رغم أصولها السلبية، لا يبدو أن التعبئة الأخيرة للطائفة الشيعية في لبنان  مرحلة عابرة، بل بالأحرى فصل جديد في ملحمة مستمرة من الوعي والنشاط الجماعيين لها مترتبات سياسية بعيدة المدى. فالمناخ السياسي بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري أدى إلى عرض غير مسبوق للوحدة داخل الجماعة. فالدعوات الحادة من جانب المعارضة السُّنية ـ الدرزية ـ المسيحية إلى انسحاب القوات السورية وإلى فض الارتباط السياسي مع لبنان قابلها فيض من التاييد الشعبي الذي ظهر جليا فيما ما تلاها من مظاهرات "انتفاضة الاستقلال". ومع تصاعد الحركة داخليا ودوليا، أعاد الشيعة تحديد موقعهم من حالة أولية من الحياد المتحفظ إلى حالة من المشاركة الصريحة، ما حوّل الطائفة الشيعية فعليا إلى معارضة للمعارضة.

حسب "حزب الله"، فإن تعيين المعارضة العلمانية نفسها ناطقا باسم كل اللبنانيين وتصويرها من جانب الإعلام المحلي والغربي على أنها تمثل البلد بأكمله استفز الشيعة المستبعدين وحفز تعبئتهم. فعلى نحو ما شرح نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، "وجدنا أن علينا قول ’لا‘، هناك رأي آخر في لبنان يرفض [ قرار الأمم المتحدة ] 1559 وتدويله." من المهم ملاحظة أن رفض الشيعة للقرار 1559 لم يصدر عن رفضهم للفقرة التي تدعو إلى انسحاب سوري من لبنان إنما بالأحرى من النص على وجوب حل جميع الميليشيات اللبنانية [ وغير اللبنانية ]. وهكذا، فإن الدافع الرئيسي وراء المظاهرة الضخمة التي نظمها "حزب الله" يوم 8 مارس 2005 هو الدفاع عن دور "حزب الله" كحركة مقاومة ضد إسرائيل، وهو دور ضمنته سورية وثبّتته في اتفاق الطائف في 1989. وبالتالي كان التأييد لسورية كناية عن التأييد للمقاومة. ويكشف استطلاع أخير لمؤسسة "زغبي إنترناشونال" أن 90 بالمائة من جميع المتظاهرين زعموا إن دافعهم إلى المشاركة في المظاهرة كان "مناصرة حزب الله." كما قال تقرير الاستطلاع أن أغلبية كبيرة من المتظاهرين يدينون القرار 1559 كما الدورين الأمريكي والفرنسي في إنتاجه، وبذلك يعبرون عن رفضهم للتدويل الضمني للوضع.

اجتذبت مظاهرة 8 مارس إلى قلب بيروت، ما بين ستمائة ألف ومليون متظاهر، من الشيعة أساسا. وكان المركز المحدد للمظاهرة هو منطقة وسط المدينة الفاخرة، وهي محاولة متعمدة لإبراز عدم التناسق بين المتظاهرين وموقع المظاهرة وأيضا إيماءة جماعية تؤكد الحضور الوطني. فالشيعة المستبعدون والمحرومون تاريخيا، الذين يرتبطون عموما بالضواحي الجنوبية الفقيرة أكثر من مركزها الذي يتميز بالرخاء، خرجوا ليعلنوا مطالبتهم بالحق في العاصمة والساحة السياسية التي ترمز إليها.

ويرسم الحجم الضخم للمظاهرة ووحدة دافع المشاركين فيها، إضافة إلى مؤشرات أخرى على التهميش والسخط، هوية سياسية فريدة يتشارك فيها الشيعة، تتجاوز الخط الفاصل بين العلمانية والدينية وكذلك فوارق الانتماء السياسي والطبقة الاجتماعية. وعندما تتساءل عناصر معينة في حركة المعارضة عن مكونات هذه الهوية ـ مقاومة إسرائيل، العداء للإمبريالية، العروبة السياسية والثقافية، وتمكين الشيعة ـ كان هذا يعتبر تهديدا للهوية الشيعية.

تشير الديناميات الطائفية إلى نشوب حرب لغوية تتفكك من خلالها تعريفات مختلفة لمفاهيم مشحونة مثل الحرية، والسيادة، والاستقلال، والوطنية، والإرهاب؛ ويعاد بناؤها من جانب مختلف الطوائف. وتتخذ إعادة البناء الشيعية لتلك المفاهيم شكل الدعم الجماعي للمقاومة. لإن حماية المقاومة تتطابق مع الهوية السياسية الشيعية. فدور المقاومة في مواجهة إسرائيل، منظور إليه من هذا المنظور، لا يمكن فصله عن صلاحيته كحارس شيعي جماعي ـ دور لايعترف به علنا أبدا، لكنه مع ذلك محفور في اللاوعي الجماعي الشيعي. وهكذا تقوم المقاومة كتعويض سياسي عن النقص في التمثيل السياسي الشيعي؛ فرغم أن نحو 40 بالمائة من اللبنانيين شيعة، خصص للطائفة 21 بالمائة من المقاعد البرلمانية.

تبعا لذلك، فإن أي خطة تسعى إلى نزع سلاح المقاومة ستعتبر نوعا من تجريد الطائفة من السلطة وستجعل من الشيعة قوة محتملة لعدم الاستقرار، تهفو إلى قلب الوضع الراهن السياسي. وقد لا تكتفي الطائفة بالتوزيع السياسي المنصوص عليه في اتفاق الطائف وقد تسعى إلى تصحيح الخلل في التوازن بالعمل على إلغاء الطائفية السياسية. ويمكن أن يقوم حزب الله بدور رئيسي في مثل هذا الجدل، لاتردعه سورية أو أولويته لمقاومة إسرائيل ( التي قدم في سبيلها العديد من التضحيات)، متطلعا إلى تحقيق برنامجه الإقليمي من خلال ديموقراطية قائمة على الأغلبية وبذلك يمترس نفسه كحارس للهوية السياسية الشيعية.

أمل سعد ـ غريّب أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية الأمريكية . مؤلفة كتاب "حزب الله" السياسة والدين" ( بلوتو برس، 2002).