تعود جذور الأزمة الجارية في لبنان، التي أشعل فتيلها اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، ليس فقط إلى معارضة الوجود العسكري السوري، إنما أيضا إلى الإحباط الناجم عن غياب الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية منذ العام 2000 .

تسيطر سوريا على العملية الديموقراطية منذ 1992، عندما أجرى لبنان انتخاباته البرلمانية الأولى بعد الحرب. وعلى القدر نفسه من العطب الذي كانت عليه الانتخابات اللبنانية حتى ذلك الحين، كانت دائما تكتسب شرعيتها من دوريتها. مع ذلك، ففي ظل النفوذ السوري، أصبح التنبؤ بموعد الانتخابات ترفا. ففي 1995 أضاف السوريون ثلاث سنوات إلى ولاية الرئيس الياس الهراوي. وفي أغسطس 2004 أجبر الرئيس السوري بشار الأسد الحريري والبرلمانيين اللبنانيين على تعديل الدستور لتمديد ولاية الرئيس إميل لحود الذي يفتقر إلى الشعبية. وكانت الانتخابات البرلمانية المقرر إجرؤها في 2004 قد تأجلت لمدة سنة لأن السلطات السورية خشيت أن يكون انتخابان في عام واحد - رئاسية وبرلمانية - عاملا مزعزعا للاستقرار. وكما أرادت دمشق، لم يعقد أي منهما.

ليفهم المرء كيف أثّرت تلك الأحداث على اللبنانيين، عليه أن يستعيد أنه حتى أثناء الحرب الأهلية بين 1975 و1990 كان الرؤساء اللبنانيون يُنتَخبون. وقد أدى غياب التوافق بين القوى السياسية اللبنانية في 1988 إلى أزمة لم تلبث أن تطورت إلى حرب شاملة بين سورية وأقسام من الجيش اللبناني يقودها العماد ميشيل عون. وبينما تجاوز النزاع انتخابات تأجلت، أبرز إلى أي حد يمكن زعزعة استقرار النظام اللبناني عندما يتم التخلي عن الاستمرارية المؤسساتية وتداول السلطة.

الآن أصبحت الانتخابات البرلمانية المقررإجراؤها في مايو 2005 جزءا من صراع أكبر يتركز على إنهاءالوجود العسكري السوري. ويظهر استعراض حزب الله لقوته عن طريق مظاهرة ضخمة وإعادة تكليف رئيس الوزراء عمر كرامي أنه ما زال لدى سورية أوراق تلعبها. ويمارس السياسيون الموالون للحكومة والمعارضون داخل النخبة اللبنانية هذا الصراع جزئيا بالمجادلات حول شرعية المؤسسات. فالمعارضة لا تثق في أن النظام اللبناني القائم، الذي تدعمه سورية وهيئات المخابرات، سيسمح بعملية انتخابية حرة ونزيهة.

طلبت المعارضة أن تشرف على الانتخابات حكومة محايدة، جزئيا بسبب مسودة القانون الانتخابي للحكومة. يدعو القانون إلى التصويت على مستوى دائرة صغيرة تسمى "القضاء". الإطار العام للقانون تم الاتفاق عليه بين لحود ورئيس الكنيسة المارونية البطريرك نصرالله صفير، الذي سيستفيد لأن التصويت على مستوى القضاء يميل إلى ضمان أصوات للمرشحين المسيحيين ( وهم أقلية في الدوائر الانتخابية الأكبر). ما يزعج المعارضة هو أن مشروع القانون يمكن أن يقسِّم بيروت إلى عدد من الدوائر الصغيرة - وهو تغيير في أحجام الدوائر مصمم أصلا لتقليص قوة الحريري الانتخابية . إضافة إلى ذلك يضم القانون قواعد للدعاية الانتخابية غامضة عن قصد تخشى المعارضة أن تستخدم لإبطال الانتصارات الانتخابية على أسس غير واضحة.

يجب أن يقر البرلمان القانون؛ الواقع، أنه لم يناقش بعد حتى في اللجان المعنية. في السياق الحالي، أخذا في الاعتبار غياب حكومة والضغط المتصاعد على لحود، فإن نظر البرلمان في القانون قد يتأخر. إضافة إلى ذلك، فإن المعارضة مترددة في التحرك إلى الأمام على أي عمل تشريعي إلى أن يجرى تحقيق مستقل في اغتيال الحريري.

في الوقت نفسه، يجب أن تزن المعارضة ترددها في مقابل حقيقة أن انتخابات حرة في لبنان أولوية للمجتمع الدولي، خصوصا الولايات المتحدة وفرنسا. بالتالي، بينما تسعى المعارضة إلى تحسين البيئة من أجل الانتخابات بإضعاف قدرة سورية ولحود على صياغة النتيجة، تحاول أيضا تجنب حل يمكن أن تلام فيه على تأخير انتخابي غير محدد المدة. من غير المتيقن إلى أي مدى تستطيع المعارضة السير على الحبل المشدود. فعند لحظة ما، سيكون على جماعات المعارضة أن تقرر إذا ما كانت تخدم قضيتها من خلال الانتخابات في ظل الظروف الحالية أو أن تركز على وسائل تقليل النفوذ السوري. الحقيقة، أن الجهد السوري لتأخير انسحابها من بيروت وسهل البقاع لأسابيع كثيرة يشير إلى أنها تسعى إلى إقامة برلمان متواطئ قبل أن تسحب قواتها من البلاد.