كان ملحوظا تحول جدل دائر حول إعادة ترتيب الدوائر الانتخابية في الكويت إلى أزمة سياسية ساخنة تصاعدت وتيرتها بسرعة غير مسبوقة مؤدية في محصلتها إلى حل البرلمان و من ثم الدعوة إلى انتخابات مبكرة تقرر موعدها في 29 يونيو الجاري.

 

وعلى أية حال فان الحياة البرلمانية في الكويت لم تكن خلوا من الأزمات السياسية عبر تاريخها الممتد إلى ما يزيد عن 44 عاما, بداية بأزمة عام 1967 عندما أقدمت الحكومة على تزوير الانتخابات و ما ترتب عليه من استقالة ثمانية من أعضاء المجلس المنتخبين احتجاجا على التزوير, أو الأزمة التالية التي نتج عنها عام 1976 قيام الحكومة بحل مجلس الأمة حلا غير دستوري، أي دون الالتزام بإعادة الانتخابات بعد 60 يوما من قرار الحل. وحاولت الحكومة تنقيح الدستور عام 1980 في غياب المجلس عن طريق زيادة الدوائر الانتخابية إلى 25 دائرة. كما برزت أزمة أخرى عام 1986 عندما قامت الحكومة بحل مجلس الأمة مرة أخرى حلا غير دستوري. كذلك فقد ظهرت أزمة أخرى عام 1999 عندما حلت الحكومة البرلمان ولكن الحل هذه المرة كان دستوريا حيث تمت الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال مدة شهرين. وهكذا وصلنا إلى المجلس العاشر الذي تم انتخابه عام 2003 و تم حله أيضا حلا دستوريا عام 2006 على خلفية أزمة سياسية محتدمة بين الحكومة و تيارات شعبية متنوعة تمثل غالبية التوجهات السياسية في البلاد.

 

ويثير تكرار حل المجلس في الكويت تثبيت قاعدة أن كل مجلس يكمل دورته يتم حل المجلس الذي يليه.فهل هذه قاعدة مستحيل كسرها؟ من الواضح أنها حتى هذه اللحظة قاعدة لم تكسر.

 

ولكن لماذا تحول ذلك الجدل الذي يفترض أنه جدل سياسي طبيعي، وخاصة أن الحكومة ذاتها هي التي دفعت بالمشروع وأيدته في البداية، بل إن مشروع الدوائر الخمس كان مشروعها بالأساس، إلى أزمة سياسية حادة، واحتقان سياسي شديد، انتهى به الأمر إلى حل مجلس الأمة؟

 

الدوائر أحد مفاتيح الإصلاح السياسي

 

تمثل الدوائر الانتخابية في الكويت، وربما في معظم النظم الانتخابية، المدخل الأبرز في أي منظومة انتخابية حيث يتم من خلالها تحديد بنية وتركيبة وديموغرافية دائرة انتخابية ما. ولهذا كان الصراع حول الدوائر هو الصراع الأكثر وضوحا منذ استقلال الكويت عام 1961. فقد انقسمت الآراء آنذاك بين رأي شعبي يدعو إلى جعل الكويت دائرة انتخابية واحدة ورأي حكومي يرى أن تكون الكويت 20 دائرة انتخابية. وقد احتدم الصراع إلى درجة تهديد العديد من الفعاليات السياسية بمقاطعة العملية الانتخابية في حال اصرار الحكومة على موقفها، فما كان من الطرفين إلا أن قبلا بحل وسط هو 10 دوائر انتخابية. وقد أجريت بموجب التقسيم العشري أربعة انتخابات برلمانية تعرض أحدها للتزوير (1967) وآخر للحل غير الدستوري (1976). و قد اتضح ضيق الحكومة بالتقسيم العشري و عدم تحملها له بإصرارها على زيادة عدد الدوائر إلى 25 دائرة انتخابية عام 1981، وهو النظام الحالي والذي جرى حوله الجدل مؤخرا. وقد سعت الحكومة في تقسيمها (25 دائرة) إلى تنقيح الدستور خلال مجلس 1981 حيث تقدمت بمشروع يؤدي قطعا إلى تحويل الدستور إلى شكل دون محتوى. وعلى الرغم أن زيادة عدد الدوائر إلى 25 كان مدروسا بعناية ونتج عنه مجلس به غالبية نيابية تتفق مع توجهات الحكومة فإن كومة اضطرت إلى سحب مشروعها بعد تصاعد وتيرة وحدة الرفض الشعبي لتنقيح الدستور.

