كثرت التكهّنات في الأشهر الماضية بأنّ الملك عبدالله سيمارس صلاحيّاته الدستورية لإرجاء الانتخابات البرلمانية الأردنية المزمع إجراؤها هذا العام. ومن الأسباب المحتملة، التي ذُكِرت، عدم الاستقرار في المنطقة، والأحزاب الحاكمة الإسلامية في العراق وفلسطين، والتململ من ارتفاع التضخّم وخفض الإعانات في الأردن. وقد عارضت منظّمات وشخصيات وطنية كبرى، لا سيّما "المركز الوطني لحقوق الإنسان" و"مجلس رؤساء النقابات المهنية"، بشدّة التأجيل. إلاّ أنّ الملك عبدالله وضع حداً للتكهّنات في الثاني من مارس/آذار الماضي، وأعلن خلافاً لنصيحة بعض أقرب مستشاريه، أنّ الانتخابات ستجرى هذا العام.
مع انطلاق عجلة الانتخابات، يوضع القانون الانتخابي المثير للجدل في الأردن على المحك من جديد. دعت شخصيّات ومنظّمات نافذة، لا سيّما أمين عام "جبهة العمل الإسلامي"، زكي بني أرشيد، وصحيفة "جوردان تايمز"، الحكومة إلى تغيير قانون "الصوت الواحد" المطبَّق في الانتخابات النيابية منذ عام 1993. بحسب هذا النظام، يحقّ لكلّ ناخب التصويت لمرشّح واحد بغضّ النظر عن عدد المقاعد النيابية المخصّصة للدائرة الانتخابية التي ينتمي إليها هذا الناخب. ليس هذا النظام لمصلحة الأحزاب السياسية لأنّه لا يسمح لها بترشيح لوائح في كلّ دائرة انتخابية نظراً إلى أنّه يحقّ للناخب اختيار مرشّح واحد فقط. يصبّ القانون بالتالي فيً مصلحة المرشّحين المستقلّين الذين تجمعهم روابط شخصية أو قبلية قويّة بعدد كبير من ناخبي الدائرة (وليس بالضرورة غالبيّة الناخبين).
وطالب قادة المعارضة أيضاً بتمثيل انتخابي أكثر إنصافاً. فعدد الناخبين لكلّ مقعد برلماني يختلف كثيراً من دائرة انتخابية إلى أخرى. وبحسب "المنظّمة الدولية للتقارير عن الديمقراطية" فإن "المثال الأبرز على الفارق الكبير هو أنّ عدد الناخبين لكلّ مقعد نيابي في دائرة عمّان الثانية هو تسعة أضعاف عدد الناخبين في دائرة كرك السادسة". والنتيجة هي أنّه على الرغم من أنّ محافظتَي عمّان وإربد تضمّان 57 في المئة من ناخبي الأردن، تملكان فقط 38 في المئة من المقاعد النيابية. ليس من قبيل المصادفة أنّ المحافظات المدينية الممثَّلة بعدد مقاعد أقلّ من اللازم تملك عدداً كبيراً من السكّان من أصل فلسطيني، وأنّ المحافظات الريفية في معظمها الممثَّلة بعدد مقاعد أكبر من اللازم، تُعتبَر دعائم أساسيّة للنظام.
اقترحت "جبهة العمل الإسلامي"، وهي الحزب السياسي الأقوى والأفضل تنظيماً في الأردن، استبدال نظام الصوت الواحد بنظام مختلط. بموجب هذا الاقتراح، يُخصَّص نصف المقاعد النيابية للوائح حزبية وطنية من خلال التمثيل النسبي والنصف الآخر لدوائر جغرافية فردية. بهذه الطريقة يصبح لكلّ ناخب صوتان، الأوّل للائحة وطنية والثاني لمرشّح عن الدائرة. يشبه هذا الاقتراح النظام الانتخابي الفلسطيني الذي استُعمِل عام 2006، وفي حين أنّ حركة "حماس" حقّقت أداء جيداً غير متكافئ مع حجمها في الدوائر الجغرافية المتعدّدة المقاعد، تُظهِر استطلاعات الرأي أنّ "جبهة العمل الإسلامي" ستحقّق أداء أفضل بكثير من الأحزاب الأخرى في التنافس على المقاعد المنتخَبة بحسب التمثيل النسبي. ولا يروق النظام الذي يضمّ عنصر التمثيل النسبي "جبهة العمل الإسلامي" فحسب، إنّما أيضاً يروق لبعض الليبراليين واليساريين الذين يرون فيه فرصة لإنشاء أحزاب تملك برامج سياسية وطنية وتستطيع في نهاية المطاف التنافس مع "جبهة العمل الإسلامي".
