شكلت جمعية الوفاق العمود الفقري للمعارضة إثر صدور دستور 2002، واعتبرت دستور 2002 تراجعا عما جاء في ميثاق العمل الوطني، ليضعف كثيرا سلطة البرلمان المنتخب لصالح سلطة الملك والسلطة التنفيذية ومجلس الشورى المعين. ثم جاء المرسومان بممارسة الحقوق السياسية وقانون مجلس الشورى والنواب ليكرس نظاما برلمانيا شكلي، وسلطة تشريعية منقوصة.
لكن قوى المعارضة اختلفت حول الموقف من خوض الانتخابات النيابية والمشاركة في التجربة البرلمانية، فخرجت جمعيتا المنبر التقدمي والوسط من التحالف وبقيت الجمعيات الأربع (الوفاق، ووعد، والتجمع القومي، والعمل الإسلامي) والتي شكلت ما يعرف بالتحالف الدستوري على موقفها من مقاطعة الانتخابات.
وقد نجحت المعارضة في التعبئة ضد المشاركة بالانتخابات النيابية بحيث لم تتعد المشاركة 47% ممن يحق لهم التصويت حسب مصادر المعارضة و51% حسب المصادر الرسمية.
ضمنت الحكومة أغلبية مريحة في مجلس النواب فيما ضمن مجلس الشورى (40 عضوا) المعين مضمون سلفا واستمرت الحكومة في إصدار القوانين والتشريعات المقيدة للحريات، كما فشلت كل محاولات الاستجواب أو التحقيق في قضايا الفساد والتجنيس السياسي ونهب أراضي الدولة.
وخلال الفصل التشريعي الأول 2002-2006 استنزفت الحكومة المعارضة بقيادة الوفاق، حتى أجبرتها وحلفاءها على التراجع عن المقاطعة. وحوصرت المجالس البلدية التي تسيطر عليها الوفاق بحيث لم تستطع عمل شيء يذكر، وكبلت تنظيماتها بقانون تنظيم الجمعيات السياسية لعام 2005 ووضعت تحت رقابة صارمة، وصدرت قوانين تحد من النشاط السياسي والجماهيري المعارض.
وعلى امتداد هذه السنوات حاولت الوفاق تنظيم وتعبئة صفوف الشيعة من جهة، وترتيب صفوف المعارضة في مواجهة الحكومة وتبني برنامج وطني لمواجهة سياسة النظام من جهة أخرى.
و تكتلت المعارضة في المؤتمر الدستوري الذي يعقد سنويا للتعبئة ضد دستور 2002 وما ترتب عليه من مؤسسات وما صدر من تشريعات وقرارات لكن الحكومة حاصرت المؤتمر ونشاطاته. لجأت الوفاق إلى المساجد والجوامع لطرح ورؤاها مستندة إلى شرعية دينية بقيادة المجلس العلمائي. كما استفادت الوفاق وحلفاؤها من هامش الحرية لحشد الجماهير لتأييد مواقفها حول قضايا محلية أو قضايا قومية مثل فلسطين و العراق. وإذا كانت الحكومة قد أظهرت تساهلا في البداية إلا أنها أظهرت تشددا متزايدا بحيث قمعت الفعاليات غير المرخصة ولاحقت النشطاء و اعتقلت جامعي التوقيعات للعريضة الدستورية الشعبية.
لاشك أن غياب الوفاق عن البرلمان وانقطاع العلاقات مع الحكومة استخدم مبررا لاستمرار تدهور الأوضاع وخصوصا أوضاع الشيعة، مثل أزمات البطالة والسكن والخدمات وغيره. كما إن فشل المعارضة في إجبار الحكومة على تقديم تنازلات وخصوصا بالعودة إلى دستور 1973، أو بتغيير النظام الانتخابي وتوزيع الدوائر قد استخدم ضد المعارضة واتهامها بالسلبية تجاه الأمر الواقع.
