واجه هدف الرئيس بوش دفع الديموقراطية العربية تشككا من لحظة إعلانه الأولى في 23 نوفمبر 2003، ولسبب وجيه. فبعد أشهر من غزو العراق ووسط استمرار العنف الإسرائيلي ـ الفلسطيني، بدت فكرة أن يتطلع الديموقراطيون العرب نحو الولايات المتحدة من أجل الدعم، فكرة بعيدة. والأهم، أن تاريخ الولايات المتحدة في دعم الحكام الأوتوقراطيين في المنطقة كان مبنيا على الحاجة إلى التعاون العسكري واستقرار الطاقة والسلام في الشرق الأوسط، وهي مصالح لا يُتخلى عنها بسهولة.

 

مع ذلك ، فبعد سنتين، كانت إدارة بوش قد حققت تقدما كبيرا في تحويل السفينة الضخمة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. ففي 2004 كان هناك القليل من البرامج التي تدعم الخطب الرنانة، وكانت الديموقراطية وحقوق الإنسان تُدفع إلى قاع جدول الأعمال في الاجتماعات الثنائية بين الرسميين الأمريكيين والعرب. اليوم يُفهم التزام الرئيس بنشر الديموقراطية كأولوية في أنحاء بيروقراطية السياسة الخارجية جميعا. فمن وزير الخارجية نزولا إلى السفراء في مواقعهم، تُسمَع طبول التحول العربي إلى الديموقراطية بانتظام وانسجام أكثر بكثير مماكان عليه الحال منذ سنوات قلائل. مع ذلك تبقى الأسئلة تتلكأ حول كم ستستثمر الولايات المتحدة في سباق الديموقراطية، وهي أسئلة يجب أن تجاب قبل أن يمكن النظر إلى "استراتيجية الحرية" كتغيير شامل في سياسة الولايات المتحدة.

 

تعتبر "مبادرة شراكة الشرق الأوسط" حالة جيدة لدراسة تطور مبادرة الرئيس في تعثرها ونهوضها. وكانت مبادرة شراكة الشرق الأوسط عند إطلاقها في ديسمبر 2002 مختلفة قليلا عن مشروعات "الحكم الصالح" التي تقوم بها وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية وامتنع الكثير من المنظمات العربية غير الحكومية عن التقدم بطلبات. اليوم، لدى مبادرة شراكة الشرق الأوسط مكاتب ميدانية في دبي وتونس وقد شهدت قفزة ذات مغزى في مقترحات المنح من الجماعات العربية. وبدأت مبادرة شراكة الشرق الأوسط في حقن محتوى سياسي في المزيد من منحها، فعلى سبيل المثال، توجيه الأموال نحو جماعات المجتمع المدني المصرية واللبنانية أثناء انتخابات 2005. لكن قسما متزايدا من موازنة مبادرة شراكة الشرق الأوسط يُنقل إلى مشروعات خارجية مثل "الصندوق من أجل المستقبل" متعددة الأطراف. هكذا تتخذ مبادرة شراكة الشرق الأوسط دور تنسيق السياسات، فتضع استراتيجيات خاصة لكل من الدول العربية تدمج المعونة الثنائية والبرامج التي تديرها وكالات فيدرالية أخرى.

 

استدرجت اللغة الأمريكية الجديدة والالتزام ببرامج جديدة مثل مبادرة شراكة الشرق الأوسط و"مبادرة الشرق الأوسط الجديد" التي صدرت عن مجموعة الثماني، إضافة إلى الضغوط الداخلية المتنامية من أجل الإصلاح، تغيرا ملحوظا في التوجه ـ إن لم يكن في النوايا ـ من جانب الحكومات العربية. ففي فبراير 2004، عندما سُرِّب إلى إحدى الصحف اقتراح الولايات المتحدةببرنامج للإصلاح في الشرق الأوسط ترعاه مجموعة الثماني، شعر زعماء عرب رئيسيون مثل الرئيس المصري حسني مبارك بالارتياح، وهم يرفضون الاقتراح فورا باعتباره إمبرياليا وعديم القيمة. أما اليوم، فعلى خلاف ذلك، فكل الحكومات العربية تقريبا ألزمت نفسها رسميا بالمشاركة في بعض وجوه مبادرة مجموعة الثماني.

 

في العامين الماضيين، إذن، تغلبت "استراتيجية الحرية" التي تتبناها إدارة بوش على عقبة رئيسية: أصبحت الحكومات العربية تعتقد أن الرئيس يعني ما يقول عن الديموقراطية في الشرق الأوسط، وأن عليهم أن يستجيبوا على نحو ما إن كانوا يريدون علاقات جيدة مع واشنطن. يمثل هذا درجة أولى من التقدم في التغلب على حاجز المصداقية الذي تواجهه الولايات المتحدة في الترويج للديموقراطية في الشرق الأوسط.

 

التحدي الجديد للولايات المتحدة هو أن تحدد كيف ستتعامل مع المبادلات التي لا بد منها بين الترويج للديموقراطية ولزوميات المدى القصير مثل التعاون في محاربة الإرهاب والمساعدة في تحقيق استقرار العراق ودعم عملية السلام في الشرق الأوسط.

كيف سيتم تكييف المعونات الثنائية والاتفاقات التجارية وترتيبات التعاون العسكري وغيرها من أدوات السياسة كي تخدم تحويل نظم الحكم إلى الديموقراطية ومعاقبة نظم الحكم المتعنتة؟ ففي العربية السعودية وباكستان وأماكن أخرى، ما زال على البيت الأبيض أن يظهر إرادة المخاطرة بمصالح أخرى لصالح الإصلاح الديموقراطي.

 

تخضع تصرفات الولايات المتحدة حيال مصر بالذات إلى مراقبة قوية من أنصار الديموقراطية، إضافة للحكومات العربية كعلامة على الجدية. فنظام مبارك سمح بانتخابات رئاسية تعددية في 2005، لكنه أيضا تلاعب بالقوانين الانتخابية وانتهك الإجراءات القضائية وضرب المتظاهرين ومنع الناخبين من الاقتراع. حتى الآن أدانت إدارة بوش سجن السياسي المعارض أيمن نور وعلّقت التقدم في المحادثات التجارية في القاهرة. لا شك أن فقدان إمكانية اتفاق تجارة حرة أمريكي ـ مصري قد خيّب آمال الإصلاحيين داخل الحزب المصري الحاكم ونخب الأعمال الديموقراطية، لكن ليس من المحتمل أن تستنزل كثيرا من الدموعمن المتشددين في النظام، الذي تتجذّر مصالحهم في بقاء الوضع الاقتصادي على ما هو عليه. إذا كانت هذه الخطوات هي الحد النهائي لرد الولايات المتحدة، فإن مصداقية دفع الرئيس بوش نحو الديموقراطية ستعاني في المنطقة كلها. لكن الأمور في واشنطن لن تقف عند هذا الحد. فإذا قعدت إدارة بوش، فإن أنصار حقوق الإنسان في الكونغرس سيجعلون أصواتهم مسموعة عندما تعرض المعونة لمصر على الكونغرس هذا الربيع.

  تمارا كوفمان ويتس هي مديرة مشروع الديموقراطية والتنمية العربية في مركز الصبان لسياسة الشرق الأوسط بمؤسسة بروكينغز.