ما هي قراءتك للأزمة السياسية الراهنة في لبنان في ظل النزاعات المتعددة الأوجه؟
الأزمة الأساسية هي أزمة دولة لم تبدأ عملية بنائها بالشكل الصحيح، لأن كل محاولات بناء الدولة أجهضت وأخفقت، ولم تتوصل لبناء مؤسسات من شأنها أن تعالج وتدير التنوع الطائفي والسياسي. ولكن لا يخفى على أحد أن لبنان في موقع تجاذب سواء في محيطه المحلي، أو على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك يؤثر على مواقف بعض الفرقاء السياسيين الذين لا يخفون ارتباطاتهم وتحالفاتهم مع الخارج وهذا أمر مشروع طالما لايخرج على حدود السيادة اللبنانية. لا يمكن أن تكون القوى السياسية في لبنان بمعزل عن أي ارتباط أو تحالف خارجي ولكن يجب وضع حدود لهذا التحالف كي لا يسيء إلى لبنان الدولة من خلال مؤسسات ومن خلال دستور يحمي هذه المؤسسات وينظم عملها. المشكلة أن الدستور اللبناني الذي وضع عام 1926، وتم تعديله عام 1990 بعد اتفاق الطائف ينطوي على عدد من مشاريع العرقلة، وقد استخدمت القوى السياسية هذا الدستور لتذهب في اتجاهات معينة.

يعاني لبنان إذن من أزمة في إدارة مؤسساته. في رأيك أين وقع الفشل وما هو الطريق إلى الحل؟
جميع المؤسسات أخفقت في الذهاب باتجاه الدولة. وذلك لعدة أسباب، الأول هو أنه لا شك في أن أزمة رئاسة الجمهورية بدأت يوم جرى التمديد للرئيس أميل لحود في شكل لا يشبه النظام اللبناني الذي يشجع التناوب على السلطة. الدولة اللبنانية بدت مختلفة عن محيطها فيما يتعلق بهذا الأمر، ولم نر رؤساء يريدون أن يصبحوا ملوكا، بل شهدنا منذ 1946 أزمات كبرى، عند محاولة أي رئيس في التمديد والتجديد على غرار ما يجري في العالم العربي. و تمديد ولاية الرئيس لحود ألقت بثقلها على مستوى العلاقة بين لبنان والمجتمع الدولي و القرار 1559 الذي جاء قبل يوم واحد من التمديد، وبين عدم الرضا على هذا المسار. ودفع اللبنانيون والرئيس لحود نفسه ثمنا باهظا نتيجة لهذا التمديد. السبب الثاني، وهو يتعلق برئيس مجلس النواب نبيه بري فهو من الشخصيات التي حاولت أن تذهب باتجاه الحوار ودعا لعقد طاولة الحوار ولكن لا يمكن أن ينظر إليه على أنه رئيس مجلس النواب فقط وإنما هو زعيم قوى سياسية في البلد. بالتالي قد تكون لدينا تحفظات على موقفه على مستوى إدارة الأزمة دستوريا و لكن كان من الصعب اتخاذه موقف آخر. قد لا أكون موافقا على عدم دعوته مجلس النواب، ولكن لا يمكن القول أن الرئيس بري يحتجز مجلس النواب دستوريا لأنه غير ملزم بتعيين موعد جلسة نيابية. المطلوب من الرئيس بري إدارة لعبة الحوار وأن يتبعد عن دور الطرف لأنه بات الوحيد المؤهل لهذا الدور. السبب الثالث هو وقوع رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة تحت ضغط كبير. نجحت حكومته على أصعدة عديدة خاصة على المستوى التفاوضي واستطاعت بالإجماع أن تأخذ قرار 1701 تحت الفصل السادس وليس السابع، وكانت البنود السبعة التي أقرتها الحكومة مهمة للغاية لأنها أشارت إلي إمكانية إجراء حوار لبناني- لبناني في قضايا إشكالية للغاية مثل سلاح حزب الله الذي يشير إليه قرار 1701 بكلام يرمي إلى نزعه بهذه البساطة. تؤشر البنود السبعة لإمكانية حل لبناني لهذا الموضوع. المشكلة اليوم هي الاصطفاف الحاصل ولست أدري إن كان بالإمكان الحؤول دونه سابقا. إن الخيام، والوضع القائم بالقرب من مقر رئاسة الحكومة، لا تعطيها هامشا واسعا للتحرك، وأصبح الرئيس السنيورة محتجزا في هذا المشهد المؤسف والذي لا يشبه لبنان بمعنى الحوار المستمر وإمكانية تدوير الزوايا. هذا البلد لم يعرف يوما جماعة تستطيع أن تتسلط على الدوام على غيرها من الجماعات، وهذا التنوع كان يفرض نوعا من التوازن الداخلي. هذه الرئاسات الثلاث مأزومة، وأعود للفكرة الأساسية أنه لا يمكن تصور الحل للبنان إلا إذا أعدنا النظر في كيفية عمل مؤسساتنا.

