في 22 أكتوبر، أعلن "قيصر الإصلاح" في الأردن مروان المعشر أن الأجندة الوطنية، التي رُوِّج لها على أنها خارطة طريق شاملة للإصلاح، لن تُنشَر إلى ما بعد رمضان بسبب مشاكل "في الطباعة والتصحيح". وهذه النكسة الثانوية كانت تستفحل منذ مدة من الزمن، عبر هجمات وقائية حامية الوطيس على الأجندة في الصحافة وإلتباس من جانب رئيس الوزراء عدنان بدران في شأن مدى ما ستكون الأجندة ملزمة. وبحلول نهاية أكتوبر كان كتّاب العواميد البارزون يكتبون عن الأجندة بصيغة الماضي، في حين أن عمّان كانت تضج بالتكهنات عن تغير وشيك في الحكومة أو حل للبرلمان.

 

وقد بدأ العمل على الأجندة الوطنية في فبراير من عام 2005 استجابة لهواجس دولية وإحباطات داخلية متنامية حول اقتصاد متعثر ووضع سياسي قائم قمعي ويتسم بالجمود. فبعد ست سنوات من تسنمه منصبه، كان لدى الملك عبد الله الثاني القليل مما يبديه مقابل خطاباته المتكررة عن الإصلاح. وقد اتسم عهده بانحدار متواصل في الحريات: جملة من القوانين القمعية المؤقتة؛ زهاء عامين من دون برلمان (2001-2003)؛ وقيود أشد على وسائل الإعلام والتجمعات العامة. وتكشف إستطلاعات الرأي العام نفورا شعبيا واسع النطاق، مع إجابة 80 في المائة على أحد المسوحات الإحصائية بأنهم لا يشعرون بالأمان لدى إنتقادهم الحكومة علنا. وفي أواخر عام 2004، إنعطفت الأمور نحو الأسوأ، حيث أدت محاولات وزير الداخلية سمير حباشنه الرامية إلى تجريد النقابات المهنية من دورها السياسي إلى مواجهات مشوبة بالتوتر مع متظاهرين في الشوارع. وعلى الرغم من أن إدارة بوش لزمت صمتا يتسم بالحذر حيال حالات فشل الأردن في المجال الديموقراطي تقديرا لمساعدتها في الشؤون الإقليمية، فإن عبد الله واجه نقدا في وسائل الإعلام الأمريكية حول الصورة غير الديموقراطية بإزدياد للمملكة.

 

وبالتالي كلف الملك لجنة الأجندة الوطنية بتطوير خارطة طريق لإصلاح كافة قطاعات الحياة الإقتصادية والسياسية. وقام عبد الله على وجه السرعة بصرف رئيس الوزراء فيصل الفايز، مكلفا بديله بدران بتطبيق إصلاحات شاملة ومنح رئيس لجنة الأجندة الوطنية دورا مهيمنا في حكومة بدران. ولكن بدران واجه مقاومة برلمانية غير مسبوقة، مع قيام كتلة من أعضاء البرلمان المحافظين بالإنضمام إلى المعارضة التقليدية في تهديد بحرمانه من إقتراع بالثقة. ولم يفز بدران في خاتمة المطاف بإقتراع بالثقة إلا بعد أشهر من المماحكات السياسية والتضحية بأحد وزرائه الرئيسيين، وزير المالية المثير للجدل بسام عوض الله. وكشف عجز القصر عن ضمان تثبيت فوري لبدران مقاومة واسعة النطاق لرؤية الملك للإصلاح، ما حدا به إلى إطلاق العنان لهجوم مدمر على الطبقة السياسية برمتها في خطاب إستثنائي. ومع كون هذه الجروح طرية، فإن السكاكين أشرعت في وجه الأجندة الوطنية بغض النظر عن محتوياتها.

 

وفي حين أن الأجندة لم تكن قد نشرت بعد عند كتابة هذا المقال، فإن معالمها الرئيسية باتت واضحة في عدد من المؤتمرات الصحفية، والخطب، والروايات الصحفية. فالأجندة ستقدم خطة ل 10 سنوات للإصلاح الشامل في ثمانية قطاعات – التعليم، والبنية التحتية، والتوظيف، والضمان الإجتماعي، والمالية، والقضاء، والإستثمار، والتنمية السياسية. ومن بين الأهداف الهامة، وإن كان من الممكن لها أن تكون غير واقعية، هناك تغطية صحية شاملة بحلول عام 2012، وإصلاح رئيسي للنظام الضريبي، وإنفاق متزايد على البحث العلمي، وتخفيض كبير في البطالة عبر خلق 600,000 فرصة عمل جديدة. والأفكار الرامية إلى الإصلاح السياسي أقل تطورا بكثير وأكثر إثارة للجدل. ولعل الأكثر إلحاقا بالأضرار هو أن الكتّاب الذين صاغوا الأجندة فشلوا في تحقيق إجماع على نظام إنتخابي جديد، مقدمين بدلا من ذلك عددا من الحلول المحتملة – بما في ذلك مبدأ نظام مختلط يضم عناصر من التمثيل النسبي – وتاركين للحكومة أمر إتخاذ قرار.

 

وفشلت الأجندة في إشعال فتيل نقاش وطني بنّاء أو بناء إجماع شعبي حول رؤيتها للإصلاح. وأثار الإقتراح بإنهاء العضوية الإلزامية في نقابة الصحافة حفيظة وسائل الإعلام، بحيث إنه ألب العديد من صناع الرأي ضدها قبل نشرها. ويمقت المحافظون هجوم الأجندة على الإمتيازات الراسخة؛ فالبرلمان يمقت تحركها لتغيير النظام الإنتخابي؛ والمعارضة تخشى من أنها ستُستَخدَم لصالح الحكومة؛ والليبراليون يساورهم القلق من أنها ستضحي بالإصلاحات السياسية؛ والنقابات المهنية تخشى من أنها ستتحدى دورها السياسي. فضلا عن ذلك أثار القوميون العرقيون الأردنيون المخاوف من أن الأجندة ستغير هوية الدولة، بحيث إنها تمكن الفلسطينيين وتمهد السبيل حتى أمام حكم أردني للضفة الغربية.

 

لقد ألقت ست سنوات من الوعود التي لم يتم الوفاء بها بظلال جدية من الشك على إلتزام الملك عبد الله بالديمقراطية. وإذا ما فشلت الأجندة الوطنية في إنتاج إصلاح سياسي حقيقي، كما يبدو الأمر أكثر ترجيحا بإطراد، فإن هذه الشكوك ستتضاعف. وسيشكل ذلك تحديا جديا لإدارة بوش، والتي أشادت علنا بجهود الأردن في مجال الإصلاح إلى حد كبير. وإذا ما إستمرت في القيام بذلك حتى في حال فشل الأجندة، فإن ذلك سيخفف على الأرجح من أي إحساس بالإلحاح من جانب الملك. كما أن ذلك سيثبت للعديد من المراقبين العرب أن كلام واشنطن عن القطع مع الدعم الماضي للحكام المتسلطين المتعاونين لا يعدو عن كونه كلاما بالفعل.

 

مارك لينش أستاذ في العلوم السياسية في كلية ويليامز ومؤلف كتاب "أصوات الشعب العربي الجديد" ([منشورات] دار جامعة كولومبيا للنشر، آت في ديمسبر 2005).