كان التفكير الجدّي بشأن إصلاح نظام الحكم الضعيف وغير الفعال في لبنان من ضحايا الحرب الأخيرة. لم يُدرَج الإصلاح السياسي قط على رأس جدول أعمال الزعماء اللبنانيين بمن فيهم الفاعل الذي يظنّ معظم الناس أنّ من شأنه أن يكون المستفيد الأكبر من هكذا إصلاح: حزب الله. تشير نظرة عن قرب إلى المنطق الذي يقف وراء الاستراتيجيا السياسية لحزب الله وتفسر لماذا لا يبدي حماسة حيال تعديل النظام الطائفي في لبنان وكيف يستخدم وضعه الخاصّ لتبرير مقاومة إسرائيل والتهرّب من نزع سلاحه.

يدرك حزب الله، الحركة الشيعية التي أصبحت الحزب المهيمن في لبنان، أنّ طبيعة لبنان المذهبية لن تسمح له بالسيطرة على سياسة البلاد القائمة على التوافق. ويختلف الحزب في هذه النقطة عن المنظّمات الإسلامية الأخرى في المنطقة التي يستطيع بعضها أن يأمل فعلياً الوصول إلى السلطة في حال نُظِّمت انتخابات حرّة. وقد أعاد حزب الله تقويم طموحاته من هذا المنطلق. تخلّى عن المعارضة التي أبداها في البداية لاتّفاق الطائف الموقَّع عام 1989 (والذي وضع حداً للحرب الأهلية في لبنان وأعاد توزيع السلطات بين المذاهب) واندمج تدريجاً في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية.

لكن يجب عدم اعتبار الاستشراف العملي لحزب الله قبولاً فعلياً بنظام لبنان الطائفي والقيود المترتّبة عنه. بما أنّ الحزب لا يستطيع هدم الهيكلية الرسمية المذهبية لتقاسم السلطات وفرض نظام الحكم الذي يفضّله، التفّ على هذا العائق عبر قبول دولة الطائف رسمياً وفي الوقت نفسه تطوير أساليب كي يبقى، فعلياً، فوق النظام.

وضع حزب الله نفسه فوق النظام السياسي اللبناني، معتبراً أنّه أنقى وأكثر تمسّكاً بالمبادئ من الأحزاب الأخرى التي توصَف بأنّها غير كفوءة وفاسدة وغادرة. علاوةً على ذلك، دعا حزب الله دائماً في برامجه الانتخابية إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي، وكانت ممارساته الإدارية الجيّدة التي تتناقض بوضوح مع الأساليب القائمة على الفساد والمحاباة التي تعتمدها النخبة التقليدية في لبنان، محطّ ثناء تستحقّه فعلاً. بسبب هذا التناقض، يستطيع حزب الله أن يتهرّب من المشاركة في المسؤوليّة عن مشاكل لبنان على الرغم من أنّه الحزب المحوري في البلاد ويتمتّع بنفوذ كبير في السياسة الداخلية والخارجية. ويستطيع أيضاً أن يرسّخ فكرة أنّه لا يمكن التشكيك ببعض من خياراته السياسية بما في ذلك المقاومة المستمرّة لإسرائيل.

بحسب الفكرة السائدة، أحد أسباب وجود حزب الله هو تصويب أخطاء التمثيل السياسي المنقوص والحرمان الاقتصادي اللذين تعاني منهما الطائفة الشيعية الكبيرة في لبنان. من المنطقيّ تالياً أن نتوقّع من الحزب أن ينادي بالإصلاح السياسي، فحصول الشيعة على مزيد من السلطة المؤسساتية يُترجَم مزيداً من السلطة لحزب الله. لكنّ الاعتقاد بأنّ الحزب يسعى إلى الدفاع عن حقوق الشيعة ضمن إطار الدولة هو في شكل أساسيّ سوء قراءة لأهدافه. في الواقع، من شأن الإصلاح أن يقوّض الاستراتيجيا السياسية التي سمحت لحزب الله بالحفاظ على وضعه الخاصّ وفرض أهدافه على باقي البلاد. لقد بنى حزب الله هيكليّات شبه حكومية موازية تؤمّن لأنصاره تمكيناً بدلاً من ترويج مصالحهم ضمن إطار الدولة اللبنانية – ليس لأنّ الحزب لا يستطيع ذلك إنّما لأنّه يفضّل عدم القيام به. بعبارة أخرى، يفضّل حزب الله إلى حدّ بعيد أن يكون دولة داخل الدولة على أيّ بديل آخر، ما يلغي على الأرجح إمكانيّة سيطرته الكاملة (والمستبعدة) على الساحة السياسية اللبنانية.

في السياسة اللبنانية القائمة على التوافق، يضمن احتكار تمثيل الشيعة عدم قدرة أيّ مزيج من القوى السياسية على إرغام حزب الله على التقيّد بقوانين أو مبادئ يعتبرها مناقضة لمصالحه، إلاّ إذا كان أخصامه مستعدّين للمجازفة باندلاع حرب أهليّة. عبر ترويج الاعتقاد بأنّ نزع سلاحه يعني إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بالنسبة إلى تقدّم الشيعة، بنى حزب الله درعاً مذهبياً لحماية هذا السلاح.

بناءً عليه، استغلّ حزب الله انفتاح لبنان وميوله الديمقراطية. والحقّ يُقال، باقي النخبة السياسية في لبنان ليست جدّية أيضاً بشأن الإصلاح السياسي. غير أنّ الفارق بين حزب الله والسياسيين الآخرين في لبنان أساسي؛ يخطف الحزب النظام لأسباب أيديولوجية ويستغلّه السياسيون الآخرون لترويج مصالح سياسية واقتصادية ضيّقة.
لا يستطيع حزب الله أن يكون قوّة إصلاحيّة في السياسة اللبنانية ما دام يسعى إلى البقاء داخل النظام وفوقه في الوقت نفسه. يجب أن يحتلّ الإصلاح موقعاً متقدِّماً على لائحة أولويّات السياسيين اللبنانيين لأنّ تحدّي حزب الله عبر الإشارة إلى أنّه لا يسعى إلى الإصلاح المؤسّسي يؤمّن فرصة لتقويض أحد ركائز السلطة والنفوذ الأساسية التي يملكها الحزب.

غير أنّ التركيز على الإصلاح مستبعد لأنّ لبنان دخل بعد النزاع الأخير حقبة جديدة من الشلل السياسي وسياسة الوقوف على شفير الهاوية. فشل مبادرة الحوار التي أطلقها حديثاً رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي تظهر أن السياسيين ليسوا مهتمين بحل مشكلات لبنان الأساسية. تجعل هذه المبادرات المأزق أكثر تأزّماً عبر تحويل أنظار اللبنانيين إلى التفاصيل مثل التوقيت والمواضيع المطروحة والمشاركين والشكليّات. ولن تؤدّي ارتدادات الجوّ الإقليمي المشحون سوى إلى مزيد من التفاقم في هذا الوضع المؤسف الذي آلت إليه الأمور، وذلك عبر إتاحة مزيد من الفرص للاستعراض بهدف لفت الأنظار وتراشق الاتّهامات على حساب حوارٍ حول الإصلاح أحوج ما تكون إليه البلاد.

إميل نبيل الحكيّم باحث في مركز هنري ل. ستيمسون في واشنطن.