تمر المجالس البلدية في المملكة العربية السعودية بفترة تأسيسها الأولى محاولة تلمس آفاق عملها وحدودها وهي واقعة بين ضغط تحقيق الوعود التي قطعتها الى المواطنين أثناء الحملات الانتخابية العام الماضي من جهة وبين واقع التعامل مع الأجهزة التنفيذية في البلديات والدوائر الحكومية المعروفة ببيروقراطيتها الواسعة الانتشار. ومع انه من الصعب الوصول الى تقييم دقيق وشامل لأداء المجالس البلدية في السعودية خلال هذه الفترة القصيرة من تأسيسها، الا أن هنالك انطباع شعبي عام يميل الى عدم الرضا بنتائج أعمال هذه المجالس والشعور بأن أمامها مشوارا طويلا وعملا شاقا من اجل ان تحقق بعض النتائج الملموسة للمواطنين.

هنالك ثلاث جهات رئيسية ترتبط بعمل المجالس البلدية وتؤثر في نتائج أعمالها، الأولى هي الإدارات الحكومية الرسمية التي تحدد اطر عمل المجالس وصلاحياتها وقدرتها على تأدية مهامها الرقابية على الأجهزة التنفيذية في البلديات، والثانية هي المجالس ذاتها بأعضائها – المنتخبين والمعينين – وفهمها لمهامها ودورها الرقابي، والثالثة هي الناخبين وعموم المواطنين بشكل عام ودورهم في متابعة أعمال المجالس والتفاعل معها.

من ناحية الإدارات الحكومية، فقد كان لتاخير اعلان بدء اعمال المجالس البلدية لحوالي ثمانية أشهر بعد انتهاء الانتخابات دور سلبي في تراجع تفاعل الناخبين وحتى الاعضاء المنتخبين حول العمل البلدي بشكل عام. فقد كانت هنالك حماسة عالية جدا اثر الانتخابات البلدية العامة التي عقدت لأول مرة في تاريخ المملكة منذ عقود طويلة، وعلق الكثير من المواطنين على أثرها آمالا كبيرة على المجالس البلدية التي شعروا انه من خلالها يمكنهم العمل على تطوير وتحسين الخدمات البلدية وتصحيح الاوضاع السائدة في البلديات والحد من تفشي حالات الفساد المالي والإداري فيها. كما أوجدت عملية اختيار الأعضاء المعينين على الرغم من التدقيق الطويل فيها بعض الإشكالات، فمع ان عملية الاختيار كانت تتوخى استهداف عناصر ذات كفاءة تتناسب مع أعمال المجالس، الا أن اعتماد مقاييس إضافية أخرى غير علمية تعتمد على التوازن المناطقي والقبلي ساهم بكل تأكيد في إعادة ترتيب اجندة بعض هذه المجالس استنادا على توجهات وخلفيات هؤلاء الأعضاء الجدد.

وإضافة إلى ذلك فقد برزت مجموعة من الإشكالات الإدارية والقانونية في العلاقة بين المجالس البلدية والأجهزة التنفيذية ساهم بكل تأكيد في تقييد صلاحيات عمل المجالس وبروز انجازاتها ونتائج قراراتها. أول هذه الإشكاليات ترتبط بعدم وجود جهاز إداري رسمي يشرف بشكل فعال على عمل هذه المجالس ويتابع احتياجاتها ومتطلباتها ويعالج الإشكالات التي تعترضها، وبالتالي يعزز من صلاحيتها ودورها. فمع أن اللوائح تنص بوضوح على صلاحيات واضحة للمجلس البلدي في الإشراف على كل أعمال البلديات، الا أنه قد برزت مجموعة من التعارضات في التعاطي مع الجهاز التنفيذي بسبب تحفظات بعض المسئولين فيه وبيروقراطية التنفيذ، ولم تجد المجالس امام مثل هذه الحالات – في معظم الأحيان - الا البحث عن حلول وسط او تاجيل بعض قراراتها.

اما من ناحية أداء المجالس ذاتها خلال فترة العشرة الأشهر من إعلان بدء أعمالها، فقد تميزت بفاعلية جيدة في الاجمال من ناحية عدد جلسات عملها والتي فاقت عن الحد الادني المقرر بمرة واحدة في الشهر. وتناولت القرارات الصادرة في هذه الاجتماعات العديد من القضايا ذات الأولوية للمواطنين بدأت بمراجعة وإقرار مشاريع الميزانيات المالية للبلديات للعام القادم 2007م، ثم مواضيع تتعلق بتحسين الخدمات بشكل عام ومعالجة القضايا المزمنة في البلديات كمنح الأراضي للمواطنين وإعادة ترتيب أولويات المشاريع التي تنفذها البلديات. ولم تكن هنالك مؤشرات واضحة عن دور للمجالس البلدية لحد الآن في إعادة تنظيم أجهزة البلدية وهياكلها ومراجعة المخالفات المالية فيها والتي هي من اهم الأعمال الرقابية للمجالس، مع ان هنالك إجراءات في بعض المجالس لمحاسبة مقاولين على تقصيرهم وسوء اداء أعمالهم. وبادر بعض الأعضاء بالقيام بأنشطة ميدانية كزيارات تفقدية لبعض المناطق والاطلاع المباشر على أوضاع المواطنين، ويشعر العديد من الأعضاء بالحاجة الماسة الى التعرف على تجارب عمل المجالس الأخرى سواء داخل السعودية وخارجها من اجل التنسيق والتعاون معها.

المواطنون وهم الجهة الثالثة والأكثر اهتماما بمتابعة اداء المجالس البلدية وتقييم عملها، يبدون تحفظات كثيرة على عملها طوال هذه الفترة ويقدمون العديد من التساؤلات والانتقادات بسبب عدم بروز أية نتائج مباشرة تلبي تطلعاتهم التي طرحوها أثناء الحملات الانتخابية. ويرجع الكثير منهم أسباب العجز الى القيود التي تواجهها المجالس تجاه الأجهزة التنفيذية وكذلك الى ضعف بنية المجالس الناتج من ازدواجية العضوية بسبب حالة التعيين. وعقدت العديد من المجالس لقاءات عامة مفتوحة مع المواطنين لعرض ما قدموه خلال فترة عملهم، وتناولت هذه اللقاءات مناقشات بدت في كثير من الأحيان حادة وصريحة تنتقد أداء أعضاء المجالس وتطالبهم بالمزيد من الفاعلية والاهتمام الأكثر بالقضايا ذات الأولوية بالنسبة لهم. كما أبدت قطاعات كبيرة من المواطنين استعدادا للتعاون مع أعضاء المجالس البلدية من اجل العمل على تحسين الخدمات البلدية في أحيائهم ومناطق سكناهم وتقديم خبراتهم العملية والمهنية أيضا، ولكن ذلك يتطلب اطرا ملائمة تساهم في تعزيز المشاركة الشعبية والتي لم تتبلور بصورة واضحة لحد الآن.

إن مستقبل عمل المجالس البلدية ونتائجها في المرحلة القادمة سيرتبط بشكل أساسي بقدرتها على إيجاد موقعية مناسبة لها تستطيع من خلالها تأدية دورها المرسوم لها وذلك عبر تفعيل علاقتها مع الأجهزة التنفيذية وتوسيع صلاحياتها ودورها، وبلورة آليات واضحة ومحددة لمتابعة تنفيذ قراراتها. ومن المؤمل ان تنضج التجربة وتتكامل بصورة أفضل من خلال تعميق التنسيق والتواصل بين أعضاء هذه المجالس وبينهم وبين عموم المواطنين وكذلك تحديد أولويات مناسبة للمرحلة القادمة.

جعفر محمد الشايب رئيس المجلس البلدي بمحافظة القطيف.