ينطلق هذه المقال من مجهود ساهمت فيه منظمات مدنية عربية، على مدار العامين السابقين، في مراقبة أداء وسائل الإعلام في تغطية الانتخابات، في تونس وفلسطين ولبنان ومصر. باستخدام منهج يجمع بين التحليل الكمي والكيفي، لوسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، أثناء تغطيتها للحملات الانتخابية، وانطلاقا من المعايير العالمية والإقليمية المتعارف عليها في هذا المجال. إن الحديث عن الإعلام والانتخابات في المنطقة العربية يكتسب أهميته من كون معظم حكومات المنطقة تسيطر على القطاع الأكبر من وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء. كما أن وسائل الإعلام في معظم البلدان العربية تخضع لقيود قانونية، تحول دون نمو إعلام حر وتعددي. هذا الواقع بلا شك يقوّض من فرص ولوج القوى السياسية المنافسة للأحزاب الحاكمة للإعلام، ومن توصيل برامجها وأفكارها للناخبين. الواقع السياسي الجديد في المنطقة العربية، من نمو متزايد لضغوط الإصلاح في الداخل والخارج، كان له انعكاسه على أداء الإعلام في الانتخابات العربية الأخيرة من حيث هامش التسامح الحكومي مع الصحف والقنوات التليفزيونية الخاصة كما هو الحال في مصر، ومحاولات -وإن كانت فقيرة- في تقنين دور الإعلام المملوك للدولة في الانتخابات، لتأمين فرص للمرشحين لعرض برامجهم، كما كان الحال في فلسطين ومصر، وحتى تونس وإن كان بشكل أقل بكثير.

بهدف الرصد إلى التوصل إلى أربعة مؤشرات رئيسية: المساحة الكلية أو الزمن الكلي الذي خصصته وسائل الإعلام لتغطية الحملات الانتخابية ،المساحة الكلية أو الزمن الكلي الذي تم تخصيصه لتغطية الشئون ذات الصلة بالمرشحين، اتجاه التغطية الإعلامية، أي ما إذا كانت تنطوي على أحكام إيجابية أو سلبية، أو ما إذا كانت تغطية محايدة للشئون ذات الصلة بالمرشحين، طبيعة التغطية، وهو مؤشر ينصرف إلى التغطية التليفزيونية والإذاعية فقط، والمقصود به قياس ما إذا كان المرشح، أو ممثلو الأحزاب السياسية المتنافسة، قد حصلوا على فرصة للتحدث مباشرة للجمهور، وهي تغطية مباشرة، أم أن الجمهور قد عرفهم من خلال ما قدمه لهم الإعلاميون، وهو ما يتم اعتباره تغطية غير مباشرة.

لم يخلو المشهد الإعلامي في الانتخابات الأخيرة في تلك البلدان الأربعة، من أمراض اختلفت حدتها من دولة لأخرى تبعا لظروفها السياسية، ودرجة تطور الإعلام بها. ففي لبنان كانت الصورة في التحليل الإجمالي متوازنة في التغطية بحكم تنوع ملكية وسائل الإعلام الخاصة بالمقارنة لباقي الدول العربية، ولكنها لم تخلو من مثالب تقلل من المهنية والموضوعية، بينما كان الانحياز الإعلامي لمرشحي الحكومة سيد الموقف في فلسطين ومصر وتونس، وإن كان بدرجات متفاوتة. فالصورة العامة لأداء الإعلام الفلسطيني اتسمت بالتنوع والتعددية أكثر منها في مصر وتونس. كما أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المصرية شهدت بعض الظواهر الإيجابية في أداء الإعلام لم نعتدها من قبل في مناسبات سياسية مشابهة، مع كامل التسليم بالأداء المنحاز للإعلام المصري. لكن الوضع كان أكثر جموداً في تونس، من ناحية الهيمنة الحكومية الصارخة على الإعلام العام والخاص.

