في مقابلة جرت في 15 مارسن سأل مذيع الأخبار في شبكة ABC بيتر جننغز الملك عبد الله إن كان الأردن سيصبح ذات يوم ملَكية دستورية. قال الملك " تماما". عندما أتى عبد الله إلى السلطة في 1999 ، انتشر توقع أن هذا القائد الشاب الذي يتمتع بجاذبية جماهيرية والذي تعلّم في ساندهيرست وجورجتاون ـ وغيره من الملوك الشبان في المنطقة ـ سيكونون مستعدين للقيام بإصلاحات ويتقاسمون السلطة بالتدريج. مع ذلك، حتى الآن، كانت النظم غير الملكية مثل العراق ولبنان وفلسطين ومصرهي التي بدأت تشهد انفتاحات ديموقراطية. من الناحية الأخرى، شهد الأردن موجة مقلقة من الارتداد عن الليبرالية.

أولا، كانت هناك الانتكاسة الأخيرة للنقابات المهنية، مظهر آخر من الصراع على روح امة محصورة بين أغلبيتها الفلسطينية المتنامية وبين علاقتها الوثيقة مع الولايات المتحدة. في بلد  أحزابه السياسية عاجزة عجزا استثنائيا، ومجتمع مدني على صلة طفيفة بالجذور، وبرلمان تسيطر عليه القبَلية الموالية للنظام، أصبحت النقابات المهنية بأعضائها البالغين 120.000 هي المسرى الأول لمعارضة السياسة الخارجية الأردنية المختلف عليها ـ وما يظهر أنه مصدر ضيق لا يقبل  التسامح لحكومة تهفو إلى إظهار فائدتها لواشنطن.

هنا يدخل وزير الداخلية سمير حباشنة. وقد اقتنص المجتمع المدني في لحظة تخلى فيها عن الحذر، بسلسلة من التصريحات الشديدة في يناير 2005، طالب النقابات بأن "توقف تماما" جميع النشاطات السياسية. حظرت المظاهرات والاعتصامات، بينما وجِّه الأمر للنقابات المهنية بإزالة اللافتات السياسية عن مقراتها. وأعلن محافظ عمان عبد الكريم ملاحمة أن "أي نوع من المناسبة أو التجمع أو الاجتماع، عدا عن الأعراس، يجب أن يحصل على موافقة مسبقة."

في أوائل مارس، قدمت الحكومة إلى البرلمان مشروع قانون للنقابات المهنية طالبة البت فيه على وجه السرعة. ويعتقد معظم المراقبين أن من شأن هذا القانون المكون من 26 مادة أن يكون انتكاسة قاضية للتحول إلى الديموقراطية. فهو يخول "ديوان المحاسبة"، على سبيل المثال، مراقبة أموال النقابات لضمان أنها تنفق على أنشطة داخلية. كما يغير مشروع القانون إجراءات التصويت لجعل مجالس النقابات تُنتخب بأسلوب غير مباشر عبر "لجان وسيطة." ولاستئصال أي شكوك حول نوايا الحكومة، قال حباشنة صراحة إن القانون يرمي إلى استئصال سيطرة "تيار واحد" ـ يقصد الإسلاميين ـ داخل النقابات.

شنت النقابات ردا قويا، داعية البرلمان إلى محاربة مشروع القانون. ووقع 59 نائبا مذكرة يسألون الحكومة سحب المشروع، رغم أن نحو 20 سحبوا تواقيعهم، في الظاهر نتيجة لضغط حكومي. وقال عديد من الصحافيين علنا إن الحكومة ضغطت على الصحف للامتناع عن نشر أخبار عن الأزمة.

أضافت الحكومة مزيدا من التوتر على وضع خطر بالفعل، بأن اقترحت قانونا جديدا للأحزاب السياسية. يمنع القانون استخدام المساجد أوالنوادي أوالنقابات المهنية أو النوادي الرياضية لأنشطة الأحزاب السياسية، ويحظر التنظيم أو القيام بالحملات السياسية في المؤسسات التعليمية، ويحظر الأنشطة التي قد تسيء إلى علاقات الأردن مع البلدان الأخرى.

في أبريل، سقطت حكومة رئيس الوزراء الفايز التي عرفت بميلها إلى الإساءة إلى الأصدقاء والأعداء على السواء وفقد حباشنة وظيفته. مؤقتا على الأقل، وضعت الكوابح على انزلاق الأردن المخيف نحو السلطوية الكاملة. وأعاد الملك تأكيد التزام بلده بالإصلاح السياسي ووعد بأن تكون سياسات الحكومة الجديدة متوافقة مع برنامج الأردن للسنوات الـ10. مع ذلك يتبقى سبب للتوجس. فرئيس الوزراء الجديد عدنان بدران استخدم نغمة أقل تصادمية من سلفه. لكنه لم يسحب بعد لا قانون النقابات المهنية ولا قانون الأحزاب السياسية .إضافة إلى ذلك، فإن حكومته محتشدة بالتكنوقراط الذين تعلموا في الغرب والإصلاحيين من القطاع الخاص، قليل منهم معروفون بحبهم للديموقراطية.

وقعت حكومة بدران تحت هجوم غير مسبوق. فالنواب غاضبون لكونهم لم يستشاروا قبل تشكيلها، وحتى الموالون للنظام اتهموا بدران بإهمال المنطقة الجنوبية من البلاد في تعييناته. حتى الآن، قال 45 من 110 نواب أنهم سيحجبون الثقة عن الحكومة، وسينضم إليهم 17 من الكتلة الإسلامية عند التصويت.

استجابة للنقد المتزايد، أدلى كل من الملك وبدران ببيانات مبهمة حول خطط الأردن الطموحة للإصلاح. لكن بينما يبدو الملك طيب النوايا، فإن تركيزه على تحسين أداء الحكومة وكفاءتها يخطئ الهدف. فالعقبات الحقيقية أمام الديموقراطية في الأردن تقع في الهيكل السياسي الأردني ودستوره العتيق الذي، بين أشياء أخرى، يضمن أن الملك "محصن من أي حق أو مسؤولية." كذلك، فإن الملك بسلطاته الواسعة، يعيّن رئيس الوزراء وأعضاء مجلس الأعيان الـ40 جميعا، الذين يتطلب إقرار أي قانون مقترح موافقتهم.

بأي مقياس، الأردن ليس على مقربة من الانضمام إلى صفوف ديموقراطيات العالم ويبقى، في الشكل والممارسة، ملَكية مطلقة ـ وهي حقيقة أكدتها آخر الأزمات السياسية. ادعى الملك عبد الله، في مقابلته مع بيتر جننغز، أن الأردن في طريقه إلى أن يصبح مملكة دستورية. مع ذلك، توفر تصرفات الحكومة ذات اليد الثقيلة في الأشهر الأخيرة، سببا وفيرا للشك.

** شادي حميد حائز على منحة فولبرايت في عمان بالأردن، يقوم ببحث حول التحول الديموقراطي والإسلام السياسي في العالم العربي.