بينما يواصل برنامج إصلاح الشرق الأوسط الاتساع، حان الوقت لإدماج مسألة إصلاح القطاع الأمني في المناقشة. فالإصلاح الأمني موضوع حي في الجدل المحلي وموضوع للدعم أو التدخل من جانب المجتمع الدولي، في العراق وفلسطين دون غيرهما. في هاتين الحالتين، يدور الجدل بسبب نقص حاد في الطاقة الأمنية، سواء كانت الشرطة، أو غيرها من أجهزة فرض القانون، أو القدرات المخابراتية والعسكرية. بالنسبة إلى بقية العالم العربي قد تكون المشكلة هي العكس: فيض من القوة الأمنية وطاقة على القمع أكثر من اللزوم من جانب المشتغلين بالأمن تؤدي إلى مصلحة متبادلة بين الزعماء ومسؤولي الأمن في تأجيل الإصلاح أو تجنبه.

تبدو الأرض الآن وكأنها تتحول لأسباب عديدة. فكل بلد عربي تقريبا قلق من التهديدات الداخلية - من مجموعات "القاعدة" إلى القلاقل المدنية - أكثر من قلقه من الأعداء الخارجيين. كما تساهم في التحول المطالبة بخفض الإنفاق على الدفاع والضغط من المجتمع الدولي لخلق بيئة أكثر أمنا للعاملين في قطاع الطاقة والدبلوماسيين وغيرهم من الأجانب المقيمين. تتطلب الاستجابة لتلك الاحتياجات بعض التفكير الجديد حول أفضل استخدام لقوات الأمن، بما في ذلك كيفية تحقيق تواصل أفضل بين مختلف أجهزة الأمن. على أي حال ما زال هذا الدمج يستوقف الكثيرين في المنطقة، ممن تعمدوا تكوين نظم للكوابح والتوازنات وعدم الثقة المتبادل بين الأجهزة الأمنية لجعل النظام القائم محصنا من الانقلابات.

هناك بضع علامات على استعداد أكبر للتحدث عن المسائل. ففي يناير عقدت منظمتان غير حكوميتين، مركز الأردن للدراسات الاستراتيجية ومركز جنيف للسيطرة الديموقراطية على القوات المسلحة، مؤتمرا في عمان عالج حاجة قوات الأمن إلى التخلي عن انغماسها المفرط في الإعلام والتعليم والتعيينات البيروقراطية، والحاجة إلى المزيد من رقابة البرلمان والحكومة على المؤسسات الأمنية. ربما يكون الأردن حالة ناضجة للتغيير، نظرا لثقافة سياسية مستقرة نسبيا ولدور الملك كوسيط أو فاصل بين العسكر والمؤسسات السياسية. بدعم منه، يمكن أن يقوم الجدل. كما أن المسائل الأمنية تناقش بصراحة أكبر من جانب المجتمع غير الحكومي المزدهر في الخليج. حتى الآن، جدول الأعمال متواضع، يركز على التحسينات العملية أكثر من التركيز على المسائل الأكثر نظريةً المتعلقة بالسيطرة المدنية على قوات الدفاع ونظم أكثر شفافية وخضوعا للمحاسبة.

ببعض الطرق الهادئة، يحاول المجتمع الدولي الإسهام أيضا. ففي أعقاب عملية أوسلو في مطلع تسعينات القرن الماضي، وفرت محادثات "نزع السلاح والأمن الإقليمي" حلبة غير مسبوقة للمشتغلين بالأمن من جميع أنحاء المنطقة ليلتقوا مع بعضهم بعضا ويتحدثوا عن مسائل تؤثر في الأمن على المدى الطويل. بينما لم تكن عملية "نزع السلاح والأمن الإقليمي"، التي انتهت رسميا في 1995 مقصورة على الإصلاح، فقد خلقت مجالا أكبر لمناقشة الأمن فيما يتجاوز المصلحة الوطنية لكل دولة، وأقامت علاقات عبر حدود كانت ممنوعة في السابق، وقوَّت الخبرة المدنية حول ما كان في السابق مسائل عسكرية محظورة.

بعد ذلك بعقد من الزمن، يخلق الحلف الأطلسي (الناتو) فرصا جديدة للمشتغلين بالأمن للخروج من ثكناتهم والتحدث عن الهموم المشتركة. في البداية قدم الناتو خبرته التقنية إلى المسؤولين الأمنيين في البحر المتوسط، وفي يونيو 2004، جرى توسيع المفهوم إلى منطقة الخليج ومضى من الحوار إلى المشاركة. يأمل الناتو أن بعمل مع مجتمعات الأمن لترويج طاقات أكفأ وأكثر قابلية للمشاركة العملياتية، لتشجيع التعاون في الإصلاح الدفاعي، ولتنسيق نشاطات مقاومة الإرهاب. ولما كانت سياسات مقاومة الإرهاب يمكن أن تتقاطع أهدافها مع الإصلاح السياسي (خصوصا فيما يتعلق بالخصوصية وحرية التعبير) فإن بوسع الناتو أن يقدم خبرة ديموقراطيات كاملة النمو في إدارة المبادلات الصعبة في مقاومة الإرهاب مع حماية الحريات الأساسية، التي هي هدف حيوي في عملية الإصلاح.

لإصلاح القطاع الأمني مترتبات وصلات واضحة بالإصلاح السياسي. فالمشتغلون بالأمن، من الشرطة إلى الجنود سيصبحون أكثر كفاءة إذا تلقوا تدريبا أفضل، من التعليم العام إلى التعلم عن حقوق رفاقهم المواطنين. ويحتاج المواطنون إلى أمن أكثر كفاءة لخلق البيئة اللازمة للمشاركة السياسية والتغيير السلميين؛ ففي ظروف الأمن القديم ذي اليد الثقيلة، لا يزدهر الانفتاح السياسي. إن البلرمانات المستجدة أو التي حصلت على سلطاتها حديثا تحتاج إلى التعامل مع المسائل الأمنية كمسؤولية رئيسية، وأن لاتقول لها القصور أن المسائل الأمنية محظورة. والمزيد من الشفافية والوضوح بشأن العلاقات المدنية - العسكرية والحدود بينهما شروط ضرورية للتغيير السياسي والإصلاح على المستوى الاستراتيجي. إن محاولة ترويج الإصلاح السياسي مع مواصلة العمل كالعادة في القطاع الأمني لن تنجح.

** إلين لايبسون هي رئيس مركز هنري ل. لا ستيمسون في واشنطن العاصمة ومديره التنفيذي.