لعل المشترك في تجارب البلدان الأربعة هو فقر الإطار التشريعي لتنظيم دور الإعلام أثناء الانتخابات، حيث أنه إما أن يسكت قانون الانتخابات عن وضع معايير لدور الإعلام في تغطية الحملات الانتخابية كما الحال في الانتخابات البرلمانية في مصر حيث ترك الأمر لوزارة الإعلام، وخارج سلطة رقابة اللجنة العليا للانتخابات، أو أن تضم قوانين الانتخابات معايير فضفاضة غير محددة، عن دور الإعلام في الانتخابات، يترك تأويلها للجهات الإدارية، هذه المعايير استخدمت كأدوات لرقابة مسبقة على محتوى المادة الإعلامية للمرشحين ،الأمر الذي حد من التناول النقدي للحملات الانتخابية، وخاصة نقد مرشحي الحكومة، وقد أثار ذلك جدلاً واسعًا في الانتخابات الرئاسية المصرية، فعلى الرغم من التوازن الكمي في تقديم المرشحين في التلفزيون العام، إلا أنه على المستوى النوعي اتسمت التغطية بالجفاف والتكرار، والتجنب المتعمد للقضايا الخلافية. سمة أخرى اتسم بها الإطار القانوني الحاكم للإعلام في البلدان الأربعة، وهو عدم تقنين الإعلانات مدفوعة الأجر، عبرغياب الرقابة على الإنفاق على هذه الإعلانات، أو عدم وجود سعر موحد للإعلانات الانتخابية في وسائل الإعلام المختلفة. من ناحية أخرى حددت معايير الإعلام والانتخابات في مصر وفلسطين وتونس، تكافؤ الفرص بين المرشحين عبر منحهم أوقات حرة مجانية لعرض برامجهم الانتخابية، وهو أمر ايجابي لم يحدث من قبل، لكن تركت هذه المعايير باقي المساحة الإعلامية دون تقنين واضح، الأمر الذي دفع معظم وسائل الإعلام العامة للانحياز الصارخ لصالح مرشحي الحكومة خارج اطار الزمن المجاني في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية. على صعيد آخر كان هناك غياب كامل للجان الانتخابات في ضبط أي انتهاكات تتعلق بالإعلام طوال الحملات الانتخابية. وفي مصر اقتصر تطبيق معايير الإعلام والانتخابات فقط على الأحزاب المسجلة، الأمر الذي استبعد القوى السياسية الغير رسمية وعلى وجه أخص جماعة الإخوان المسلمين.

أمر آخر يتعلق بتبعية الإعلام للسياسيين أكثر من تغليبه للمعايير المهنية، والحديث هنا يمس بشكل خاص الدور الغير نزيه الذي تلعبه مؤسسات الإعلام العامة، في أغلب الدول العربية، والتي غالباً ما يتم التعامل معها على أنها مؤسسات سياسية دعائية، منحازة للحكومات أكثر من كونها مؤسسات إعلامية تمثل المجتمع ككل. كما تستخدم هذه المؤسسات كمنابر لتشويه المنافسين الانتخابيين فقد كان أيمن نور المرشح الأقوى للرئيس مبارك ،وجماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس الأكثر عرضه للانتقاد في الإعلام العام في مصر وفلسطين. الإعلام اللبناني أيضا لم يسلم من التبعية للسياسيين، فقد انعكست حالة الاستقطاب الحاد بين الجماعات السياسية المتنافسة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في لبنان على الأداء المهني للإعلام ، والذي يقوم بالأساس على الملكية الخاصة، فعلى الرغم من أنه إذا نظرنا إلى المشهد الإعلامي الكلي، نرى أن معظم التحالفات السياسية حصلت على قسط كبير من التغطية، إلا أن هذا الإعلام افتقد في معظم وسائله وخاصة القنوات التليفزيونية إلى الأسس الموضوعية في مقاربته للأحداث، وقد كان واضحا الانحياز الصريح والدعائي لبعض المؤسسات لفريق دون فريق وقد كانت فرص التغطية الإعلامية للمرشحين المستقلين خارج أطر التحالفات الأساسية شبه معدومة.
الدور الجديد والآخذ في النمو، للصحافة الخاصة في مصر قضية أخرى تستحق الانتباه؛ فقد حقق هذا الإعلام درجات عالية من التوازن في تغطية حملات مرشحي المعارضة، واتسم بالمهنية والموضوعية في التناول. جاء نمو الصحافة الخاصة في مصر، نتاجا للحراك السياسي الذي يشهده المجتمع في الثلاثة سنوات الأخيرة. هذه الموجة الجديدة من الصحف تميزت بالتوازن في التغطية والجرأة في النقد السياسي، بشكل ربما لم تعرفه الصحافة المصرية منذ نحو نصف قرن. على النقيض من ذلك تأخذ الدولة التونسية موقفا أكثر تشددا من وجود صحافة خاصة مستقلة، وتأثير الحكومة على هذه الصحف اتضح في أدائها في تغطية الانتخابات، حيث أخذ معظمها موقف داعم للرئيس ولمرشحي الحزب الحاكم.

الدرس الذي يستفاد من تجربتيّ الانتخابات البرلمانية الفلسطينية والمصرية هو أن الإعلام وحده غير قادر على صنع القاعدة الشعبية للتيارات السياسية؛ فعلى الرغم من أن القوى العلمانية كانت الأكثر حظا في الولوج للإعلام في مصر وفلسطين بالمقارنة مع التيارات الإسلامية، إلا أن تأثير الإعلام كانت له حدود في نتائج هذه الانتخابات؛ حيث أن القوى الإسلامية كانت الأقل تمثيلاً والأكثر تشويهاً في وسائل الإعلام، إلا أنها كانت الأكثر حظاً في حصد المقاعد الانتخابية، مثل صعود حماس في فلسطين، والإخوان المسلمين في مصر.

معتز الفجيري مدير البرامج بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان
عضو اللجنة التنفيذية للشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان