ستظل حادثة "ميليشيات الأزهر"، والتي قام فيها بعض طلاب جماعة الإخوان المسلمين بجامعة الأزهر باستعراض فنون ومهارات القتال أوائل ديسمبر 2006، علامة فارقة في علاقة الجماعة بالنظام المصري، ولا غرو في أن البعض يؤرخ للعلاقة بما قبل وما بعد الحادثة.
ليست المرة الأولى التي يصطدم فيها النظام الحالي، بالجماعة، ولكنها الأكثر عنفاً وتأثيراً خلال حكم مبارك. وقد بدأ الصراع، بالصدام الشهير عام 1992 في "قضية "سلسبيل" حيث حاولت الجماعة إعادة تشكيل هيكلها التنظيمي ، مروراً بالقضايا العسكرية لعام 1995 التي تم القبض فيها على حوالي 82 عضواً الجماعة بتهمة العمل على إحياء تنظيم يسعى لإسقاط نظام الحكم، وقد ربطت جميعها بقضية أمن دولة عليا عام 1995 . تلتها قضية تأسيس حزب سياسي "الوسط" عام 1996 ضمت 11 شخصاً تمت إحالتهم ً للقضاء العسكري وكان على رأسهم محمد مهدي عاكف المرشد العام الحالي للجماعة. و في ١٩٩٩ اعتقل في "قضية نقابة المهندسين"، الدكتور محمد علي بشر عضو مكتب الإرشاد وهو معتقل في القضية الحالية. وأخيراً قضية "أساتذة الجامعة" عام 2001 والتي حكم فيها على عدد من الأساتذة بالسجن لمدة خمس سنوات.
الصدام الراهن يبدو مختلفاً، فهو لا يرتبط بعدد المعتقلين من قيادات الجماعة والذي جاوز المائتين خلال شهرين فقط، وإنما أيضا لارتفاع سقف المواجهة إلى حد تحذير الرئيس مبارك من الإخوان واعتبارهم "خطراً على أمن مصر"، وإعلان الإخوان عن عزمهم تشكيل حزب سياسي.
مؤشرات الصدام الحالي عديدة، أولاً، ما يتعلق بلائحة الاتهام الموجهة لما يقرب من أربعين قيادياً بالجماعة تم تحويلهم إلى محكمة عسكرية لا يُقبل الطعن في أحكامها أو استئنافها، منهم خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام، ومحمد علي بشر عضو مكتب الإرشاد، والتي تتضمن، فضلاً عن الاتهامات التقليدية بالانضمام إلى جماعة محظورة تهدف إلى قلب نظام الحكم، تهماً أخرى تتعلق بالإرهاب، وغسيل الأموال، وتشكيل ميليشيا عسكرية على غرار الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وحماس، للمرة الأولى تواجه الجماعة في تاريخها هذه التهم، التي طالت ، ولأول مرة أيضا، أعضاء في التنظيم الدولي للجماعة منهم المليونير المعروف يوسف ندا المقيم بسويسرا، والسوري غالب همت.
ثانياً، ضرب البنية الاقتصادية والمالية للجماعة وذلك بالقبض على عدد كبير من رجال الأعمال وممولي الجماعة في الداخل والخارج والذين يقدر حجم استثماراتهم بنحو 4 مليارات دولار، ناهيك عن قرار النائب العام المصري بالتحفظ على أموال 29 قيادياً في الجماعة ومنعهم من التصرف فيها. وقيل أن الخسائر قاربت 8 ملايين دولار، بينما تقدرها الجماعة بمائتي ألف دولار فقط.
ثالثاً، الصدام مع الجماعة هذه المرة لا يتناسب مع وزنها السياسي، حيث تحتل ما يقرب من 20% من مقاعد البرلمان، وهذا يعني عدم التزام النظام بأي خطوط قد تردعه عن ملاحقة الجماعة.
الأكثر من ذلك أن ثمة محاولات يبذلها النظام المصري حالياً لتحجيم الجماعة "دستورياً"، ومنعها من ممارسة أي نشاط ديني أو سياسي في المستقبل، وذلك من خلال التعديلات الدستورية التي قدمها الرئيس مبارك للبرلمان في 26 ديسمبر الماضي. حيث من المتوقع إضافة فقرة إلى نص المادة الخامسة من الدستور تقضي بعدم السماح لأي فصيل بممارسة أي نشاط ديني أو سياسي أو قيام الأحزاب على أساس ديني أو مرجعية دينية. فضلاً عن تعديل المادتين 62 و 94 المتعلقتين بشكل النظام الانتخابي والذي يقلل فرص مرشحي الجماعة في خوض أي انتخابات تشريعية كمستقلين.
يعكس الهجوم على جماعة الإخوان، دلالات عديدة. أولها رغبة النظام في تقليص توقعات الجماعة، وإنهاء حال "التضخم" الذي عاشته الجماعة طيلة عامين وأدى في النهاية إلى كارثة "ميليشيات الأزهر". وثانيها، استمرار النظام على مدار ربع قرن في التخلص من أي مركز قوة قد يمثل بديلاً محتملاً له. وهو نهج يحكم علاقة النظام بأي فصيل يلقى قدراً من الشرعية المجتمعية، وإن لم يكن من أتباع حسن البنا. وثالثها، إصرار النظام على تأمين انتقال هادئ للسلطة خلال الفترة المقبلة، سواء بعد انتهاء فترة مبارك عام (2011)، أو في حال أي سيناريو بديل مفاجئ.
من جهة أخرى لم يرق رد فعل جماعة الإخوان على أحداث الأزهر إلى المستوى المطلوب، وبدت عاجزة عن مجاراة النظام في حملة التصعيد ، كما فشلت في تقليل مخاوف المجتمع، خصوصاً في أوساط النخبة، من مشهد طلابها "الملثمين" الذي أعاد للأذهان الخبرة العنيفة للجماعة خلال أربعينات القرن المنصرم.
ويبدو إعلان الجماعة عن تأسيس حزب سياسي مدني ذي مرجعية إسلامية، مناورة للتهدئة، ونقل المعركة إلى مستوي آخر. وبقدر ما يشكل الإعلان خطوة إيجابية، إذا ما تحققت، على طريق "تسييس" الجماعة وإنهاء طابعها "الديني- الدعوي"، إلا أنه يواجه صعوبات ليس أقلها أنه يأتي كرد فعل على تشدد النظام مع الجماعة، وليس نتاجاً لمراجعة فكرية تقتضي ضرورة التحول إلى حزب سياسي، ناهيك عن الغموض الذي يلف قضايا عالقة مثل علاقة الحزب بالجماعة في حال بقاءها دون حل، ومرجعيته الدينية، ومدى تكيفها مع قواعد اللعبة الديمقراطية. خاصة وأن التجارب السابقة للجماعة تشي بعدم الجدية، وقد حدث ذلك أربع مرات وبأسماء مختلفة (الشوري عام 1986، الإصلاح عام 1990، الأمل عام 1995، الوسط عام 1996).
باختصار، لا تبدو الأزمة الراهنة بين النظام والإخوان، بعيدة عن المخاض العسير الذي يعترض قيام الجمهورية الرابعة، ما يعني أن البلاد مقبلة على مرحلة حرجة من التقلبات السياسية في إطار عملية إعادة ترتيب بيت الحكم.

خليل العناني باحث مصري. سينشر له قريبا كتاب الصعود السياسي للإخوان المسلمين في مصر: دلالات ومآلات.