 

وقد ظلت قضية الدوائر الانتخابية مطروحة على الساحة السياسية استنادا إلى مطالب شعبية بأن نظام الـ25 دائرة ليس إلا نظاما فاسدا بحاجة إلى إصلاح، حتى بدأت بعض بوادر التجاوب من الحكومة منذ بدايات برلمان 2003, ما أدى إلى تقدم عدد من النواب بعدد من المقترحات حتى تقدمت الحكومة بمشروعها لمجلس الأمة، إلا أنها ما لبثت أن تقدمت بمشروع آخر في الجلسة ذاتها مسببة إرباكا حتى لنواب "المعارضة" الذين كانوا قد قرروا دعم مشروع الحكومة إنطلاقا من أي تقليص للدوائر هو بحد ذاته يمثل إصلاحا. وقد أدى ذلك التكتيك الحكومي إلى فشل المشروعين معا. وقد ترتب على ذلك الإرباك السياسي أن هاجم العديد من النواب موقف الحكومة الغريب متهمين إياها بفقدان المصداقية وعدم الجدية.

 

وهكذا عندما تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة الشيخ ناصر المحمد الصباح بسبب وفاة الأمير السابق وتولي الإمارة من الشيخ صباح الأحمد، طرحت الحكومة الجديدة نفسها على أنها حكومة إصلاحية واضعة قضية الدوائر الانتخابية كإحدى أولوياتها. وهكذا جرى تشكيل لجنة وزارية للتصدي لموضوع الدوائر، وبعد دراسة متأنية توصلت اللجنة الوزارية إلى أن الحل الأمثل للدوائر هو تقسيم الكويت إلى 5 دوائر انتخابية. وقد كان لافتا أن "المعارضة" التقطت ذلك المشروع الحكوميوأعلنت تبنيه، وعندما تسربت أنباء عن تراجع الحكومة عن مقترحها، نقلت "المعارضة" مطالبها للشارع. وهكذا بدأت حملة شعبية بقيادة حركة شبابية اختارت اللون البرتقالي رمزا لها وبمشاركة 29 نائبا في البرلمان لإقرار مشروع الخمس دوائر وبالمقابل تحرك عدد أقل من النواب في اتجاه عدم إقرار الخمس دوائر، كما لم يكن هناك موقف واضح من الحكومة باستثناء قولها إنها غير راضية عن النظام الحالي المكون من 25 دائرة. فحدثت حالة من الاستقطاب السياسي الملحوظ، كانت أداتها الأبرز هي الشارع. وفي إطار تلك الدينامكية السياسية والحراك السياسي السلمي، وبعد ان تقدم 3 نواب بطلب استجواب لرئيس الوزراء على خلفية معالجة الحكومة لقضية الدوائر، قام مجلس الوزراء بتقديم طلب للأمير بحل مجلس الامة، وهكذا كان، حيث أصدر سمو الأمير مرسوما حل بموجبه مجلس الأمة داعيا لانتخابات مبكرة بتاريخ 29 يونيو.

 

ويبدو أن الحل الذي جاء مفاجئا سيخلق أثرا مهما على مستقبل الحياة البرلمانية في الكويت سواء على المدى المنظور أو على المدى المتوسط. فالزخم الذي سبق عملية الحل سيؤثر بصورة كبيرة وفاعلة على نتائج الانتخابات القادمة, حيث من المتوقع أن تكون قضية الدوائرالانتخابية والاجواء السياسية السابقة على الحل هي القضية الأبرز في الحملات الانتخابية. ولئن كان التوقع أن تقليص الدوائر الانتخابية وبالتالي زيادة عدد الناخبين في كل دائرة، سوف يؤدي إلى تزايد أهمية ودور الأحزاب السياسية في الانتخابات، فإن إصدار قانون ينظم العمل الحزبي ما زال أمرا بعيدا. فهناك على الأقل 7 أحزاب مختلفة تعمل في الحياة السياسية إلا أنها مازالت غير مقننة

ومازالت تعاني قلة اهتمام الناس بالعمل الحزبي بصورة عامة.

غانم النجار أستاذ للعلوم السياسية بجامعة الكويت. يمكن الاتصال به على:

.comyahoo @3322 ghanim