ركّز الجزء الأكبر من الجدل حول التعديلات الدستورية في مصر، على موادّ منفردةً مع التعتيم إلى حدّ كبير على الأسباب الكامنة وراء هذه التعديلات: تحقيق توازن أكبر للقوى بين السلطتَين التشريعية والتنفيذية وإعادة بناء المركز السياسي.
في سبيل كبح سلطات الرئيس، وهو مطلب أساسي للمعارضة منذ وقت طويل، فرضت التعديلات ضوابط على صلاحيّاته الاستثنائية عند إعلان حال الطوارئ، بما في ذلك منع واضح لحلّ المجلس النيابي إلاّ في "ظروف استثنائية"، وفي هذه الحالة يجب أن يدعو إلى انتخابات جديدة في غضون ستّين يوماً. علاوةً على ذلك، تعزّز التعديلات إلى حدّ كبير سلطات رئيس الوزراء عبر طلب موافقته على القرارات التنفيذية المهمّة. في حين لا يزال الرئيس يعيِّن رئيس الوزراء ويقيله، ويحق للمجلس أن يحجب الموافقة على تعيينه أو إقالته، ما يقتضي من الرئيس أن يقبل استقالة الحكومة أو يحلّ المجلس النيابي.
تنشئ هذه التغييرات، إلى جانب السلطة التي يملكها مجلس النوّاب الآن على الموازنة الوطنية والسلطات التشريعية الممنوحة لمجلس الشورى، رابطاً مباشراً بين حزب (أو ائتلاف) الغالبية في مجلس النوّاب وتركيبة الحكومة وبرنامجها السياسي. هكذا توضع القرارات المتعلّقة بالموارد الوطنية والسياسات الحكومية في قلب الجدل بين السلطتَين التشريعية والتنفيذية. يجب اعتبار السلطة الممنوحة للرئيس لإقالة مجلس النوّاب بمثابة الملاذ الأخير لإنهاء المأزق السياسي.
الركيزة الأساسية الثانية في حزمة التعديلات، هي محاولة تحقيق تعدّدية أكبر في نظام الأحزاب في مصر الذي أصيب بالضمور في ظلّ نظام انتخابي يعزّز المرشّحين الأفراد على حساب الأحزاب السياسية، والمسائل المحلّية على حساب السياسة الوطنية. كانت الانتخابات تميل لمصلحة المرشّحين الذين يملكون أكبر قدر من الموارد، في حين تقلّل من أهمّية الانتماء إلى حزب والمواقف حول مسائل الشأن الوطني. وقد تطلّبت معالجة هذا الوضع نظاماً انتخابياً مختلطاً يتضمّن عناصر التمثيل القائم على النسبية والدائرة الفردية على السواء، وكذلك تأمين إعطاء النساء حداً أدنى من التمثيل في المجلس النيابي.
لم يكن الدافع وراء منع الأحزاب الدينية، كما قال البعض، إلغاء "الإخوان المسلمين" من السياسة، بل فصل الدين عن السياسة. في هذا الإطار، ليست مصر تجربة فريدة على الإطلاق في المنطقة. هناك مادّة شبه مماثلة في الدستور التركي، ليست النيّة وراءها إقصاء الإسلاميين من السياسة، بل تحديد عتبة ينبغي عليهم اجتيازها ليُعتبَروا حزباً سياسياً، وتتمثّل في الواقع بإسقاط الأساس الديني من برامجهم السياسية.
على الرغم من الاعتراضات التي عبّرت عنها أحزاب المعارضة في ما يتعلّق ببعض نواحي التعديلات، جرى التوصّل إلى توافق على 32 من أصل 34 تعديلاً مقترحاً. وقد ركّزت المعارضة على مسألتَي الإشراف القضائي على الانتخابات، والتوازن بين الأمن والحرّيات المدنية في مكافحة الإرهاب.
تسعى المادّة المعدَّلة 88 إلى تخطّي التحدّيات اللوجستية الضخمة التي تترتّب على الإشراف القضائي المباشر على عمليّة الاقتراع في ذاتها. وهي لا تلغي دور القضاء بل تنقله إلى مستوى الإشراف العام على العمليّة الانتخابية من خلال لجنة انتخابية مستقلّة كما هو معمول به على الصعيد الدولي. يدحض السجلّ التاريخي المخاوف التي يعبّر عنها البعض بأنّ من شأن هذا الأمر أن يقوّض نزاهة العملية؛ ففي عام 1987، أي قبل بدء العمل بنظام الإشراف القضائي المباشر، استطاعت أحزاب المعارضة الفوز بأكبر حصّة لها في مجلس النوّاب حتّى يومنا هذا.
بالطريقة عينها، يجب وضع المخاوف المتعلّقة بانتهاك المادّة 179 للحرّيات المدنية في سياقها الصحيح. الهدف هنا هو استبدال حال الطوارئ بقانون لمكافحة الإرهاب يضع تعريفاً واضحاً للجرائم الإرهابية ويحدّد السلطات التي تتمتّع بها القوى الأمنية في مكافحة الإرهاب.
تمهّد التعديلات مجتمعةً الطريق لمرحلة انتقالية باتّجاه إنعاش نظام الأحزاب وفرض ضوابط أقوى على السلطة التنفيذية. على غرار كلّ المراحل الانتقالية المماثلة، ستستغرق هذه المرحلة وقتاً لتنضج. لذلك يجب الحكم على قيمة هذه العمليّة انطلاقاً من قدرة التعديلات على تحقيق تلك الأهداف، الأمر الذي يتوقّف في نهاية المطاف على الممارسة الفعلية للسياسة أكثر منه على المعايير التي يحدّدها الدستور الآن.

كريم حجّاج هو مدير مركز الإعلام المصري في واشنطن.