يبدو أن الحكومة اللبنانية تسير في طريق يختلف عن مطالب المعارضة خاصة فيما يعود إلى إقرار مشروع المحكمة الدولية. هل يمكن أن تؤدي هذه المواجهة إلى تكريس التأزم الدستوري والقانوني؟
أعتقد أن الحكومة لا تستطيع أن تعطي المعارضة كل ما تطالب به لأسباب ترتبط بتوازن القوى السياسية. الحكومة مدعومة من أكثرية نيابية وما حدث في الشارع كان بسبب عدم إمكانية حدوثه في مجلس النواب. ستضطر الحكومة والمعارضة للتنازل عن بعض المطالب ولكن التشنج الحاصل وإستمرار كل فريق على موقفه هو نتيجة معرفة كل فريق أنه يوجد توازن في القوة بين الفريقين. لا أحد يتقدم على الآخر منذ أشهر ومنذ بدأ الاعتصام لم نر نتائج حاسمة. أما الشق المتعلق بالمحكمة الدولية والعريضة التي رفعها سبعون نائبا للأمين العام للأمم المتحدة بإقرار مشروع المحكمة الدولية، تقنيا هذه العريضة لا تشكل تجاوزا للمؤسسات. كان لافتا جدا عدم وجود اعتراض واسع النطاق على هذه العريضة، وقد يكون مناسبا للجميع إقرار نظام المحكمة تحت الفصل السابع وبذلك تكون المعارضة والرئيس بري قد أخذوا موقفا من المحكمة، ولكن إذا أقرت العريضة في مجلس الأمن، فقد تجنبوا الإحراج وتخطوا هذه الأزمة.

هل يمكن اعتبار هذا السيناريو مخرجا؟
قد يكون هذا السيناريو مخرجا ولكن لا أستطيع إلا أن أتحفظ على هذا المخرج، بسبب خطورة الفصل السابع إذا لم يتم توافق حوله في لبنان. وإذا ذهبنا باتجاه الفصل السابع، كيف سنفرض تطبيقاته عمليا؟ لست واثقا من أن الأمم المتحدة على استعداد للذهاب في اتجاه سابقة، و هي تشكيل محكمة تحت الفصل السابع للتحقيق باغتيال شخصية ما. هذا أمرغير مسبوق في الأمم المتحدة وربما تستعمل روسيا والصين حق النقض. حين أنشئت المحاكم الدولية في رواندا وكوسوفو، وكانت هناك دائما قوة دولية تحت الفصل السابع تساند قيام المحكمة على مستوى الإجراءات والتحقيق وتوقيف الأشخاص المتورطين أو المشتبه بهم. كيف نطبق ذلك إذا كانت لدينا قوة دولية في جنوب لبنان تحت الفصل السادس، ومحكمة تحت الفصل السابع؟

هل تتوقع أن يتم آنذاك تعديل دور القوة الدولية لتصبح تحت الفصل السابع؟
أي تحويل للقوة الدولية من الفصل السادس للفصل السابع لا يعتبر تحويلا إجرائيا وإنما تحويلا سياسيا. تخطي البنود السبعة والقرار 1701 وضرورة استصدار قرار جديد من الأمم المتحدة، كلها مسائل مطروحة للبحث، ولكن بالمقابل أيضا ثمة من يقول أن بين المحكمة تحت الفصل السابع واللامحكمة نفضل الأولى. فلنتصور القرار 1701 خارج الإجماع اللبناني وتحت الفصل السابع. قد تكون النتائج كارثية إذا ذهبنا بهذا الإتجاه، ولكن أيضا لا يمكن أن نقول لأهل الضحايا وللقوى السياسية التي اعتبرت أنها مستهدفة انه لن تقر محكمة دولية، فإذا كان علينا الاختيار بين اللامحكمة أو المحكمة، نقول بضرورة المحكمة. من مصلحة اللبنانيين وتحديدا المعارضة أن تقر المحكمة تحت الفصل السادس وليس السابع، ولذلك أن يصار إلى إقرار نظام المحكمة التي لا تقول المعارضة أنها ضدها، وإنما لديها تحفظات وبعض تحفظاتها قد تكون مشروعة.

أجرت المقابلة أميمة عبد اللطيف، صحافية مصرية ومنسِّقة مشاريع في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت.