في الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن الإنترنت باعتباره الوسيلة التي لا يمكن التحكم فيها أو ضبطها من قبل الحكومات أو النظم المستبدة، وباعتباره الوسيلة الأكثر والأسرع انتشارا، والأهم من ذلك كله أنه الوسيلة التي توفر قدرا كبيرا من الحرية. تستمر في الوقت ذاته عمليات حجب وإغلاق الكثير من المواقع الالكترونية، بل واعتقال المشرفين عليها أو من كتب فيها ما يثير حفيظة شخص أو أشخاص في الحكومات، وهذا ما يحدث في دول الخليج العربية واليمن حيث أنه في اغلب هذه الدول تكون الحكومة هي المزود الوحيد لخدمة الإنترنت.

ويعتبر حجب المواقع مسألة طبيعية وتمارس بشكل مستمر في دول الخليج مثل عمان و السعودية والإمارات وغيرها، وخاصة المواقع التي تنتقد الدول أو توفر معلومات لا تفضل الحكومات وصولها إلى عامة الناس، أو ذات الحساسية الدينية أو المواقع الإباحية، ورغم تفهم الشعوب لمنع المواقع الأخيرة غير أنه ليس من المقبول أن تفرض رقابة من قبل النظم الحاكمة على نوع المعلومات التي يجب أن يحصل عليها الأفراد.

وإذا كانت هذه حال الإنترنت، فإن الحديث عن وسائل الإعلام الأخرى لا يقل ألما، حيث تفرض دول الخليج رقابة على الصحف الصادرة بداخلها، وتحظر تداول المطبوعات الخارجية إذا ما تناولت موضوعا ذا حساسية في البلد المعني. وتجدر الإشارة إلى أن مستويات حريات الصحافة والتعبير عن الرأي في هذه الدول تختلف، حيث هناك مساحات للحرية أكبر في بعضها، تأتي اليمن والكويت في مقدمتها، بينما تأتي السعودية وعمان في أسفل القائمة.

و في مؤتمر عقد في العاصمة الأردنية في ديسمبر الماضي، تناول الإعلام والقانون في دول الخليج واليمن، وتم تنظيم هذا المؤتمر بالتعاون بين مركز حماية وحرية الصحفيين، و(أيركس) مجلس الأبحاث والتبادل الدولي. وقد أقر الصحفيون أن قوانين المطبوعات والنشر في بلدانهم تتشابه إلى حد كبير كما لو كانت تنقل من بعضها البعض، وخاصة فيما يتعلق بالعقوبات وتجريم الصحفيين، ومن أبرز الأمور التي تتفق عليها كلها ـ فيما عدا اليمن ـ النزوع إلى إضفاء التقديس ليس فقط على الأديان، وإنما تقديس يمتد إلى الرموز الدينية، ومؤسسات البرلمان وأعضائه والهيئات القضائية، والأحكام الصادرة عنها، هذا إضافة إلى رؤساء الدول والحكومات الأجنبية وممثليها.

وهذه القوانين تخلط بين شخص رأس الدولة وأعماله، فإن اعتبرت أن ذات رأس الدولة مصانة،فإنه من المفترض أن تكون أعماله قابلة للنقد والمناقشة، ولكن القوانين لا تفرق بين الأعمال والذات.
إضافة إلى ذلك تعتمد هذه الدول كلها نظام الترخيص المسبق لإجازة إصدار أي صحيفة أو مطبوعة دورية، وتفرض تأمينا ماليا مبالغ فيه، وتميل إلى فرض أشكال من الرقابة المسبقة واللاحقة على وسائل الإعلام والصحف. وتعطي قوانين المطبوعات والنشر والصحافة في هذه الدول الحكومات صلاحيات واسعة في إيقاف أو تعطيل وحظر الصحف.

إن النظم القانونية في هذه البلدان لا تسمح بالوصول الحر للمعلومات ونشرها وتداولها، كما أنها لا تحدد الجهات التي يمكن اللجوء إليها للتظلم في حال رفض إعطاء المعلومات، وهي لا تؤمن رقابة قضائية فعالة لمتابعة تنفيذ القرارات.

ورأى الصحفيون أن مجموعة من التوصيات يجب الاشتغال عليها خلال العامين المقبلين، في طريق حل المشكلة، أهمها: تقديم اقتراحات بنصوص قانونية واضحة ومحددة وأكثر تسامحا، إلى السلطات التنفيذية والمؤسسات التشريعية، وهي نصوص تمتد إلى كل القوانين التي تفرض قيودا على حرية الصحافة والتعبير والرأي. والعمل على إقرار قوانين منفصلة لحرية تداول المعلومات وتلقيها ونشرها باعتبارها مهمة لمجتمع المعرفة وليس لوسائل الإعلام فقط، وتشكل أساسا مهما للتنمية المستدامة، ودعم إجراءات مكافحة الفساد وتطبيق مفاهيم الحكم الرشيد. والعمل على ضمان استقلال السلطة القضائية وتشجيع المبادرات القضائية التي تقدم تفسيرات أكثر اتفاقا مع النصوص الدستورية.

كما أجمع الصحفيون على أهمية تشجيع مؤسسات المجتمع المدني على الاهتمام بدعم الحريات الإعلامية، ومراقبة هذه الدول ومدى التزامها بالمعاهدات الدولية، واحترامها لحرية التعبير وتقديم تقارير إلى الجهات المختصة عن التطور الذي يحدث في هذا المجال.

وقد لاحظ الصحفيون أن هذا التضييق على حرية التعبير في دول الخليج واليمن أدى إلى الرقابة الذاتية والفساد والخوف، إضافة إلى أن عمليات الاعتقال والتهديد، أفرزت صحفيين فاسدين، كما أن ذلك أدى إلى انخفاض المستويات المهنية للعاملين بالمؤسسات الصحفية والإعلامية، ولهذا أضاف الصحفيون إلى قائمة نتائجهم، العمل على إقرار مدونات سلوك مهني في بلدانهم وتشجيع إنشاء مجالس صحفية مستقلة تعمل على تطوير معايير الاحتراف المطلوب، وتوفير الحماية اللازمة للإعلاميين.

ولهذا أيضا أكد الصحفيون الخليجيون واليمينيون على العمل على رفع الوعي القانوني لدى الإعلاميون ورفع مهاراتهم في التعامل مع القوانين المنظمة للإعلام، وتنظيم سلسلة من المناقشات مع أعضاء البرلمانات ومجالس الشورى في هذه الدول وذلك بهدف خلق وعي أفضل بأهمية إعلام حر في الإصلاح السياسي والعمل معهم من أجل بيئة تشريعية سليمة.

ولعل من أهم التوصيات التي أقرها الصحفيون في هذه المؤتمر هي إنشاء المرصد الخليجي لمراقبة الانتهاكات الخاصة بحرية الإعلام، ووضع إستراتيجية موحدة للدفاع عن الصحفيين والإعلاميين.

إن الصحفيين في الخليج واليمن لا شك يؤمنون بأن مسيرة الإصلاح السياسي والتنمية لا يمكن أن يتحققا بدون ضمان استقلال وسائل الإعلام وحريتها. ولكن الحكومات لا تؤمن بنفس القيم ولن تألو جهدا في إضعاف عزائمهم، سواء باستمرار ممارساتها القمعية أو باختراع وسائل أكثر قمعية. ولهذا فإن دعوة خجولة وضعها الصحفيون في بيانهم الختامي لكافة الراغبين في دعم عملية الإصلاح الديمقراطي في بلدانهم، وللمنظمات الدولية والإقليمية المهتمة بالتحالف معهم ومساعدتهم لتنفيذ ما اعتزموا عليه.

رفيعة الطالعي صحفية عمانية.