إذا كان أحد مقتنعا بأن الرئيس جورج بوش ينجح فى العراق، فيمكنه أن يقتنع بأن مبارك يجرى إصلاحا، والحقيقة أن لا بوش ينجح، ولا مبارك يصلح. ما جرى هي عملية تجميل، قام بها مزين بدائي، فحول الوجه إلى مهرج. إن التعديلات الدستورية تسمح بتشكيل لجنة عليا للإشراف على الانتخابات يعينها رئيس الجمهورية لا يعرف عنها أحد شيئا سوى هذا الرئيس. إن الانتخابات في مصر يحتكرها حزب مبارك، وتزورها أجهزة الأمن التابعة له، والتي لا تخضع لأي إشراف أو محاسبة. كيف يمكن لأي حزب أن ينتصر على حزب مبارك، إذا كانت هناك لجنة مهمتها الموافقة على إنشاء الأحزاب، والمفارقة أن الحزب الوطنى يرأسها ! والبرلمان يحتكره أعضاء حزب مبارك الذين أتوا عبر انتخابات مزورة، فكيف يعقل أن يملك هؤلاء سلطة أكبر من سلطة الرئيس، إذا كانوا كلهم صنيعته!
على المستوى النظري يبدو كلام الحكومة جميلا، لكن مصر هي التفاصيل، كل الأحزاب الفاشية فى العالم والتى سببت الحروب وقتلت مواطنيها، حمل اسمها صفة الوطني والديمقراطي، ولكن هل كانت هذه الأحزاب وطنية وديمقراطية فعلا؟ يحمل الحزب الوطني فى مصر ذات الاسم الذي كان للحزب النازي في ألمانيا. مبارك يتحدث طول الوقت عن حقوق الإنسان، وفي مصر 18ألف معتقل، والمخابرات المركزية ترسل معتقلين للتعذيب، فهل نصدق كلامه أم أفعاله؟
لن تقدم هذه التعديلات فرصة أفضل لصالح الأحزاب العلمانية. الحزب الوطنى أكثر الأحزاب تخلفا وجمودا، فقد قاد دينيا حملة رهيبة على وزير الثقافة فاروق حسني، لأنه أبدى رأيا سلبيا فى المحجبات. وهو الحزب الذى يصر على استطلاع رأي رجال الدين فى قانون نقل الأعضاء غير المسموح بصدوره، وهو الحزب الأكثر احتفالا بالمناسبات الدينية، الحزب الوطنى أدخل مادة في الدستور تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فى الدولة، وهو الذى رفض بكل قوة مناقشة تعديل هذه المادة، وهو حزب لايجرؤ أن يقول علنا أنه حزب علماني، ولا يمكنه أن يقول كلمة إيجابية عن العلمانية فى مواجهة مواطنيه. أنا أتحدى كل قيادات الحزب، من حسنى مبارك ونجله، حتى أصغر شخص فيه، أنه يستطيع ذلك. هذا حزب يتاجر بمشاعر الناس مثل التيار الديني تماما، هو يتاجر بمشاعر الأقباط ليحظى برضاهم، وهو يخدع السذج فى أمريكا بهذه الثرثرة حول رفض الأحزاب على أساس ديني، والغريب أن حكم مبارك يرفض الأحزاب القائمة على أساس علماني أو مدني، وليس ديني فقط ، فاللجنة التي يرأسها الحزب الوطني، تمنع كل الأحزاب، فيما عدا أحزاب تافهة وشكلية، ويرأسها مغمورون وتابعون لأجهزة الأمن وليس لهم أي جماهيرية!
لن يوفر تأسيس لجنة انتخابات مستقلة وفق تعديل المادة 88 أي فرص أفضل. لا يوجد أي أمل طالما كان مبارك ونجله موجودين على الساحة فالرهان صفر، لا يُنتظر شيء من مبارك كما لا يُنتظر شيء من روبرت موجابي أو من عيدي أمين، الطغاة لا يتوبون فى آخر أيامهم. وفرعون موسى، لم يؤمن بموسى، إلا لحظة غرقه في النهر!
لا يستطيع مبارك العيش لحظة بدون حماية من قوانين استثنائية، سواء كانت قانون طوارئ أو قانون إرهاب، ويشبه الأمر بعد التعديلات الدستورية صاحب محل دجاج، وجد الناس منزعجين من طهوه، وبدلا من أن يغير الدجاج وطهوه، أطلق على المحل اسما جديدا بنفس البضاعة القديمة. وبدلا من قانون الطوارئ سُمي قانون مكافحة الإرهاب. حسنا. فرانكشتين أطلق على نفسه اسم جوزيف فما الذي تغير تبعا لذلك؟
الحقيقة أن الرئيس مبارك يعيش في عالم افتراضي منذ فترة، ويتخيل أنه يقوم بإصلاح سياسي وأن الوضع يسير للأمام، وأن هناك تقدما اقتصاديا، والمؤكد أن الرئيس أقرب ما يكون إلى بطل فيلم "ترومان شو" والفرق بين ترومان شو ومبارك شو هو أن بطل الفيلم الأمريكي لم يكن يعرف أن كل ما حوله ديكور وعالم زائف، لكن في مصر المُُنتج هو البطل، وهو المخرج، وهو الذي يعيش في عالم مصنوع وليس حقيقيا، يعيش في ديكور مصر وليس حقيقة مصر، ثم يغضب عندما نقول أنه لا يوجد إصلاح، وأننا لا نتقدم، ولا حتى نتأخر. نحن نهبط إلى القاع، ولانزال، بمنتهى الحماس، نحفر نحومزيد من العمق إلى مزيد من القاع!

إبراهيم عيسى رئيس التحرير للصحيفة المصرية المستقلة الدستور.