الانتخابات البلدية الجارية حاليا في المملكة العربية السعودية هي الأولى في المملكة منذ 1963، عندما أجريت الانتخابات البلدية الأخيرة في المنطقة الشرقية. صدر قانون الانتخابات في 1977، لكنه لم يستخدم أبدا، جزئيا بسبب عائدات البلد النفطية الضخمة، التي ولدت ثروة غير مسبوقة وأزالت حدة مطاب تقاسم السلطة. كان هناك عقد غير منطوق بين الشعب السعودي والحكام: دعوا آل سعود يحكمون دون تحدٍ وهم سيعنون بكل احتياجات المواطنين. صمد هذا الاتفاق حتى غزو العراق الكويت سنة 1990 وما تلاه من وضع آلاف من قوات الولايات المتحدة في العربية السعودية. وألهب إحياء إسلامي بين السعوديين، خصوصا من حاربوا في أفغانستان ضد السوفييت في ثمانينات القرن الماضي، الشعور المعادي للأمريكيين وقرار العائلة الحاكمة بإدخال القوات الأمريكية إلى البلاد، التي تعتبر أرضا مقدسة عند المسلمين.

للحظة قصيرة أثناء حرب الخليج في 1991 وبعدها وجد السعوديون حرية التساؤل والمطالبة بمزيد من المشاركة في إدارة شؤون البلاد. وعدت العائلة الحاكمة بان الإصلاحات آتية إذا قبل السكان وجود القوات الأمريكية على التراب السعودي أثناء الأزمة. مع ذلك كانت خطوات الإصلاح الوحيدة التي ظهرت هي إنشاء مجلس الشورى في 1992 ( وهو مجلس استشاري تعينه الحكومة لينصحها حول التشريع) وإصدار القانون الأساسي، أول دستور مكتوب للمملكة يضمن الحقوق الأساسية.

ليس قبل الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، التي ظهر أن 15 من الخاطفين ال19 كانوا سعوديين، أن وجد الإصلاحيون السعوديين فرصة جديدة للدفع من أجل التغيير. إدراك أن التركيز المبالغ فيه على التعليم الديني أنتج جيلا من السعوديين المعادين لأمريكا وللعائلة المالكة وغير المتسامحين والمتطرفين - إضافة إلى ضغط من الإدارة والإعلام الأمريكين - أجبر العائلة الحاكمة على الإقرار بأن التغيير ضروري. وبدأ مئات من الإصلاحيين السعوديين يروّجون عرائض تدعو إلى الإصلاح ويرسلونها إلى العائلة الحاكمة. في أكتوبر 2003، أعلنت الحكومة عن انتخابات لنصف أعضاء المجالس البلدية ( النصف الآخر يتم تعيينه) تجرى أخيرا في جميع أنحاء البلاد.

مع ذلك، أتت الحركة التي سبقت الانتخابات البلدية بعدد من الخطوات إلى الخلف أيضا. أدى اعتقال 10 من الإصلاحيين البارزين في مارس 2004 ( كانوا يطالبون بانتخابات لمجلس الشورى وقضاء مستقل ) إلى تشكك الكثيرين في إخلاص الحكومة فيما يخص الإصلاح. أفرج عن سبعة من الإصلاحيين بعد توقيع تعهدات بألا يناقشوا الإصلاح أبدا، بينما يبقى الثلاثة الآخرون مسجونين أثناء محاكمتهم.

إضافة إلى ذلك، تبقى النساء السعوديات حتى الآن محرومات من المشاركة في الانتخابات. عندما أذيع نص القانون الانتخابي في منتصف 2004، شجعت لغته الخالية من تحديد الجنس خمس نساء سعوديات على إعلان نيتهن الترشح. على أي حال، مع نهاية نوفمبر، أعلن الأمير منصور بن متعب، رئيس اللجنة العليا المحلية للانتخابات في وزارة الشؤون البلدية، أن النساء لن يسمح لهن بالاقتراع او الترشح. رغم أن القانون لم يستبعدهن، زُعم أن المبرر هو مشكلات لوجستية في توفير الموظفات لمراكز اقتراع النساء والافتقار إلى بطاقات هوية تحمل الصورة بين النساء. منذ ذلك الحين وعِدت النساء بالاقتراع في الانتخابات البلدية التالية في 2009. وتأمل ناشطات حقوق النساء أن تعين الحكومة بعض النساء في المجالس البلدية، رغم أن البعض أحبطهن رفض رئيس مجلس الشورى صالح بن حامد تعيين نساء في مجلس الشورى أثناء التوسيع الوشيك للهيئة.

عقدت الانتخابات البلدية حتى الان في الرياض (10 فبراير) وفي المناطق الشرقية والجنوبية (3 مارس ). أما المنطقة الغربية التي تضم مكة والمدينة وجدة، والمنطقة الشمالية، فستكونان آخر من يقترع في 21 أبريل. في العاصمة، كسب سبعة مرشحين إسلاميين المقاعد المتاحة جميعا في المجلس البلدي بعد تشكيل تحالف غير رسمي، وهي نتيجة كانت الحكومة حريصة على تجنبها لكنها غير قادرة على منعها. في القطيف، المعقل التقليدي للأقلية الشيعية المهمشة في المملكة، كسب الشيعة المقاعد المطروحة جميعا، إلى جانب خمسة من المقاعد الستة في منطقة الحسا المختلطة من السنة والشيعة. شِهدت جولتا الانتخابات البلدية حتى الآن حملات قوية ومشاركة صحية من التاخبين المسجلين، رغم أن تسجيل الناخبين كان منخفضا في بعض المناطق.

يبقى كثير من السعوديين متشككين بعمق حول سلطات المجالس المنتخبة جزئيا، لكن هذه الخطوة الصغيرة نحو الديموقراطية مع ذلك منحت البعض أملا في أن يروا في حياتهم انتخابات لمجلس الشورى، الذي يجري توسيعه حاليا من 120 إلى 150 عضوا. كما أنهم يعتقدون أن الانتخابات البلدية فتحت الباب لمزيد من الإصلاحات، ويقولون إنه باب لن تستطيع الحكومة إغلاقه بسهولة.

** رشيد أبو السمح محرر رفيع في صحيفة آراب نيوز في جدة، بالعربية السعودية. وهو يكتب عن الشؤون السعودية بانتظام للواشنطن تايمز والأهرام ويكلي.