رغم الحفاوة الدولية بـ "ثورة الأرز" العام الماضي وانسحاب القوات السورية من لبنان، يبدو أن "ربيع بيروت" الذي كثر الحديث عنه كان سرابا. فلا الاعتراضات المعادية لسورية (التي توجت بمظاهرة 14 مارس الهائلة) ولا الانسحاب السوري أتيا بمرحلة من الإصلاح السياسي. بدلا من ذلك، أشعلا خوفا واسع الانتشار من حرب أهلية بين الشيعة وتجمع "14 آذار" السُني-الدرزي-المسيحي. وبينما لا يوجد أساس لمعظم هذه التخوفات، فلا مجال لإنكار وجود حرب أهلية باردة، تجري على الساحة السياسية، في الشوارع وفي الإعلام.

 

ما يؤكد على هذا الاستقطاب المجتمعي هو عملية بناء هوية وطنية تدهورت إلى جدل محتدم حول معنى السيادة والاستقلال والوطنية. في مركز هذا الجدل الوطني يقع تحديد أصدقاء لبنان وأعدائه. فمعسكر 14 آذار يعتبر سورية عدوه اللدود وينظر إلى الدعم الإيراني والسوري لحزب الله كانتهاك لسيادة لبنان، بينما يسعى إلى الدعم الغربي (أساسا الأمريكي والفرنسي). على الجانب الآخر من خط الانقسام فإن الشيعة، يمثلهم تحالف حزب الله ـ أمل السياسي، يرفضون بشدة التدخل السياسي الغربي (خصوصا الأمريكي)، الذي يعتبرونه نوعا جديدا من الهيمنة الأجنبية. وقد ركز حزب الله نفسه استراتيجيا في محور سورية ـ إيران وتتماهى كثرة من الشيعة مع هذا التحالف.

 

أظهرت الأزمة الوزارية الأخيرة التي شلَّت الحكومة لسبعة أسابيع، التوترات المجتمعية المتفاقمة. فقد علّق الوزراء الشيعة الخمسة الذين يمثلون أمل وحزب الله مشاركتهم في اجتماعات مجلس الوزراء ردا على ما يزعم أنه خرق الحكومة لاتفاق ودي تم التوصل إليه أثناء الانتخابات البرلمانية في 2005 بين "تيار المستقبل" الذي يقوده سعد الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يقوده وليد جنبلاط من ناحية والتحالف الشيعي من الناحية الأخرى. حسب الاتفاق، تناقش القرارات الرئيسية كلها خارج الحكومة أولا للتوصل إلى توافق على نحو ما يوصي الدستور. وقد اتهم التحالف الشيعي الأغلبية الحاكمة بخرق هذا الاتفاق في 12 ديسمبر 2005 باتخاذ قرارات بأغلبية الأصوات دون أن يسبق هذا استنفاد محاولات التوصل إلى توافق حول مسألتين حاسمتين: توسيع تحقيق الأمم المتحدة في اغتيال رفيق الحريري ليشمل جميع الاغتيالات السياسية بعد ذلك وإنشاء محكمة دولية لمحاكمة مرتكبي تلك الاغتيالات. وقد حُلّت الأزمة في 2 فبراير عندما أرضى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة جزئيا مطالب الوزراء الشيعة بأن تلتزم الحكومة بالحكم بالتوافق وأن تعلن أن "مقاومة" حزب الله ليست ميليشيا.

 

أوضحت الأزمة الأخيرة أن الإدماج السياسي للتحالف الشيعي لم يستطع بناء جسر على الفجوة بين المعسكرات المتنافسة. بل إنه صب زيتا على إحساس الشيعة بكونهم ضحية مجتمعية وفضح التعايش البارد الذي يحكم العلاقات بين الطوائف. وأظهرت التجربة بمجملها أن الاستيعاب السياسي، وحده وبذاته، لا يقدر على ضمان الاستقرار في مناخ من التدخل الأجنبي المتواصل وتصعيد التوترات بين الجماعات، خصوصا في نظام سياسي يمنح الطوائف سلطات أكبر ممايمنح مؤسسات الدولة.

 

تحدى كثير من التطورات التي جرت في العام الماضي صلاحية النموذج الديموقراطي القائم على التوافق المجتمعي في لبنان، والقائم على تقاسم السلطة بين النخبة وعلى التوافق. ويثير الرحيل السوري السؤال حول إذا ما كان اتفاق الطائف للعام 1990 الذي أنهى الحرب الأهلية وعدّل الصيغة الدستورية، صالحا دون إشراف دمشق، التي رعت الاتفاق وأشرفت على تنفيذه. إضافة إلى ذلك، فإن احتواء التحالف الحاكم على أقلية سياسية ـ الشيعة ـ لها أجندة دولية وإقليمية تختلف بحدة، جرّد النظام فعليا من التوافق النسبي الذي تمتع به ذات حين وأصابه بنزاع داخلي مرير. مع ذلك فالشيعة هم أكبر الأقليات الدينية في البلد ولا يمكن استبعادهم من الحكومة، وإلا ستنهار. والنتيجة هي زواج مصلحة غير سعيد بين أغلبية سياسية معوَّقة بسلطة الاعتراض التي يتمتع بها شريكها الأصغر وأقلية مهمشة تكره ما تعتقد أنه إخضاعها لقهر الأغلبية.

 

يعتبر التحالف الشيعي جماعة 14 آذار قهرية جزئيا لأن الأخيرة حصلت على السلطة من خلال تحالف انتخابي مع الشيعة، ثم خانت وعودا بحماية "مقاومة" حزب الله من الضغوط الداخلية والخارجية لنزع سلاحها. منذئذ أقام حزب الله تحالفا مع "التيار الوطني الحر" الذي يغلب فيه المسيحيون بقيادة ميشيل عون، وهو تطور قد يؤدي إلى إضعاف تحالف "14 آذار" الذي كان منذ قيامه يدعي لنفسه احتكارا للتمثيل عبر الطوائف. وزاد من التوتر داخل تحالف الأغلبية شقاق مسيحي ـ سُنّي نشأ من الاضطرابات الأخيرة ضد الرسوم الكاريكاتورية[الدنمركية] التي وجّه فيها المتظاهرون السُنّة غضبهم ضد المسيحيين. لكن بالرغم من مظهر التغير والتحالفات المستجدة عبر الطوائف، ما يبقى على حاله في لبنان هو أن المصالح الطائفية هي المحركات الأساسية للأفعال السياسية.

أمل سعد غريّب أستاذ مساعد بالجامعة اللبنانية الأمريكية ومؤلفة كتاب "حزب الله: السياسة والدين ( منشورات بلوتو، 2002).