معارضو إصلاح القانون الانتخابي هم الأجهزة الأمنية والنوّاب المنتخَبون انطلاقاً من قواعد قبليّة ضيّقة بموجب قانون 2003، وبعض الأشخاص داخل الديوان الملكي. لأنّ التمثيل النسبي يؤدّي إلى زيادة عدد الإسلاميين في البرلمان، ولهذا لا يريد كثر في هذه المجموعات سوى تغييرات سطحية مثل زيادة مقعد أو مقعدين إلى الدوائر التي تحظى بأقلّ نسبة من التمثيل أو انتخاب عشرة في المئة فقط من المقاعد النيابية من خلال التمثيل النسبي.
كشف قانون الأحزاب السياسية الجديد الذي أقرّه الأردن في مارس/آذار الماضي، طبيعة الجدل حول هذه المسائل؛ فالنوّاب اقترحوا فرض شروط أصعب على الأحزاب، من تلك التي اقترحتها الحكومة. زاد القانون الجديد عدد الأعضاء الواجب توافرهم لتسجيل حزب أو الإبقاء على وضعه القانوني، من خمسين إلى خمسمئة، ورفع الحدّ الأدنى للمقاطعات التي يجب أن يستمدّ منها الحزب أعضاءه. والأحزاب الموجودة حالياً التي لا تلبّي هذه المقتضيات سوف تُحَلّ. يدخل القانون حيّز التنفيذ بعد الانتخابات البرلمانية هذا العام.
قاطع ائتلاف من الأحزاب، ومن بينها "جبهة العمل الإسلامي"، النقاشات مع الحكومة حول قانون الأحزاب السياسية المقترح؛ وكان هناك كلام يدور حول التشكيك في دستورية القانون. على الرغم من أنّ "جبهة العمل الإسلامي" لن تجد صعوبة في تلبية المقتضيات الجديدة، من شأن أحزاب أخرى أن تواجه صعوبات – وبدأت الجبهة تدرك أنّ الفرص المتاحة أمامها ستكون أكبر في نظام متعدّد الأحزاب. من شأن منافسة قويّة بين "جبهة العمل الإسلامي" وأحزاب ليبرالية (أو يسارية) أن يخفّف من الضغوط التي تمارسها حالياً مصادر إسلامية أخرى على الجبهة. علاوةً على ذلك، فإنّ أنظار الأجهزة الأمنية الأردنية مركَّزة الآن على الجبهة؛ وإذا أصبحت الحزب المعارِض الوحيد، يخشى البعض أن تكون الخطوة التالية إلغاء الأحزاب السياسية جملةً وتفصيلاً. في المقابل، من شأن الترسيخ القسري للأحزاب الصغيرة والضعيفة أن يولّد حزباً قوياً يتحدّى موقع الصدارة الذي تحتلّه "جبهة العمل الإسلامي".
على الرغم من النقاشات الجارية، قلّة يأملون حصول تغييرات أساسية في نظام الصوت الواحد في الانتخابات المقبلة. لا يتوقّع الإصلاحيون الأكثر تفاؤلاً سوى تعديلات سطحية. فمجلس النوّاب الذي انتهت دورته العادية لعام 2007، منعقدٌ الآن في دورة استثنائية بناءً على طلب الملك – لكن على الرغم من مطالب المعارضة، فإن إقرار قانون انتخابي جديد ليس وارداً على جدول الأعمال. نتيجةً لذلك، فإنّ أيّ تغييرات قد تُدخَل إلى القانون الانتخابي، ستُصدِرها الحكومة في شكل قانون مؤقّت من دون نقاش أو تصويت في مجلس النوّاب.

ديفيد م. دوبارتولو حاصل على منحة "فولبرايت" للقيام بأبحاث حول الأردن.  رئيس "مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط" الذي أطلق في الآونة الأخيرة مدونته على الإنترنت (بلوغ) على العنوان الآتي blog.pomed.org.