يضع القانون ضوابط كثيرة على التنظيمات السياسية، ولهذا كان أمام الوفاق إما التسجيل بموجب القانون وتكييف أوضاعها وإما عدمه لتصبح تنظيما غير شرعي. لقد تسبب ذلك في جدل داخل الوفاق بين تيار القائد التاريخي حسن مشيمع، تيار عدم التسجيل، وتيار الأغلبية وبمباركة من المجلس العلمائي الذي يؤيد التسجيل، وهكذا انشق حسن مشيمع عن الوفاق، وسيشكلون لاحقا حركة الحريات والديمقراطية (حق) كحركة جماهيرية غير مرخصة وشعارها قانون الحق وليس حق القانون،. حيث اعتبرت دستور 2002 باطلا وكل ماترتب عليه باطل.
مرة أخرى دخلت الوفاق في مخاض عنيف، كان ذلك في اتخاذ قرار المشاركة أومقاطعة االانتخابات النيابية والبلدية المقرره في اكتوبر 2006، وعقدت اجتماعات ومؤتمرات مكثفة تكللت بقرار المشاركة وبمباركة من المجلس العلمائي أيض، ولكن بعد أن خلفت جروحاً في جسم الوفاق وذلك بانضمام عدد كبير من كوادرها لحركة حق.
عمدت الوفاق إلى إعادة تنظيم صفوفها فعقدت مؤتمرها العام الذي أقر البرنامج الانتخابي وانتخب مجلس الشورى و الأمانة العامة وهيئة التحكيم. ثم تم إقرار ار إستراتيجية الحملة الانتخابية واختيار مرشحي الوفاق. وقد بنت الوفاق استراتيجيتها على مبدأ أن في كل دائرة 50% أو أكثر من مؤيدي الوفاق فإنها سترشح وفاقيين، أي الانفراد بالدوائر ذات الأغلبية الشيعية.
ولكن لم تتشكل قائمة موحدة للمعارضة تضم الوفاق وحلفاءه. لكن الوفاق دعمت( وعد) في الدوائر المختلطة وواجهتها فى دائرتين ذات أغلبية شيعية، ودعمت حليفها عزيز ابل في دائرة مختلطة. = وهكذا فازت الوفاق ب 17 مقعدا من 18 ترشحت لها إضافه إلى حليفها عزيز ابل.
استفادت الحكومة من تشرذم المعارضة وعمدت بمختلف السبل لإسقاط مرشحي وعد والمعارضة غير الطائفية وترتب على ذلك مجلس للنواب متكون من كتلتين طائفتين متواجهتين. السنة ( الأصالة والمنبر الإسلامي والمستقلين) ولهم 22 مقعدا والشيعة (الوفاق ) وحليفهم ولهم 18 مقعد.
في ضوء هذه التركيبة ضمنت الحكومة أغلبية موالية، ورئيس مجلس موال ورئاسة مجلس بأغلبية موالية أيض. وهكذا وجدت الوفاق نفسها وهي التي حازت على مايزيد عن 50% من  الأصوات، كأقلية في البرلمان مواجهة بأغلبية موالية متماسكة، ستشل حركته، وتحرمها من تحقيق أي إنجاز يذكر لصالح طائفتها وجمهورها والمعارضة ككل. وبالتالي ضرب مصداقيته.
وهكذا تواجه الوفاق تحدياً مزدوجاً فهي في البرلمان تواجه كتلة موالية ذات أغلبية، وستواجه في الشارع بتحدي حركة حق، التي باتت تستقطب المزيد من قواعد الوفاق، وتحرجها لدى جماهيره.
فلم تعد الوفاق هي من يمثل الجماهير الشيعية المحرومة، وإنما
حركة حق التي تصدرت تمثيل هذه الجماهير، متحللةً من القيود الشرعية والقانونية.

عبد النبي العكري باحث حقوقي بحريني ومتخصص في المجتمع المدني.