في مؤتمر عقد مؤخرا حول التأثيرات السياسية للتليفزيون الفضائي العربي، صاح من مؤخرة الغرفة مقدِّم عربي مرموق لبرنامج حواري عربي، "سأفشي لكم سرا عن التليفزيون. إنه يدور كله على الفُرجة. يدور على الفرجة أولا، والفرجة ثانيا، والفرجة ثالثا". ورغم أن مقدم البرنامج نصير جريء للإصلاح الديموقراطي، فإن ملاحظته قد تساعد على تفسير لماذا لم تُترجم تلك المجادلات الصاخبة ذات الشعبية على التليفزيون الفضائي العربي إلى تحولات في الحياة السياسية العربية.

يتزايد حديث العرب، ومن يراقبون العالم العربي، عن كيف أن عصر التليفزيون الفضائي قد أنتج نوعا من الخطاب لم يكد يوجد في المنطقة من قبل. في برامج الحوار على التليفزيون العربي الجامع، يجادل رجال الدين العلمانيون، والراديكاليون يجادلون المعتدلين، ويهاجم مبررو أحد أنظمة الحكم مبرري نظام آخر. وأصبحت المسائل التي كانت محظورة مثل سياسات المعارضة والجنس والدين من أعمدة برامج السهرة.

عندما بدأت تلك البرامج في أواسط تسعينات القرن الماضي، رأى فيها البعض مرتكزا لانفتاح ديموقراطي. إذ كانت الرقابة عمودا للحكم السلطوي في الشرق الأوسط على امتداد الحقب، وكان التليفزيون الفضائي أخذ ينحر فيها.

مع ذلك فبعد عقد من الزمن لم يسقط نظام عربي واحد على أيدي شعبه، واتخذ قليلون خطوات محدودة نحو التحول إلى الديموقراطية. لقد أتى التليفزيون العربي الفضائي الجامع إلى الاستوديوهات بخطاب سياسي أكثر صراحة، لكنه لم يأتِ على الأرض بسياسات أكثر انفتاحا.

أحد الأسباب هو أن الجدل في العالم العربي يدور في معظمه على الفُرجة، وليس على المشاركة، ولا يصح هذا على شيء، أكثر مما يصح على التليفزيون الفضائي العربي. فالجدل يُولِّد من الحرارة أكثر مما يُشِع من الضوء، حسب القول الأمريكي السائر. على المستوى الجمعي ينتج من الفعل ما يزيد قليلا عن ضغط الإصبع على جهاز التحكم في التليفزيون عن بعد.

ما لذي يمكن أن يحدث فرقا؟ تقدم جهود الداعية التليفزيوني الإسلامي المصري عمرو خالد نموذجا مغريا للتغير الاجتماعي عبر الإعلام الجماهيري. فخالد الذي بدأ يتحدث في مطلع التسعينات في النوادي الخاصة وفي غرف المعيشة في بيوت الطبقة العليا في القاهرة، أصبح ظاهرة إعلامية مثيرة بسبب حديثه الواضح، عن كيف يستطيع المسلمون، ويجب عليهم، تقديس ما هو يومي. إن خالد الذي تعلم ليكون محاسبا، لا يستخدم لهجة التقريع التي ترتبط عادة برجال الدين، ولا غضب الإسلام المتشدد ؛ خلافا لذلك يتميز أسلوبه بالتيقن والأسى.

من خلال تجمعات ضخمة ذات طابع إحيائي في مصر، وعلى نحو متزايد عن طريق برامج التليفزيون الفضائي التي تذاع على نطاق الشرق الأوسط، أنشأ خالد ليس مجتمعا من المشاهدين فحسب، إنما مجتمعا من المشاركين. فأتباع خالد يفعلون ما هو أكثر من الكتابة والاتصال أثناء برامجه.إن جمهوره الذي يتخذ على نحو متزايد طابعا شاملا، يشارك في حملات خيرية، وينظم مجموعات للدراسة، ويسعى إلى تطبيق دروسه المعينة في حياتهم اليومية. والحقيقة، أنه في مراحله الأولى كان جمهوره يتشابه مع شبكات رجل الدين التركي المنفي فتح الله غولِن، التي تمتد عبر أوروبا إلى أعماق آسيا الوسطى. يشارك أتباع غولِن في الدراسة والعمل الجماعيين لاستخدام التحسن الذاتي كطريق لتقوية جماعتهم الدينية.

ورغم أن خالدا ليس سياسيا ملتزما، فقد حرَّك جمهوره بنجاح نحو الخروج من السلبية. ومن خلال المشاركة في أعمال محددة - بما في ذلك شراء كتبه وتسجيلاته، دون أن يقتصر الأمر على ذلك - يتحركون نحو العمل.

بالنسبة لأتباع خالد، مثلهم مثل أتباع غولِن والمشاركين في الحركات الاجتماعية الحديثة الأخرى، المبدأ الرئيسي الناظم هو الوصل بين الجماعي والفردي. فالملايين يشاهدون البرنامج نفسه، ويستمعون إلى الموعظة نفسها أو يقرأون الكتاب ذاته، لكنهم أيضا يعمقون تلك التجارب ويقوونها بالعلاقات الشخصية. ما يرونه له بعض التأثير على ما يفعلونه. مشاهدة الشيء نفسه أو الاستماع إليه لا يكفي، إلا عندما يجعل الجمهور يعمل في تناسق.

الطريقة البسيطة التي تصبح بها جماعات الاعتقاد جماعات عمل، هي اتخاذ مظهر خارجي مشترك. وفي الشهور الأخيرة اشترى نحو 20 مليون شخص حول العالم "أساور مقاومة السرطان" الصفراء من "مؤسسة لانس أرمسترونغ"، مرسلين بذلك رسالة تضامن مهمة تشبه بطريقة معينة تبني النساء المسلمات أشكالا معينة من الحجاب في القاهرة أو دمشق أو بيروت. بهذه الطريقة تصبح المعلومات عقيدة، ويصبح الاعتقاد عملا.

إن التحدي الأكثر صخبا للسياسات العربية الذي تعرضه "الجزيرة" وغيرها من القنوات الفضائية هو الانتقال إلى ما بعد الفُرجة. وعلى وجه الخصوص بالنسبة للمعارضين، بمواردهم القليلة واستبعادهم من السلطة، سيكون التحدي هو إثبات أن لهم مغزى في حياة أتباعهم اليومية.

إن إقامة صلة شخصية مع جمهور، كما فعل عمرو خالد، أمر حيوي. على القدر نفسه من الأهمية، أن يتم الربط بين الاعتقاد والعمل بطريقة تنمي إحساسا بالعضوية. التليفزيون له مشاهدون، والسياسة لها مشاركون. وإلى أن يستطيع التليفزيون الفضائي العربي تحويل الأولى إلى الأخيرة، سيبقى أساسا أداة للتسلية لا آلة للإصلاح.

** يدير الدكتور آلترمان برنامج الشرق ألوسط في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في واشنطن وهو مؤلف كتاب "إعلام جديد، سياسات جديدة؟ من التليفزيون الفضائي إلى الإنترنت في العالم العربي"(واشنطن: "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" 1998 ).