في يوليو الماضي،عندما أعلنت "الجزيرة"، القناة الإخبارية العربية التي تبث من قطر، أنها تبنت ميثاقا رسميا للأخلاق الصحافية، ظهرت أيضا تقارير بأن الشبكة لن تلبث أن تحوِّل نفسها إلى شركة مساهمة. بالنسبة لكثير من مراقبي الإعلام، كانت الحركتان متصلتين. فبالتركيز على كلمتين مثل "المصداقية" و "الاستقلال" بدا أن الميثاق الأخلاقي يُبلغ المساهمين المحتملين أن القناة يمكن أن تصل إلى مصاف التليفزيونات الإخبارية العالمية، وأن "الجزيرة " يمكن أن تحقق أرباحا وتفي باحتياجات المشاهدين من المعلومات في الوقت نفسه. إن تحقيق الأمرين معا يمكن أن يكون سابقة في البث العربي.

تاريخيا، كان البث التليفزيوني الأرضي العربي تحت إدارة احتكارات حكومية تتميز بالسيطرة المحكمة على المضمون بغض النظر عن الربح. ورغم أن القوانين اللبنانية والفلسطينية سمحت بقنوات أرضية خاصة، اقتصر معظم الملكية الخاصة على القنوات الفضائية، لمالكين متحالفين مع نظم الحكم، ويسعون إلى الترويج لبرامجهم السياسية الخاصة أكثر من إرضاء مشاهديهم. في تلك البيئة كانت "الجزيرة"، التي تأسست في 1996،نشازا. فالقناة المدعومة من حاكم قطر الإصلاحي، كسبت تغطيتها التي لا تخضع للرقابة جمهورا ضخما، وكان يجب بالتالي أن تجتذب مداخيل إعلانية كبيرة. فشلت في تحقيق ذلك، لأن الإعلان في التليفزيون العربي، يتبع توجيه حكومات تحب الرقابة ولا تسعى إلا لخدمة نفسها، وليس لتوجيه قوى السوق.

الآن، بعد عقد من الزمن أعاد فيه التليفزيون الفضائي صياغة هيكل المنظور الإذاعي العربي بإطلاق درجة من المنافسة، ثمة علامات جديدة على تغير هيكلي. فالأردن والمغرب، اللذان يقودهما ملكان من جيل أصغر سنا، ينهيان احتكارهما للبث الأرضي. وفي مصر، حيث تحتاج الدولة إلى التخفيف من عبء دفع رواتب نحو 35000 من موظفي الإذاعة والتليفزيون، وضعت مشروعات قواعد جديدة أكثر تحررا لمنح تراخيص البث. وفي الشهور الأخيرة ظهرت في الكويت والأردن ولبنان وتونس قنوات خاصة جديدة، رغم أن كثيرين يؤثرون السلامة بتفضيل برامج التسلية والبرامج الدينية على الأخبار. وظهرت موجة من القنوات الأخرى، مقراتها في بغداد وبيروت ودبي ولندن لتستهدف السوق العراقية التي فُتحت مؤخرا.

ما ليس واضحا بعد، هو ما إذا كانت الحكومات العربية، في سياق إصلاح قوانينها الإعلامية ستسمح لهيئات رقابة مستقلة بوضع نظم البث، أم أنها ببساطة ستقوم بتعيين لجان مستأنسة لتواصل الرقابة التي كانت تقوم بها وزارات الإعلام. في العراق، أنشأ مسؤلوو الاحتلال الأمريكي كيانا مستقلا، "الهيئة القومية للاتصالات والإعلام"، على طراز هيئة التنظيم البريطانية، "أوفكوم"، لضمان أن يروّج الإعلام العراقي لجدل وطني غير مقيَّد. لكن ما أن تولت السلطة الحكومة العراقية المؤقتة في يونيو الماضي، حتى وضعت فوقها مجلسا أعلى للإعلام، ليفعل ما يريده رئيس الوزراء وليطرد من لا يحبهم من العاملين في الإعلام أو يحرمهم من الشرعية. وما يسمى مبادرات إصلاحية في أماكن أخرى من المنطقة، يمكن أن ينتهي إلى تأسيس آليات مماثلة للسيطرة الحكومية.

