تستضيف تونس من 16 إلى 18 نوفمبر القادم الجولة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي تنظمها الأمم المتحدة بهدف الحد من الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة في مجال ثبت و أنه أحد ركائز التقدم حاضرا ومستقبلا.

 

وشهدت الساحة الدولية نقاشات حادة حول اختيار تونس كبلد مضيف لهذا الملتقى الدولي لاسيما ان هذا البلد لا يمثل مرجعا في مجال المعلوماتية وكل ما يتعلق بها سواء من بعيد أو من قريب كحرية التعبير عن الرأي واحترام حقوق المنظمات والجمعيات وكافة مكونات المجتمع المدني.

 

وأكد ذلك محتوى التقرير الصادر عن مجموعة مراقبة تونس بتاريخ 26 سبتمبر 2005 الذي جاء فيه بالخصوص أن "تونس ليس البلد الملائم لاستضافة قمة مجتمع المعلومات" لاسيما بعد التطورات الأخيرة التي أكدت التضييقات التي تنال من أصحاب الأصوات الحرة.

ومن المشروع أن نتسائل : أين هو الحدث ؟ هل هو انعقاد قمة دولية حول مجتمع المعلومات أم استضافة تونس لها ؟ورغم تحفظات الكثيرين على انعقاد القمة في تونس فإن شقا هاما من الفاعلين والناشطين في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان أعطوا فرصة للنظام التونسي لاستغلال المرحلة التحضيرية للقمة حتى يحسن صورة المشهد الإعلامي والحقوقي والجمعياتي في البلاد.

وانطلقت السلطات التونسية فعلا في "تجميل" صورتها أمام العالم فألغت التعامل بنظام الإيداع القانوني في الصحافة المكتوبة الذي كان يمثل عائقا للصحف، لكن دون أن يحد ذلك من المشاكل "الوجودية" لصحف المعارضة مثل "الموقف" الأسبوعية لسان حال الحزب الديمقراطي التقدمي التي تعاني الحرمان من الإشهار العمومي، إضافة إلى الحجز في مرات عديدة. كما حررت السلطات التونسية الإعلام السمعي والبصري فأحدثت إذاعتا "موزاييك أف.أم" و "الجوهرة" إلى جانب قناة "حنبعل" الفضائية.

 

و تدير هذه المحطات وجوه مقربة من السلطة فيما ينتظر إعلاميون مستقلون الحصول على تراخيص لتكوين محطات جديدة ولن يحصلوا عليها ولاسيما أن تقنين تحريرالإعلام السمعي والبصري يشوبه الكثير من الغموض.

 

هذا "النيو لوك" لم يكن إلا الشجرة التي تخفي الغابة، إذ واصلت السلطات التونسية قمعها لكل من

سولت له نفسه أن يشكك في شرعية السلطة السياسية ومدى احترامها للحريات العامة والحقوق.

ففي أبريل الماضي قضت محكمة تونسية بسجن المحامي والناشط الحقوقي محمد عبو لمدة ثلاثة أعوام ونصف. ووصفت الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين الحكم بـ "الصاعقة (...)

فلأول مرة في تاريخ العدالة التونسية يحرم متهم بطريقة فظة من حقه في الدفاع عن نفسه".
و حوكم الأستاذ عبو بعد نشره لمقالين يشبه في الأول سجون تونس بسجن "أبو غريب" وفي الثاني الرئيس التونسي زين العابدين بن علي برئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون على خلفية الزيارة المرتقبة لهذا الأخير إلى تونس على هامش القمة العالمية حول مجتمع المعلومات.

وشهد التصعيد أوجه عندما منعت السلطات التونسية انعقاد المؤتمر التأسيسي لنقابة الصحافيين التونسيين التي أسسها ثلة من الصحافيين المستقلين. وعبرت منظمات حقوقية عن استغرابها من قرار المنع وخاصة أن العمل النقابي حق يضمنه الدستور التونسي والمواثيق الدولية التي صادقت عليها الحكومة التونسية. وشمل التصعيد الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وجمعية القضاة

و إلى جانب الأوساط النخبوية، فإن الجماهير التونسية تواجه صعوبات عدة في الوصول إلى المعلومة لوحدوية الرأي والمصدر. حتى الإبحار على شبكة الانترنت يمثل عائقا كبيرا بسبب حظر العديد من المواقع الأجنبية.وللتذكير، قضت محكمة تونسية في ديسمبر 2004 بسجن مجموعة من الشباب لفترات مرتفعة متهمة إياهم بالتنظيم لأعمال إرهابية رغم غياب الأدلة.

 

ومن الواضح أن المجتمع المدني والأوساط الإعلامية والحقوقية في تونس راهنت كثيرا على تنظيم قمة مجتمع المعلومات للمطالبة بحقها الأول والأخير وهو الحق في الوجود
لكن السلطات التونسية أبت إلا أن تواصل عدوانيتها تجاه القوى الرافضة للأوضاع الحالية بالبلاد التي تتسم بالانسياق وراء مستقبل مجهول. و مما يزيد في الطين بلة صمت الدول الغربية بل مساندتها أحيانا للسياسة القمعية للنظام التونسي لاسيما على ضوء ما يسمى بالحرب على الإرهاب.

 

لكن الغريب في الأمر أن تونس كانت سباقة في مجالات عديدة كالإعلام وحقوق الإنسان خاصة على المستويين القانوني والتنظيمي. فالرابطة التونسية لحقوق الإنسان على سبيل المثال هي أول منظمة غير حكومية تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان في العالم العربي. لكن كغيرها من الهيئات الموجودة أو تلك التي لا تزال في مخاض تلفظ أنفاسها الأخيرة على أمل إصلاحات سياسية عميقة أو ضغوط أجنبية تعدل فيه القوى الخارجية بين المصالح الاقتصادية وإرساء قيم ديمقراطية صلبة.

 

من الممكن بل من الضروري العاجل أن تستغل المجموعة الدولية انعقاد قمة مجتمع المعلومات لفتح ملفات أضحت تؤثر في كل كبيرة و صغيرة في المجتمع التونسي حتى أن حالة الاحتقان في تونس بلغت حدة غير مسبوقة. على المجموعة الدولية أن تضع كل ثقلها في الميزان لتكون قمة المعلومات حدثا بمعنى الكلمة بتطبيق التوصيات على البلد المضيف لا النظر بعيدا إلى بلدان أخرى. و هنا تكمن الحكمة في انعقاد القمة في تونس أو هذا ما نرجوه حقا..

 

بسام بونني صحفي و باحث تونسي مقيم بباريس.