة نحو هذا النموذج غير المسبوق لدولة من دون مواطنين تقريباً، تتحوّل الحاكمية إلى فعل توازن دقيقً أكثر فأكثر بين سكّان دبي الأصليين والمغتربين.
تُظهر الإجراءات المطبّقة أخيراً حساسية دبي حيال العلاقة بين سكّانها والتنمية. بالنسبة إلى السكّان المحلّيين، تسعى الحكومة أكثر فأكثر إلى إضفاء الطابع الإماراتي على مؤسّسات دبي (تشجيع الإماراتيين على التعلّم والحلول مكان العمّال المغتربين الماهرين). تركّز خطة دبي الاستراتيجية الأخيرة التي أطلقها حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في فبراير/شباط 2007، على التنمية الاجتماعية من خلال إعطاء الأولوية للتعليم والعمالة. حظي معرض الإمارات العربية المتّحدة للمهن الذي أجري مؤخراً بتغطية إعلامية مكثّفة حيث حضر أكثر من مئة مشروع تجاري إلى حرم الجامعات بهدف تعريف الطلاّب الإماراتيين إلى أرباب عملهم في المستقبل.
في حين أنّ إضفاء الطابع الإماراتي على مؤسّسات دبي هو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري، فلا تزال السياسة الحكومية تهتمّ بالقوّة العاملة المغتربة التي تحفّز التنمية في الوقت الحالي. فقد أصبح بإمكان الأجانب شراء العقارات الحرّة وقد خفّفت هذه الخطوة من الاستياء المتنامي لدى المغتربين الذين مُنِعوا من المشاركة في سوق العقارات الذي يشهد طفرة في دبي. في منتصف مارس/آذار، أعلنت وزارة العمل أنّه سيتمّ تعيين حدّ أدنى للأجور في قطاع البناء، وسهّلت أيضاً المعاملات المطلوبة للحصول على أذونات عمل، فأنشأت نظاماً عبر الإنترنت يعمل على مدار الساعة مخصّصاً للشركات التي تتقيّد بقوانين العمل. لكنّ الوزارة تبذل جهوداً أيضاً لفرض تطبيق نظام حصص معيّنة في توظيف الإماراتيين.
في خضمّ كل هذه التنمية في مجالَي الاقتصاد والمشاريع التجارية، أعار الإماراتيون مسألة الإصلاح السياسي اهتماماً أقلّ بكثير من الاهتمام الذي يعيره إياه عرب كثر في بلدان أخرى. حتّى الخطوة الحذرة الوحيدة التي اتُّخِذت باتّجاه الإصلاح السياسي – أوّل انتخابات للمجلس الوطني الاتّحادي في الإمارات العربية المتّحدة في ديسمبر/كانون الأول 2006، وهو عبارة عن هيئة استشارية تفتقر إلى الصلاحيات التشريعية – كانت في شكل أساسي تعبيراً سياسياً عن السعي إلى إضفاء الطابع الإماراتي على المؤسّسات.
في الوضع الاقتصادي والديمغرافي الفريد للإمارات العربية المتّحدة، لا داعي كي تضغط الولايات المتّحدة بحزم من أجل تحقيق الإصلاح السياسي. لكن تستطيع أن تعزّز تطوّر هذا النموذج الذي فصّلته دبي على مقاسها، وذلك من خلال الدفاع عن حقوق العمّال وحرّية الصحافة والشفافية الحكومية. سيرسّخ التقدّم في هذه المجالات النمو الاقتصادي لدبي في المدى القصير، وقد يؤدّي إلى بروز نظام سياسي أكثر تحفيزاً للمشاركة في المدى الأطول. توحي الأحداث الأخيرة – لا سيّما مظاهرة نادرة للعمّال قرب برج دبي الذي هو قيد البناء، ومنتدى حول حرّية الصحافة في الإمارات العربية المتّحدة نظّمه طلاّب إماراتيون، والحجم والتأثير المتزايدين للصفحات الإلكترونية المحلية الخاصة – بأنّ هناك فرصة للشروع في معالجة هذه المسائل الحسّاسة.


جيريمي تمانيني حائز على منحة فولبرايت في الإمارات العربية المتّحدة.