في تلك الأثناء، تصدر القيود التحريرية على محتوى هيئات البث الخاصة، ليس فقط من الرقابة الصريحة، إنما بطريقة أكثر خفاءً من الطريقة التي تعمل بها صناعة الإعلان. فعندما لا تكون الأولوية الأولى لمصالح المشاهدين والأرباح المالية،لا يكون لدى أصحاب التليفزيونات حافز لقياس الشعبية النسبية. وهكذا حتى وقت قريب، قام قليل من الشركات بعمليات مسح للمشاهدين وما أجري منها كان يفتقر إلى المصداقية، إذ يميل إلى تزكية محطات قليلة تحبذها الحكومات وترك الشركات غير المتأكدة في توجيه وضع إعلاناتها لتحقيق أفضل النتائج.أما وضع إعلاناتها على قناة ذات شعبية مثل "الجزيرة"، التي تتعرض لمقاطعة إعلانية تساندها العربية السعودية وحكومات عربية أخرى معارضة لتغطيتها، فيعتبر مخاطرة في منطقة تعتمد معظم الشركات الكبيرة فيها على رعاية أصحاب السلطة السياسية.

لكن مع توسع عدد اللاعبين في مجال الفضائيات، أخذ جمع المعلومات يتحسن. فمع توفر نحو ثلاث عشرة قناة إخبارية فضائية باللغة العربية، وكثير غيرها مخصصة للموسيقا والرياضة، يحاول المزيد من الشركات إثبات قيمتها في مجال الاستطلاعات. على سبيل المثال، أعلنت "مجموعة الاستشاريين العرب" التي تتخذ من عمان مقرا لها، أن 82 بالمائة من الأسر السعودية التي جرى استطلاعها تشاهد "الجزيرة" وأن 69 بالمائة ممن استُطلعت آراؤهم يعتقدون أنها جديرة بالثقة أو جديرة جدا بالثقة، رغم عدم شعبية "الجزيرة" لدى النظم الحاكمة. كما وجدت الدراسة أن 11 بالمائة من الأسر السعودية يشاهدون "المستقلة" المملوكة ملكية خاصة ومقرها لندن.

وقد أسست "المستقلة" مكانها بالتركيز في وقت مبكر على حقوق الإنسان. وقد أسسها رئيس تحرير لإحدى الصحف من أصل تونسي، وزعمت من البداية أنها مختلفة عن القنوات الخاصة التي يملكها مقربون من الحكومات أو كبار رجال الأعمال. واليوم قد تكون قلة أخرى من الإذاعيين العرب قادرة على ادعاء الشيء نفسه. مع ذلك، ففي مواجهة ضغوط حكومية مطَّردة وتشوهات في مداخيل الإعلان، تحتاج جميعا إلى جيوب عميقة كي تبقى. وحتى عندئذ، كما في حالة قناة "دريم" المصرية الملوكة ملكية خاصة، قد تجري التضحية بالاستقلال التحريري من أجل البقاء. وقد وظف أحمد بهجت، صاحب "دريم" إذاعيين ذوي شعبية وشخصيات قوية ليساعدوا قناته على البروز وسط الزحام. لكن، واحدا بعد الآخر، استجابة لعدم الرضا الحكومي، أبعد بهجت عن الهواء هالة سرحان وإبراهيم عيسى ومحمد حسنين هيكل وحمدي قنديل. أكسبتهم جرأتهم محبة المشاهدين، لكنهم ليس هم من يقرر إذا ما كانت "دريم" ستبث أم لا. بكلمات أخرى، ما زال المشاهدون بعيدين عن أن تكون لهم الكلمة الأخيرة. وإلى أن يكون للبث العربي هيئة تنظيم مستقلة، سيكون الإذاعيون العرب الطموحون محاصرين من كل ناحية.

 ناعومي صقر محاضر رفيع في مدرسة الإعلام والفنون والتصميم بجامعة وستمينستر بالمملكة المتحدة.وهي مؤلفة "المجالات الفضائية:" التليفزيون العابر للقوميات والعولمة والشرق الأوسط" (لندن : إ. ب. توريس، 2001) ومحررة كتاب "النساء والإعلام في الشرق الأوسط" (لندن: إ.ب. توريس 2004).